القضية الجنوبية إلى أين؟ (6+7)

القضية الجنوبية إلى أين؟ (6+7)
د. ياسين سعيد نعمان (أرشيف)

الدكتور ياسين سعيد نعمان يكتب: القضية الجنوبية إلى أين؟ (6+7) في إطار سلسلة القضية الجنوبية وعلاقتها باستقرار اليمن في ذكرى الاستقلال


بعد حرب 1994 توزعت قيادات الحزب الاشتراكي اليمني والقيادات الجنوبية على المنافي في عدد من البلدان العربية والاجنبية، وصودرت ممتلكاتها ومساكنها، انخرط كثيرون فيما عرف بحركة “موج”، واستقر نائب الرئيس في عمان وبقي على تواصل مع بعض قيادات الحزب في الخارج، وواصل آخرون التزامهم للحزب. أخذت سلطة الحرب تعيد بناء علاقاتها بترسيم الحدود بموجب اتفاقية 1934 مع المملكة العربية السعودية.

في هذه الفترة تم إعلان إنهاء “موج”، وغادر النائب مسقط، وقام الرئيس صالح بزيارات متكررة للامارات العربية المتحدة، طلب في إحداها من السلطات الإماراتية أن يلتقي ببعض القيادات التي استقرت في الامارات والتي بلغ عددها ما يقارب الستين أو السبعين قيادياً مع أسرهم وأبنائهم، وفعلاً ذهبنا للقائه حوالي أربعة أشخاص وكان ذلك بحضور المرحوم محسن العيني، لم يكن لديه ما يقوله سوى أنه طلب مننا العودة، وكأنه يسجل موقف “متصالح” أمام الاماراتيين، وكان كعادته يختار موضوعاً للحديث وينتقل منه إلى آخر.

لم يخلص اللقاء الى نتيجة. في اللقاء الثاني وكان بعد ثلاث سنوات من اللقاء الأول، وكان بناءً على طلبه من سلطات الامارات أن يكون مع الجميع. حضر الجميع تقريباً اللقاء، انتظرنا أن يكون هناك نقاش من نوع ما، لكن اتضح لنا أن المقصود هو اقناع الاماراتيين بإنهاء الاستضافة وهو الأمر الذي كانت تعمل عليه قيادة صنعاء بقوة من خلال المتابعة بالرسائل الدبلوماسية للسلطات الإماراتية والتي كانت تنص على أن بقاء هذه القيادات في الامارات يضع العلاقة الثنائية بين البلدين على المحك.

تركت السلطات الاماراتية للنازحين فيها حرية البقاء أو المغادرة دون أي ضغوط، التقى بعدد منا الشيخ محمد زايد عام 2002 وكان رئيساً للاركان وقال أنتم في بلدكم، نريد أن نعرف فقط مَن مِن القيادات الموجودة هنا لا تستطيع العودة وأن حياتها معرضة للخطر، وهل ممكن الاتفاق على بقاء هذه القيادات المحدودة فقط؟ ( كان قد حددها باثني عشر ). شكرناه على الاستضافة، وقلنا له لم نجد في هذا البلد إلا كل خير، لكننا لا نستطيع أن نقوم بمثل هذا التحديد فجميع القيادات السياسية والعسكرية المستضافة في بلدكم الشقيق هي قيادات مهمة وتعرضت للقهر والظلم وهي معرضة للملاحقة، ونرى أن يترك التقدير لكل واحد منهم فيما يخص أمنه الشخصي.. كما أننا لا نريد أن نتسبب لكم في أي إحراج، ولا نريد أن يكون بقاؤنا سبباً في تعطيل مصالح بلدكم.

