من اليمن إلى مصر.. «الحوار» بِدعة بديلة عن الديمقراطية

بات واضحاً من خلال الأوضاع المقلقة في مصر وقبلها المأساة في سوريا ومسارات التسوية في اليمن أن الطريق لا يزال طويلاً أمام ثورات الربيع العربي وأن التحديات لم تزل جمةً، وبإمكانها أن تقلب الصورة إلى غير ما يظهر الآن..
والقصة برمتها أن إسقاط الأنظمة الديكتاتورية المحلية بزمن قياسي وجهود جماهيرية غير منظمة كانت مهمة أسهل من فرض إرادة الجماهير العربية الثائرة على القوى الدولية المهيمنة والقادرة على وضع العراقيل وتشجيع الفوضى قبل قيام أنظمة جديدة..
العنوان العريض لهذه المرحلة في المنطقة العربية والذي اخترعه المهندس الغربي لمواجهة الثورات هو: «الحوار» لإجهاض مشروع الدولة بمشاريع القوى والطوائف.. ومن تابع بدقة مسار الأوضاع في اليمن يعرف كيف أن ما يجري ما يجري في مصر ليس إلا سيناريو مستنسخ لحد ما من اليمن ليصل إلى نتيجة واحدة؛ وهي: أن هناك من لا يريد أن تقوم دول عربية في بلدان الثورة التي ثارت على الأنظمة، وظهرت القوى الإسلامية الوطنية البديل الذي لا مفر منه.
وكبديل عن «الديمقراطية» التي جاءت بقوى إسلامية وبعكس ما يهوى التيار الصهيوني الذي تنفذ أمريكا والدول العظمى.. جاء «الحوار» كلمة حق يراد بها باطل.. من خلالها يتم تعميم النموذج اللبناني بتقاسم البلاد على مصر واليمن وغيرها؛ بحيث يسود توازن القوى المختلفة بدلاً عن رأي الأغلبية ومشروع الشعب وقوة الدولة.
ومن المهم الإشارة، في هذا الصدد، إلى تصريح للخارجية الروسية الجمعة عن أن مجلس الأمن الذي زار اليمن الأسبوع الماضي "شدد على ضرورة الحفاظ على ميزان القوى السياسية في اليمن"؛ وهي نفسها نظرية "توازن القوى" التي وضعها المنظر السياسي الإمامي محمد عبدالملك المتوكل.. بحيث لا يمكن لأي قوة سياسية أن تحمل مشروع دولة بقدر ما تحمل مشروعا داخل الدولة، لأن كل شيء سيكون بإمكان القوى الأخرى تعطيله.
البعض يعتقد أن اليمن قد تعدى مراحل الخطر وفاز بالمبادرة الخليجية بانتقال سلمي للسلطة أقل كلفة مما جرى في بلدان أخرى، وذلك ليس دقيقاً تماماً، فالمخاطر المترتبة على الصورة الهشة في اليمن تبدو أعمق وأخطر مما قد يتصوره البعض. فالدولة الناتجة لم تزل تحفها مخاطر التمزيق بدلاً عن مخاطر النظام السابق، وهناك الوصاية الخارجية وبوادر إعاقة تمنع تكون دولة في الأساس وتضع سقفاً لأية جهود يمنية مستقبلية تحاول التحرك. عن طريق "توازن القوى" والفيدرالية وغيرها.
وانتقلت مسميات وعناوين الوضع اليمني بقدرة قادر إلى مصر وأصبح التشابه كبيراً في العبارات التي يرددها المصريون عن الحوار، وكيف انه المنقذ العظيم، كما يردده الرسميون في اليمن، حول الحوار، والحوار.. وإن لم تنجح القوى التي توتر الوضع في مصر بإسقاط الحكومة والرئيس مرسي، لا قدر الله، فإنها ستنجح في كل الأحوال بالتشويش على مسيرة البناء والتغيير في هذه المرحلة.. حتى أن تسمية "جبهة الإنقاذ" بدأت من اليمن عن طريق القوى التابعة لإيران في العام 2011، وقامت بقيادة ثورة مضادة من داخل الثورة ضد الإخوان والقوى الوطنية المختلفة.
ويبدو من خلال الكثير من القرائن والتطورات المتلاحقة أن العنوان العريض للفترة القادمة في مصر واليمن وسوريا وغيرها هو «الحوار».. إلى أن تخضع القوى الوطنية لشروط العملاء وتعطي الأمان للكيان الصهيوني، وهذا إن لم تنجح الفوضى في تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ وحروب أهلية مدمرة. ويجب على إخواننا المصريين أن ينتبهوا إلى أن «الحوار» ليس بالضرورة قارب نجاة بقدر ما هو كلمة حق يراد أن تكون الصنارة التي يصادون فيها محاولات الشعوب العربية كسر القيود واللحاق بالعالم.




