كشف المغالطات التاريخية في أنساب القبائل اليمنية: قيفة، بني هلال، جماعة

  كتب: أحمد الجحيفي

كشف المغالطات التاريخية في أنساب القبائل اليمنية: قيفة، بني هلال، جماعة


من المغالطات التاريخية بأن تنسب بعض القبائل الى غير أصلها، لأهداف سياسية وأخرى طائفية عنصرية. وللأسف فإن كثيرا من أبناء هذه القبائل أصبحوا يؤمنون بهذه المغالطات والتلبيس المقصود، دون وعي أو إدراك لهذه الدسيسة وما يترتب عليها من آثار مدمرة لهوية وتاريخ المجتمع اليمني ونسيجه الاجتماعي المتماسك.

وسنذكر جزءا من هذه المغالطات على سبيل المثال لا الحصر ومنها:

– قبيلة “قيفة” المذحجية القحطانية وأكذوبة نسبها الى “أبو لهب” وقريش.

– قبيلة “بني هلال” النخعية المذحجية القحطانية، وأكذوبة نسبها الى “أبو زيد الهلالي” والى هوازن من قيس عيلان.

– قبيلة “جُماعة” – بيت الجماعي – القضاعية، وأكذوبة نسبها الى “بني أمية”.

وسنذكر -بإذن الله- كل قبيلة من هذه القبائل اليمنية الثلاث بالتفصيل تاريخيا وجغرافيا.

ولا يعني هذا البحث بأننا نستنقص أو نقلل من قدر القبائل العربية الأصيلة من مضر وربيعة وقيس عيلان وهوازن وغيرها -معاذ الله- وإنما إظهار للحقائق وكشف المغالطات والتلبيس في بطون الصحف الصفراء الآثمة. ويبقى الأصل عندي “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. والله من وراء القصد.

* قيفة المذحجية، وأكذوبة نسبها إلى “أبي لهب”:

– تقع بلاد قيفة في الجهة الجنوبية الشرقية من العاصمة صنعاء، ويحدها من الشمال الحداء وبني ضبيان من خولان العالية وبلاد مراد، ومن الجنوب مديريتا العرش ورداع، ومن الغرب عنس والعرش ومخلاف عمار من ذي رعين ومن الشرق السوادية.

يتوسط موقعها الجغرافي بين قبائل ومناطق مذحج (مراد وعنس والحدا والسوادية) ومناطق قبائل حميرية – الحليف التاريخي لمذحج – (خولان وردمان ورداع والعرش وعمار من ذي رعين).

– نسب “قيفة”
أورد في هذا المنشور باختصار ما ذكره أشهر مؤرخي ونسابة اليمن من المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين في إثبات نسب قبيلة قيفة الى مراد ثم مذحج.

يقول ابن الكلبي: (قائفة – قيفة – والمصعبين من مراد ويقال لهما ” قريش مراد “).

وابن الكلبي عاش في القرن الثاني واسمه هشام بن محمد مؤرخ وعالم أنساب وأخبار العرب وأيامها ووقائعها ومثالبها، توفي سنة 204ه‍.

ويقول أبو محمد الحسن الهمداني: (قيفة بطن من بطون مراد).

والهمداني أشهر من نار على علم في التاريخ والأنساب وقد عاش في نهايات القرن الثالث الهجري، واسمه الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن داود بن سليمان الأرحبي البكيلي الهمداني، ويستدل من (المقالة العاشرة) من كتابه (سرائر الحكمة) أنه ولد بصنعاء يوم الأربعاء 19 صفر سنة 280هـ وتوفي في مدينة ريدة سنة ٣٣٦ه‍ .

وينقل المقحفي في كتابه “معجم البلدان والقبائل اليمنية” قول الأكوع – وهما من المؤرخين المعاصرين – قال: (قال الأكوع: قيفة بطن من مراد واسمه عامر بن مفرج بن ناجية بن مراد بن مذحج).

واستناداً لما ذكره مؤرخو ونسابة اليمن من الهمداني الى الأكوع فإن المرجح بأن “قيفة” قبيلة مذحجية قحطانية، ولم يشذ عن هذا القول غير محمد بن عبدالله بن علي المعروف ب”أبو علامة” المتوفى سنة ١٠٤٤ه‍ صاحب كتاب (روضة الألباب في معرفة الأنساب) المشهور ب”مشجر أبي علامة”، وهو من المتأخرين وعليه مآخذ كثيرة، وكذلك الحجري صاحب كتاب “مجموع بلدان اليمن وقبائلها” وهو من المعاصرين، وقد نقل ما ذكره “أبو علامة” في مشجره.