بعد ذلك، هناك من قرر المغادرة الى أوروبا وأمريكا، وهناك من قرر العودة الى اليمن، وهناك في بقي في الامارات ولكن بدون استضافة. وكنا ضمن من قرر العودة الى اليمن.
أخذ الحراك السياسي يتسع وينضج ميكانيزماته بالاستناد الى الدوافع السياسية والاجتماعية والحقوقية التي تفاعلت معاً لتضع القضية في إطار شعبي واسع. وكغيرها من الحركات الاجتماعية التاريخية أخذت تشتعل بتجاذبات لا تتوقف عند أهداف بذاتها، بل راحت تتصاعد بخطاب أعلى وآخر معتدل.

وأدت هذه التجاذبات إلى خلق تحديات حقيقية أمام القضية من خلال محاولة بلورة هوية “خاصة” صدامية مع ما كان قد ترسخ في الوعي الاجتماعي من مقاربة وطنية للحل بعيداً عن أي غلو في فرض القوة، أو الهروب إلى استعارات سياسية للتمسك بهويات لا تشكل إطاراً سياسياً ونضالياً للجميع، بمعنى وضع “الجنوب العربي” في مواجهة مع اليمني.

لقد أقحم هذا الموضوع في المسار العام للقضية ليطرح عدداً من الاشكاليات الشائكة التي لم تكن تعني أكثر من أن هذا التوجه لا بد أن يحمله خطاب سياسي صدامي لفرز ما هو جنوبي عما هو يمني !! وهو ما أدى إلى شروخ خطيرة في الحامل السياسي للقضية الجنوبية. كما أن الخطاب الذي تحمل مسئولية هذا الفرز وجد نفسه أمام موروث سياسي وطني وتاريخي يصعب تخطيه إلا باستخدام تعبيرات صدامية أغلقت جزءاً كبيراً من مساحة المشتركات السياسية في مواجهة سلطة ما بعد الحرب التي استفادت من هذا الخطاب لتعبئ قطاعات واسعة من الشعب في مواجهة القضية بسبب هذا الخطاب.

ولم يسلم الحزب الاشتراكي من هذا الخطاب ؛ وفي حين كان البعض يحمل الحزب مسئولية ما آل إليه الجنوب بسبب الوحدة، بل ويذهب البعض إلى ما قبل الوحدة في استعراض لا تاريخي يتجاوز حاجة القضية في مسارها الراهن والمتصاعد، في الوقت الذي راح فيه البعض الآخر ينتقد عدم قيادة الحزب الاشتراكي لذلك الحراك، على الرغم من أن كثيراً من قيادات الحزب انخرطت في الحراك، وكثير منها أخذ يكيف مقارباته السياسية في ضوء معطيات الواقع الذي ينشط فيه، إما تجنباً لأي ابتزاز قد يمارس عليه، أو لقناعات رتبتها ظروف الشخص الخاصة، وهو ما جعل الحزب يعيد بناء منهجه السياسي والتنظيمي ليستوعب هذا الوضع الداخلي له بكل متغيراته.

لقد شكل النضال السلمي الديمقراطي للحزب الاشتراكي سياجاً داعماً للحراك السلمي، حيث حرص على دعمه والمشاركة فيه على أن لا يكون وصياً عليه. ظل الحزب يؤكد على أهمية الدفع بهذه التفاعلات السياسية والاجتماعية وتوسيع مساحتها ومساحة تحالفاتها وترشيد خطابها، وكان يصر على أن ينتج الحراك قياداته الميدانية دون وصاية من أحد، وانتقد كل محاولة لإعادة انتاج القيادات النخبوية من الأعلى بأي تسميات أو أي انتماءات كانت..ويمكننا اليوم، وبالوقائع، إثبات صحة هذا الموقف.

وفي سياق متصل بمسار القضية الجنوبية، جرى تفاعل سياسي وشعبي واسع على صعيد اليمن أكد أن النظام، وصل إلى مأزق لم يعد فيه قادراً على مواجهة المشكلات المعقدة فلجأ إلى العنف واشعال الحروب؛ وأخذ القمع الذي تعرضت له القضية الجنوبية يدك تجليات الصيغة الوطنية التي ظلت تبشر بها، ويكرس على نحو مستمر صيغَ البحث عن حل للقضية بمسارات أخرى مثل فك الارتباط، وتقرير المصير ، واستعادة الدولة.
وكان من الطبيعي أنه كلما اتجه الوضع العام نحو مواصلة إنتاج أزمة وطنية عميقة، كلما ولدّ هذا مساحة أوسع للقضية في الوعي المجتمعي، والتمسك بخيارات الحل الأعلى سقفاً.

لقد كانت مظاهر هذه الأزمة العامة مركبة، ولم يخل الجنوب وحراكه السلمي منها لأسباب سياسية وتاريخية وثقافية. وهو ما عطّل، وسيظل يعطل استكمال ديناميات القضية على النحو الذي من شأنه أن يجر جانباً كبيراً من منظومتها إلى التصادم المستمر بدعاوى مختلفة، وبتأثير العوامل التي كانت دائماً سبباً في الصراع الجنوبي – الجنوبي. لقد جعل الكثيرون، على سبيل المثال، من أحداث 1986 المأساوية وتداعياتها سبباً في جر الجنوبيين إلى صدامات مستمرة بتحويلها إلى محطة استقطابات وانقسامات مناطقية.

والحقيقة أن هذه الانقسامات تحاول أن تأخذ وجهاً سياسياً ولكن على نحو لا يستقيم معه واقع أن الخلاف السياسي لا يتجذر بذلك القدر الذي يكون عليه ذلك النوع الآخر من الخلاف الذي تتحكم به وتحركه العصبية وثقافة الثأرات والمصالح الشخصية المشوهة.
لقد حاول الحراك السلمي أن يدفع بالتصالح والتسامح إلى المستوى الذي تفاعلت معه كافة الأطراف على نحو إيجابي، لكن كمائن كثيرة ظلت تتربص بهذه العملية حتى اليوم.
إن هذه الحقيقة هي جزء من بنية القضية الجنوبية التي لا يمكن أن تأخذ بعدها في الوعي السياسي الجنوبي دون مغادرة ملابسات الماضي، وما أنتجه من تحديات وصعوبات، وذلك عبر حوارات تتجاوز هذه التحديات.

كان من الممكن أن يكون مؤتمر الحوار الوطني عام 2013 منصة تاريخية هامة لعرض قضية الجنوب بصورة موحدة، لكن قسم من الحراك كان له رأي مخالف لهذه الحقيقة، والجزء الذي شارك انقسم واختلف ؛ وكان الحزب الاشتراكي منسجماً مع رؤيته الكفاحية لمضمون ومحتوى القضية الجنوبية، وقدم تلك الرؤيا التي شرح فيها مفهومه للقضية واقترح الحل على أساس دولة اتحادية من إقليمين، كل إقليم منهما يتكون من الدولة السابقة للوحدة، وتمسك بحق تقرير المصير للجنوب (وهو ما أكده بعد ذلك الكونفرنس الحزبي المنعقد نهاية عام 2014 )، ورفض تقسيم الجنوب إلى إقليمين، وهو المقترح الذي تقدمت قيادات بعض الأحزاب مباشرة في بداية انعقاد مؤتمر الحوار، بمن فيهم جنوبيون، وكان الهدف منه ترحيل المشكلة إلى الجنوب، وهذا بطبيعة الحال يعكس ذلك القدر من التحديات التي لا يمكن تجاهلها حينما يتعلق الأمر بمحاولة تسويق الحل بخطاب لا زال في حاجة إلى مزيد من التأهيل ليكون في مستوى التحديات التي تواجه القضية.

أخذت القضية تُستقطب بخطابين متطرفين كل منهما في مواجهة الآخر، لم تنفع معهما محاولات إيجاد مقاربات سياسية تساعد على تصحيح المسار من خلال المشاركة الحقيقية للناس في تقرير خياراتهم السياسية.

كان من تلك المحاولات أن شكل رئيس مؤتمر الحوار الرئيس هادي لجنة أواخر أيام مؤتمر الحوار الوطني من كل د. عبد الكريم الارياني، الاستاذ محمد اليدومي، اللواء خالد باراس، د. ياسين سعيد نعمان إضافة الى المبعوث الأممي يومها جمال بن عمر لوضع صيغة تسمح بمناقشة قضايا الخلاف حول الجنوب بعيداً عن التشدد والاستقطاب، وتمكن “لجنة الثمانية” التي شكلها مؤتمر الحوار للوقوف أمام القضية الجنوبية الوصول إلى توافق يبقي النقاش حول القضية مفتوحاً لمزيد من تأهيل الحل.

اجتمعت اللجنة وتوصلت إلى مقترح يقضي بضرورة مواصلة البحث والمشاورات مع كل الأطراف الجنوبية لإنضاج الظروف وعدم التمسك بالتقسيم الاداري للأقاليم على النحو الذي سارت عليه الأمور، ورأت اللجنة أن على مؤتمر الحوار أن يواصل بحث هذه المسألة على أن لا يمارس عليه أي ضغط لفرض حلول جاهزة.

عندما عرضت اللجنة على الاجتماع الموسع الذي ضم لجنة التوفيق ورؤساء المجموعات وهيئة رئاسة مؤتمر الحوار برئاسة الرئيس هادي، الذي كان قد أسهم كثيراً في إيجاد مساحة أوسع في التحرك السياسي لهذه القضية على الرغم من الظغوط الهائلة التي كانت تمارس عليه في موقعه كرئيس، لم تدافع اللجنة عن رأيها عند الاعتراضات التي جاءت من رئاسة الاجتماع. بدا الأمر مخيباً على نحو لم يعد معه صعباً إدراك أن الدولة العميقة استطاعت أن تلتف على عملية التغيير، وأن التغيير المسموح به هو أن يعاد ترتيب الوضع بنفس البيادق. كنت قد شرحت هذا الموضوع بالتفصيل في كتاب “عبور المضيق”.

بعدها، طلبت الكلمة وقلت يبدو أن حرب 94 ستظل تحاصر العقل السياسي في نتائجها وشبكة المصالح التي أسفرت عنها، مع كل ما عكسته تلك النتائج من خيبات وتعطيل للحياة في هذا البلد. انسحبت بعدها من الاجتماع، وطلبت من الحزب أن يستمر في مؤتمر الحوار.

كنت قد تعرضت لحملات سياسية وإعلامية واسعة، وتكفير ومحاولتي اغتيال ورسائل تهديد، وتحريض بالقتل، كان أكثرها ألماً تلك التي نسبت إلى أحد أعضاء قيادة منظمة الحزب في محافظة قريبة من صنعاء، والذي عُرف فيما بعد بأنه كان يعمل لصالح جهة كلفته بالمهمة ليبدو الأمر وكأنه صراع داخل الحزب، وأنه غيرة على الوحدة !!

تسارعت الأحداث بعد ذلك على النحو الذي غيرّ معطيات المعادلة على صعيد البلاد كلها بمجاهيل كثيرة أصبح من الضروري معها إعادة رسم خطوط العمل السياسي في مواجهة التحدي الرئيسي المتمثل في الانقلاب العنصري الحوثي المدعوم إيرانياً، والذي كرس وضع اليمن على خارطة الاستقطاب الإقليمي من قبل المشروع الايراني التوسعي وايديولوجيته العنصرية.

إن ما يمكن ملاحظته في هذه الفترة هو أن القضية الجنوبية عادت إلى الاحتشاد كرافعة وطنية لمواجهة هذا المشروع، وقدمت التضحيات الكبيرة لهزيمته على أرض الجنوب، وبذلك فقد قدمت دليلاً آخر على دورها ومكانتها في استقرار اليمن.

يتبع..

اقرأ أيضاً على نشوان نيوز: القضية الجنوبية وعلاقتها باستقرار اليمن في ذكرى الاستقلال (3+4+5)