الزيدية نشأتها ومعتقداتها.. قراءة في كتاب القاضي إسماعيل بن علي الأكوع

الزيدية نشأتها ومعتقداتها.. قراءة في كتاب القاضي إسماعيل بن علي الأكوع
كتاب الزيدية نشأتها ومعتقداتها تأليف اسماعيل بن علي الأكوع (أرشيف)

د. لمياء الكندي تكتب حول: الزيدية نشأتها ومعتقداتها.. قراءة في كتاب القاضي إسماعيل بن علي الأكوع


يذهب القاضي العلامة إسماعيل بن علي الأكوع في كتابه الزيدية نشأتها ومعتقداتها إلى أن المذهب الدارج لدى الأئمة في شمال غرب اليمن هو هادوية وأن نسبته لزيد بن علي غير صحيحة إذ مؤسسو المذهب الهادوي الذي يطلق عليه زورا، الزيدية، خالفوا زيداً في الفروع والأصول.

يعد كتاب “الزيدية نشأتها ومعتقداتها”، من الكتب المهمة القليلة التي سعى من خلالها مؤلف الكتاب القاضي”إسماعيل بن علي الأكوع”، للكتابة عن الجذور التاريخية والفكرية والمذهبية لهذا المذهب.

وترجع أهمية هذا الكتاب أولا: كون كاتبه قاضيا وعالما جليلا ومحققا تاريخيا قضى حياته في دراسة العلوم الفقهية والتاريخية، فكان مطلعا على أحوال اليمن الفكرية التاريخية والسياسية والمذهبية، من عصر ما قبل الإسلام إلى العصور الإسلامية اللاحقة وحتى وقتنا الحاضر، وبالأخص عصر “الإمامة الزيدية وحكامها”، فكان هذا الكتاب خلاصة دراسة وفكر واطلاع ونقد وشرح لمعارف وتجارب القاضي الجليل إسماعيل الأكوع رحمه الله.

والأهمية الثانية لهذا الكتاب تأتي: من كونه ناقش حالة مذهبية تفرض نفسها بالقوة وإنكار الغير، فتتبع نشأتها وأبرز معتقداتها والحركات الناتجة عنها أمر بالغ الأهمية. لقد وضعنا الأكوع أمام كتابه هذا الذي يتميز ببلوغ الفكرة وحسن النقد، إضافة إلى حجمة المتوسط، فهو كتاب تصل عدد صفحاته في طبعتها الثانية إلى 129 صفحة شاملة للفهارس والمراجع، لكن أهمية الكتاب لا تأتي بعدد صفحاته قياسا بغيره من المؤلفات الطنانة التي جرت على أصحابها العادة كتابتها في أجزاء وسلاسل عديدة لكنها تفتقر إلى ثراء المضمون.

وحول نشأة “الزيدية”، يطالعنا الأكوع إلى نشأتها كمذهب فقهي وسياسي بعد مقتل الإمام “زيد بن علي”، في حربه مع “هشام بن عبدالملك”، بعد أن خرج عليه في “الكوفة”، معلنا رفضه لحكم الدولة الأموية.

شكل موقف الإمام زيد وعقيدته السياسية المناهضة للظلم حسب رأيه أساسا للمذهب “الزيدي”، الذي لم يظهر إلا بعد مقتله خاصة بعد أن تخلى عنه أنصاره الذين طلبوا منه قبل مشاركته الحرب وإعلان ولايته أن يتبرأ من الشيخين “أبي بكر وعمر بن الخطاب” رضي الله عنهما، ولكن موقفة من الشيخين الذي لم يقل فيهما إلا كل خير، دفعهم إلى التخلي عنه ولهذا سمي مخالفوه بـ”الرافضة”.

كانت البداية الفعلية لظهور الزيدية كمذهب ديني وسياسي أعقاب نشرها في إقليم “الجبل والديلم وطبرستان” شمال إيران، على يد الداعي “ناصر الاطروش”، الذي ظهرت دعوته الزيدية في (248هـ – 897م)، وفيها أصبح للزيدية أتباع وسلطة دينية وسياسية تضاءلت وتحولت فيما بعد إلى الشيعة “الاثنا عشرية” أثناء حكم الدولة البويهية (932م- 1055م).