فيتضح مما سبق بأن “قيفة” قبيلة يمنية مذحجية. ويظل نسبتها الى قريش أمرا لا يصح، وإن كان فيها بعض الأسر الهاشمية القرشية، فمن غير المعقول أن يكون كل من يسكن بلاد قيفة هاشميا او قرشيا، فنسب وتاريخ قيفة الى مذحج أقدم من تاريخ ونسبها الى أبي لهب، فبينهما قرون مديدة من الزمن، ومن غير المنطقي بأن ننسب المتقدم الى المتأخر.

* قبيلة “بني هلال” النخعية وأكذوبة نسبها إلى “أبي زيد الهلالي”

عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: شَهِدتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهوسلَّمَ يَدْعو لهذا الحيِّ منَ النَّخَعِ، ويُثني عليهم حتى تمنَّيتُ أنِّي رَجُلٌ منهم.[ * ]

يخلط كثير من المؤرخين المتأخرين والمعاصرين بين القبائل العربية المتشابهة في الأسماء فينسبون قبيلة الى أخرى، ويعطون تاريخ هذه لتلك الأخرى التي تشببهها بالأسم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث والتدقيق، أو النظر في الاطار الجغرافي والعمق التاريخي الذي يحدد معالم الانتماء للقبائل والشعوب العربية.

– موقع قبيلة بني هلال:
تتوزع مناطق بني هلال بين محافظتي شبوة وحضرموت جنوب اليمن وتنحصر في أربع مناطق في مدينة عتق – عاصمة محافظة شبوة – ومديرية مرخة ووادي جردان وفي وادي عمد من محافظة حضرموت.

والملاحظ من خلال النطاق الجغرافي لقبيلة بني هلال نجد بأنها تتموضع في إطار الأراضي المذحجية النخعية وتجاورها صداء وبنو الحارث ومسلية وعله وأود وتختلط بالقبائل الحميرية – حلفاء مذحج – العوالق اليزنيين وذي جدن وحضرموت.

– نسب قبيلة بني هلال:

“هلال بن عمرو بن جشم بن عوف بن النخع بن جلد بن عله بن مذحج”. هذا ما اتفق عليه نسابة العرب في نسب قبيلة بني هلال اليمانية المذحجية القحطانية وديارها في شبوة وحضرموت كعتق ومرخة وجردان وعمد وفروعها (الخليفة والنسيين والنمارة والماضي).

وقد ذكر ذلك ابن حزم الأندلسي في كتابه “جمهرة أنساب العرب” على ذكر أرض قبائل مذحج في اليمن، وابن حزم من المؤرخين المتقدمين عاش في نهايات القرن الرابع الهجري الى منتصف القرن الخامس الهجري وألف كتابه هذا قبل ميلاد “زيد الهلالي” بعقود.

وكذلك القلقشندي في كتابه “نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب” وهو من المؤرخين المتأخرين عاش في القرن التاسع الهجري.

ومن المعاصرين ابراهيم المقحفي في كتابه “معجم البلدان والقبائل اليمنية”، وصلاح البكري في كاتبه “تاريخ حضرموت السياسي”.

– ويخلط بعض المؤرخون بينهم وبين قبيلة بني هلال بن عامر بن صعصعة بن بن معاوية بن بكربن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، هذه القبيلة المعروفة بالتغريبة الهلالية وهجرتها إلى افريقيا فهذي قبيلة عامرية قيسية مضرية عدنانية لا صلة بينها وبين قبيلة بني هلال النخعية المذحجية.

ومن اللبس والتدليس كذلك من ينسب قبيلة بني هلال اليمنية الى أبي زيد الهلالي أمير قبيلة بني هلال بن عامر القيسية في القرن السادس الهجري، وهذا النسب لا يصح فقبيلة بني هلال المذحجية ضاربة في القدم وبينها وبين أبي زيد الهلالي آماد متباعدة، بل هي أقدم من قبيلة بني هلال بن عامر التي ينتسب إليها أبو زيد الهلالي نفسه والله أعلم.

* قبيلة “جُماعة” القضاعية وحقيقة نسبها الى “بني أمية”

بالنسبة لقبيلة “جماعة” تتفق جميع المصادر التاريخية على نسبها الى “خولان بن عمرو القضاعية” ولا أعلم مصدرا أو نسابة قديما أو حديثاً نسب هذه القبيلة الى “بني أمية” إلا ما يشاع حاليا وخصوصا في المناطق التي هاجرت الى هذه القبيلة من المناطق الوسطى باليمن بأنهم من بني أمية. وهذا الزعم باطل لا أساس له من الصحة، ومما يثير العجب بأن كثيرا من أبناء هذه القبيلة في بلاد إب والحجرية مقتنع بهذه الإشاعة الباطلة وتراهم ينسبون أنفسهم الى بني أمية ويسمون أبناءهم بأسماء “أموية” لإثبات نسبهم إليهم، وهذا من الخطأ والجهل بالتاريخ – للأسف – وأما بالنسبة لقبائل “جماعة” التي لا تزال في مواطنها الأصلية في شمال صعدة فلا يزالون يحتفظون بنسبهم القضاعي الحميري وفيهم المشيخ والعدد والعدا، ولم تتخلل إليهم الشائعات التي تسسللت الى بني عمومتهم في بلاد الكلاع والمعافر.

وسنترك المجال في هذا المنشور للمؤرخ والنسابة اليمني إبراهيم المقحفي، وهو من المؤرخين المعاصرين، فقد أفاد وأجاد في كتابه “معجم البلدان والقبائل اليمنية” فيما يخص قبيلة “جماعة” من التاريخ والنسب. يقول المحقفي:

جُماعة: بضم الجيم. من كبريات قبائل خولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. مساكنها في الشمال الغربي من مدينة (صعدة) في منطقة ذات جبال وسُهول ووديان تبدأ على بُعد خمسة وعشرين كيلو متر ا منها، ومركزها مدينة (مجز) وتتكون قبائل بني جُماعة من فرعين أساسيين :آل نصر – نصري، آل الحِلف – حِلفي.

ومن أهم قرى قبائل جُماعة: مَجز ، رغافة، ضحيان، فِلله، يسنم، باقم، ام ليلى، مدران في بلاد آل الربيع، أشمس، التالوق في بلاد بني سويد، وادي بُوصان وغيرهم من المناطق التي اشتهرت قديما لكونها من مراكز العلم التي يقصدها الطلبة، كما انها مناطق زراعية خصبة.

وتجدر الإشارة إلى أن طوائف كثيرة من قبائل (جُمَاعة) قد انتشرت في أماكن شتى من الوطن اليمني، وكان أغلب انتقالهم الى بلاد إب وبلاد الحُجرية في القرن الحادي عشر الهجري حيث حكمت هذه القبيلة اليمن الأسفل نوابا للائمة، ثم ضعف حالهم حتى استكفوا بحُكم الحجرية، بيد أن الأتراك عملوا على إقصائهم من الحكم ووضعوا (بيت نعمان) بدلا عنهم وقد برز منهم اداريون وزعماء ورجال فقه، ولهم بقية الى اليوم في منطقة (الأصيلع) من جبل المواسط.

وقد يزعم البعض أن هؤلاء أمويون إلا أنه زعم لا أساس له من الصحة.

وكما كان للمشائخ آل الجُماعي الزعامة على بلاد (الكلاع) و(بعدان) وكان من مشاهيرهم الامير أحمد بن عامر الجماعي الذي ينسب اليه (نجد الجُماعي) في (السَبرة) من بلاد الكلاع – محافظة إب حاليا – وقد تعين واليا لهذه المقاطعة ولمخلاف بعدان.

وفي جبل العدين طائفة من آل الجُماعي وهم المعروفون بلقب (آل باشا) وهم غير آل الباشا تعز الذين هم فرع من بيت المتوكل، وآل باشا الجُماعي من مشايخ العدين انتقلوا اليها في القرن الحادي عشر الهجري من بلاد (بني جٌماعة) في صعدة.

ويقول المقحفي: “وقد يزعم البعض أن هؤلاء أمويون إلا أنه زعم لا أساس له من الصحة”.

______

• المراجع

– كتاب ” صفة جزيرة العرب ” للهمداني
– كتاب ” جمهرة النسب ” للكلبي
– كتاب ” معجم البلدان والقبائل اليمنية ” للمقحفي
– كتاب ” روضة الألباب في معرفة الأنساب ” لأبي علامة
– كتاب ” مجموع بلدان اليمن وقبائله ” للحجري
– ” الموسوعة اليمنية ” د . يوسف محمد عبد الله .
– جمهرة أنساب العرب لابن حزم الأندلسي
– نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي
– تاريخ حضرموت السياسي . صلاح البحري
– الدر والياقوت في معرفة بيوت حضرموت لابن جندان العلوي الحسيني

[*] الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وذكره الألباني في “السلسلة الصحيحة”

عناوين قد تهمك: