جماعة الحوثي.. من السيطرة على الدولة إلى اختطاف الجغرافيا

العلاقة بين جماعة الحوثي وإيران مسألة تحالف سياسي أو تقاطع مصالح عابر، فقد تجاوزت ذلك إلى ارتباط عضوي جعل الجماعة تؤدي وظيفة عسكرية وأمنية ضمن منظومة النفوذ الإيراني في المنطقة. ويكشف مسار الأحداث خلال السنوات الماضية أن القرار الاستراتيجي للجماعة أصبح مندمجا في الحسابات الإقليمية لطهران، وأن اليمن تحول، بفعل سيطرة الحوثيين على أجزاء من البلاد، إلى إحدى أهم ساحات تنفيذ الاستراتيجية الإيرانية.
الوقائع المتراكمة، بدءا من طبيعة التسليح والتدريب، مرورا بالخبراء الذين كشفت تقارير دولية عن وجودهم، ووصولا إلى الهجمات التي استهدفت الملاحة الدولية في البحر الأحمر، تقدم أدلة متماسكة عن جماعة لا تتحرك وفق أولويات يمنية، وإنما ضمن منظومة تقودها إيران وتوظفها لخدمة مشروعها الإقليمي.
لم تكتفِ الجماعة باختطاف مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بل اختطفت الموقع الجغرافي لليمن نفسه. فالجغرافيا اليمنية، بما تمثله من أهمية استراتيجية عند مضيق باب المندب وسواحل البحر الأحمر وخليج عدن، تحولت الى أداة تستخدمها طهران في إدارة صراعاتها مع القوى الإقليمية والدولية، بينما يتحمل اليمنيون وحدهم كلفة هذا التوظيف السياسي والعسكري.
ومن الواضح أن القرارات التي ترتب آثارا استراتيجية على اليمن، مثل استهداف السفن التجارية، أو التصعيد العسكري الذي يستدعي ضربات خارجية، لا تنعكس بأي مصلحة على المواطن اليمني سواء في المناطق المحررة، أو بصورة أشد في المناطق التي تخضع لاحتلال الحوثيين. الذي تواجه انهيارا اقتصاديا، وتوقفا للرواتب، وتراجعا في الخدمات الأساسية، وتفاقما للأزمة الإنسانية.
إن أخطر ما تكشفه التجربة الحوثية يتمثل في أن الجماعة لا تتعامل مع اليمن باعتباره دولة ذات سيادة ومصالح وطنية مستقلة، وإنما باعتباره جزءا من مشروع إقليمي أوسع تقوده إيران. ومن هنا يمكن فهم كثير من القرارات التي تبدو من منظور المصلحة الوطنية اليمنية غير عقلانية بل شديدة الكلفة، بينما تبدو منسجمة تماما مع الاحتياجات الاستراتيجية الإيرانية.
غير أن هذا الارتهان الخارجي لا يمكن تفسيره باعتباره نتيجة للتحالف مع إيران وحده، إذ إن البنية الفكرية التي تتحرك منها الجماعة وفرت البيئة المناسبة لهذا الاندماج الكامل في المشروع الإيراني، فالحوثية هي الامتداد الهادوي الزيدي، الموروث السياسي الذي يقوم على نظرية الإمامة التي تجعل السلطة حقا حصرا في سلالة معينة، وتمنحها امتيازا دينيا وسياسيا يعلو على مفهوم المواطنة المتساوية. وقد شكل هذا التصور، عبر مراحل مختلفة من التاريخ اليمني، أساسا لصراعات طويلة بين الدولة والمشروع الإمامي.
ومن منظور هذه القراءة، فإن الجماعة لا تنظر إلى اليمن بوصفه وطنا، وإنما باعتباره مجالًا لحكم سلالة ترى أنها صاحبة الحق الحصري في السلطة. ويؤدي هذا التصور إلى ضعف الشعور بالانتماء للدولة الوطنية، وإلى تغليب الولاء للمشروع العقائدي على الولاء للمصلحة العامة.
ويفسر هذا الإطار الفكري جانبا مهما من السياسات التي انتهجتها الجماعة منذ سيطرتها على صنعاء، بما في ذلك توسيع دائرة القمع، واستخدام خطاب التكفير والتخوين، وتجنيد الأطفال، وفرض الجبايات، وتجويع المجتمع، وإطالة أمد الحرب، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة التنظيم، مع استمرار تعبئة المجتمع وفق منطق الصراع الدائم.
كما يفسر استعداد الجماعة لتحمل كلفة بشرية واقتصادية هائلة دون مراجعة خياراتها، لأن معيار النجاح لديها لا يقاس بمستوى معيشة اليمنيين أو استقرار الدولة، وإنما بقدرتها على الحفاظ على المشروع العقائدي وتعزيز موقعها داخل المحور الإيراني.
في الختام لقد انتقلت الجماعة، خلال سنوات قليلة، من السيطرة على مؤسسات الدولة إلى توظيف الدولة نفسها لخدمة مشروع خارجي، ثم إلى توظيف الموقع الجغرافي لليمن في صراعات لا علاقة لها بمصالح اليمنيين. وهكذا لم يعد اليمن يدفع ثمن تمرد مسلح فحسب، وإنما ثمن مشروع إقليمي يستخدم أرضه وسواحله ومقدراته وأبناءه أوراقًا في صراع تتجاوز أهدافه وحدودُه اليمن بكثير.