أما ظهور الزيدية في اليمن فيرجع تاريخها إلى قدوم “يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي” الملقب الهادي، إلى اليمن ونشره للمذهب الهادوي تحت مسمى الزيدية سنة 897م.

وتقوم العقائد الزيدية على فقه الإمام “زيد بن علي”، كما يدعي أئمة وعلماء هذا المذهب وهو ادعاء فيه مغالطة، حيث لم يلتزم الأئمة الزيود بمذهب إمامهم “زيد بن علي”، وإنما جعلوا منه اسما علما يميزهم عن بقية المذاهب الأخرى، فيما استمر خروجهم الفعلي عن مذهب الإمام زيد بداية من “يحيى بن الهادي الرسي” مؤسس المذهب في اليمن مرورا بغيره من الأئمة الذين حكموا أجزاء من اليمن أو سعوا لحكمها.

فقد كان “للهادي الرسي” مذهبه الخاص الذي تميز به، وفي هذا يقول مؤلف الكتاب، بأن الهادي خالف الإمام زيد بن علي مجتهدا في مخالفته بعض الأمور ولم يتقيد بأقواله محاولا بأن يكون له مذهب خاص به، ومع ذلك فقد غلب مسمى المذهب الزيدي على مذهب الهادي..

وهو أيضا يقول بوجوب الخروج على الظلمة ويحصر الإمامة فيمن دعا لنفسه من أولاد الحسين وهو جامع لشروط الإمامة، فمن قال بإمامته منهم فهو زيدي وإن لم يلتزم في مذهب الإمام زيد في الفروع فإن أغلب الزيود يعملون بغير رأي الإمام زيد في المسائل الاجتهادية والمسائل النظرية كالقاسم والهادي والناصر وغيرهم من مدعي الإمامة.

ومن التعاريف التي اختصت بتعريف المنتسبون إلى المذهب الزيدي بانهم القائلون بإمامة كل فاطمي دعا إلى نفسه وهو ظاهر العدالة، ومن أهل العلم والشجاعة، وكانت بيعته على تجريد السيف والجهاد.

وتختلف الزيدية عن أهل السنة في بعض الأمور التي أشار الهيا المؤلف وهي:

أولا: نزوعها في العقيدة إلى الاعتزال تبعا لزيد بن علي الذي أخذ علمه عن واصل بن عطاء وقد أعاب “محمد الباقر”، على الإمام زيد صلته وعلمه من “واصل بن عطاء”، الذي كان يقول عن “علي بن أبي طالب” رضي الله عنه، إنه لم يكن على يقين من الصواب في حروبه مع الصحابة في موقعة “الجمل، وأهل الشام”، وأن أحد الفريقين كان على خطأ.

وينتقد “محمد الباقر”، أخاه “زيد بن علي”، في اشتراطه الخروج كي يكون الإمام إماما حتى أنه قال له: “على مقتضى مذهبك فإن أباك لم يكن إماما لأنه لم يخرج”.

ثانيا: والأمر الآخر أن الإمامة
هي مدار اهتمام فرق الشيعة كلها وشغلهم الشاغل ومحور عقائدهم. وفي ذلك يشير الأكوع إلى انقسام الزيدية إلى ثلاثة أقسام هي الجارودية والسليمانية والبترية. وتنسب الجارودية نسبة إلى “زيد بن المنذر الكوفي الهمداني”، ويرى ان النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى “علي بن أبي طالب”، بالولاية بالوصف والإشارة والناس قد قصروا ولم يطلبوا الموصوف وإنما نصبوا “أبا بكر وعمر”، فكفروا بذلك وهذا الرأي هو ما دفع البعض إلى القول بأن الجارودية من أشد الفرق الشيعية الزيدية، وهي الفرقة التي اتبعها وصار عليها أئمة اليمن في “صنعاء، وصعدة”.

ويرى الأكوع أن في تخطئة الصحابة حرجا عظيما لأنه يقطع الثقة بالشريعة لأنهم هم الذين نقلوها إلى الأمة.

وترى “الزيدية الهادوية” في اليمن، أن “عليا والحسنين وفاطمة” معصومون كالأنبياء وأن الإجماع عليهم حجة والإجماع على أبنائهم حجة ايضا لأنهم وحدهم آل محمد من بين أمة محمد!

وقد اعتمد “يحيى بن الحسين” في مذهبه على استنباطات فقيهة اجتهدها واختارها مذهبا له ولم يلتفت إلى الأدلة المروية من أهل السنة على خلاف أئمة المذاهب الأربعة، “الشافعي والحنبلي والحنفي والمالكي”، لكنه تجاهلها وأنكرها وقال عن صحيح مسلم والبخاري المعروفين بالصحيحين بأنهما باطلان وأنهما خاليان عن الصحة خاليان.

فأئمة الزيدية يؤثرون العمل بما قرره أئمة مذهبهم لا غير، فهم إذا تعارض موقفهم من مسألة رغم حجيتها من “الكتاب والسنة” يضربون بها عرض الحائط رغم حجية “القرآن والسنة” حولها، آخدين برأيهم ورأي أئمتهم.

وهذا الأمر هو الذي دعا العالم والمجتهد “نشوان بن سعيد الحميري”، إلى إنكاره لبعض المقلدين منهم من علماء عصره المنتمين للمذهب الزيدي لإيثارهم قول الإمام “الهادي يحيى بن الحسين”، على كلام “الله ورسوله”، وفي ذلك يقول نشوان بن سعيد الحميري:

إذا جادلت بالقران خصمي
أجاب مجادلا بكلام يحيى

فقلت: كلام ربك عنه وحي
أتجعل قول يحيى عنه وحيا

وحول ذلك نجد الإمام الشوكاني رحمه الله يقول في المقلدين منهم الكثير، فهم يرون أن إمامهم الذي يقلدونه ليس في علماء الأمة من يساويه أو يدانيه، واصفا ذلك الاعتقاد “بالباطل”، فهم يرجحون مذهب إمامهم على “كتاب الله”، وخص الإمام الشوكاني المقلدين من زيدية اليمن بقوله:

“وأما في ديارنا هذه فقد لقينا في من هم مثلهم في القصور والبعد عن معرفة الحق ذريعة إبليسية، ولطيفة مشؤومة هي أن دواوين الإسلام الصحيحين والسنن الأربعة وما يلحق بها من المسندات والمجاميع المشتملة على السنة إنما يشتغل بها ويكرر دراستها ويأخذ منها ما تدعوه حاجته إليه، رغم كونهم لا يرونهم من أهل العلم غيرهم ومن لا يستحقون أن يذكروا من أهله”.

ووصف الشوكاني من يعمل منهم بهذا التقليد “بالبهيمة، فهم لا يستحقون أن يخاطبوا بما يخاطب به الخطاب الإنساني”، ووصف من يعادي كتب السنة بانه “مبتدع أشد ابتداع”.

ويرى الأكوع على الرغم من منفعة الاجتهاد التي اقترنت في المذهب “الزيدي” إلا انه لم يسلم من شرور غائلة علماء الزيدية ومقلديهم لأنه عز عليهم ترك التقليد وخروج المجتهد من مذهبهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، لهذا فهم يتهمون من خالفهم بالنصب وبغض آل البيت ليثيروا عليه سخط العامة ويذكر في ذلك ما تعرض له كل من “محمد بن إبراهيم الوزير، وصالح بن المهدي المقبلي، ومحمد بن إسماعيل الأمير” وهم من كبار العلماء المجتهدين في عصرهم، من الشتم والسب والهجو المقذع، وأما “الإمام الشوكاني” فقد رموه بكل شنيعة وأغروا به سفاءهم فدخلت عليه جماعة وهم مدججون بالسلاح وهو في المسجد يلقي دروسا في صحيح الإمام البخاري بقصد الاعتداء عليه.

وكنتيجة للمخالفات الفقهية التي وقع فيها زيود اليمن ألحق اتباع المذاهب الأربعة “الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية” أتباع المذهب الزيدي الهادوي بالمذهب الجعفري، لموافقته له بالتشيع وتقديس الأئمة وتعظيم قبورهم وزيارتها ولمخالفة المقلدين منهم أحاديث الصحاح، إضافة إلى الأخذ ببعض المسائل من المذهب الجعفري “الاثنا عشري”، كالجمع الدائم بين الصلاتين “الظهر والعصر، والمغرب والعشاء”، وترك صلاة الجمعة إلا بوجود إمام، والاحتفال سنويا بما يسمى يوم الغدير الموافق سنويا في “الثامن عشر من ذي الحجة”،

وزيادة على ذلك فقد كان الكثير من الأئمة الذين وصلوا اليمن قدموا إليها من “العراق وبلاد فارس”، مثل “القاسم بن علي العياني”، ووزيره “القاسم الزيدي”، وكذلك “أبو الفتوح الديلمي”، وغيرهم،

لذلك فلا غرابة ولا استنكار إذا أخذ زيود اليمن يفتحون صدورهم لمن يفد عليهم من الشيعة الامامية وفي ذلك يقول العلامة “صالح المقبلي”، مخاطبا “محمد بن إبراهيم جحاف”، “أراكم يفد على هذه الدولة المباركة الرجل من الإمامية (أي الاثنا عشرية) فكأنما وفد عليكم ملك مع أن من أوصافهم أي الامامية البراءة منكم ومن سائر الفرق الإسلامية المنكرين للنص على أئمتهم الاثنا عشر”.

وينتقد الأكوع في كتابه هذا، كل من يعتبر “الإمام الشوكاني، والمقبلي، وابن الامير، والحسن الجلال” من علماء الزيدية رغم أنهم خالفوها وانتقدوها وقطعوا صلتهم بها، وإذا كان هذا الوهم سائرا بحكم صلة منشأهم على هذا المذهب ودراستهم للفقه الزيدي في مراحلهم الأولى فهذه حجة لا تدل على كونهم علماء “زيديين”، فهم مجتهدون لا مقلدون على غرار ما هو سائر في المذهب الزيدي.

وحول حصر الإمامة في أبناء البطنين يطالعنا المؤلف عن موقف الإمامة الزيدية منها، فقد جعلها أصحاب هذا المذهب أصلا من أصول الدين الخمسة، المتضمنة لعقائدهم وقد استدل أئمة هذا المذهب بوجوب الإمامة في أبناء “البطنين” بالكثير من الآيات والأحاديث التي أوّلوها تأويلا على مقتضى مذهبهم، بعيدا عن المعنى الظاهر للفظ، وسياق المعنى وذلك لكي تطابق عقيدتهم.

وتختص الإمامة الزيدية بعدة أمور منها: إقامة الجمع، وأخذ الزكاة كرها، وتجييش الجيوش لمحاربة من يصفونهم الظالمين، وإقامة الحدود على من وجبت عليه، وقتل من امتنع عن الانقياد لها.

وعند هذا القدر من الجمع والقراءة لما ورد في كتاب “الزيدية نشأتها وعقائدها” أدعوكم لقراءة هذا الكتاب المهم الذي لا غنى عنه اليوم ونحن نواجَه بخطاب إمامي زيدي كهنوتي خاصة وأننا نعيش مرحلة التنوير الفكري التي يجب أن تصل لكل عقل وكل بيت وكل يمني حر، ولكم في رابط هذا الكتاب الرائع والمميز تفاصيل أكثر وقراءة ممتعة.

حمل كتاب الزيدية نشأتها ومعتقداتها – تأليف القاضي إسماعيل بن علي الأكوع من هنا

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية