السبت 25 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • خرافة "فشل الحل العسكري" في اليمن: معطيات تفكك الوهم

خرافة "فشل الحل العسكري" في اليمن: معطيات تفكك الوهم

خرافة "فشل الحل العسكري" في اليمن: معطيات تفكك الوهم

شاعت في الأدبيات السياسية والإعلامية خلال السنوات الماضية مقولةٌ ترقت إلى مرتبة "المُسلّمات" مفادها أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة اليمنية ضد جماعة الحوثي.

لكن القراءة المتعمقة لمسار الصراع تظهر أن الجزم بفشل الحل العسكري مطلقاً يعتريه الكثير من التسطيح إذ يخلط بين محدودية الاستراتيجية المتبعة سابقاً وبين عدم جدوى الخيار العسكري ذاته.

إن الانطباع السائد بأن الحرب البرية استُنزفت بالكامل ودون جدوى يخالف الشواهد على الأرض إذ إن العمليات لم تُدر بأسلوب "الحرب الشاملة لحسم الصراع" بل اقتصرت في معظم الفترات على القصف الجوي وإدارة خطوط المواجهة بينما أثبتت المعارك البرية القليلة التي أُطلقت بقرار حقيقي كفاءة عالية وحققت نتائج حاسمة في أوقات قياسية.

ومن شواهد الميدان ان المعارك البرية كشفت هشاشة الجماعة فعند تتبع السجل الميداني للحرب نجد أن المواجهات البرية الجادة والمخطط لها للتقدم والحسم كانت معدودة والمثير للاهتمام أن جميعها حقق أهدافه الميدانية بنجاح خاطف:

معركة تحرير عدن والجنوب (2015): عند اتخاذ القرار بالتدخل البري المنظم ودعم القوات المحلية، تم تحرير العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة في فترة وجيزة مما أثبت عدم قدرة الجماعة على الصمود أمام هجوم بري مُنسق.

معركة نهم والتقدم نحو العاصمة صنعاء: حققت القوات تقدمات نوعية ووصلت إلى مديرية نهم على بعد عشرات الكيلومترات فقط من العاصمة صنعاء، مخترقة جغرافية جبلية شديدة الوعورة قبل أن تتوقف العمليات بدوافع التهدئة والجمود السياسي

معركة الساحل الغربي والوصول إلى الحدَيدة (2018): تقدمت القوات المشتركة بسرعة قياسية عبر الشريط الساحلي ووصلت إلى أطراف مدينة الحدَيدة والميناء الشرياني المتبقي للحوثيين. ولم تتوقف هذه المعركة بسبب عجز عسكري بل بقرار سياسي وضغط دولي أفضى إلى "اتفاق ستوكهولم"، وهو الاتفاق الذي أنقذ الجماعة في لحظة انكسار ميداني وشيكة.

معركة تحرير مديريات شبوة (2022): عندما انطلقت "عملية إعصار الجنوب" بقيادة ألوية العمالقة، تم تحرير مديريات شبوة (بيحان، عسيلان، وعين) بالكامل وتأمين مناطق واسعة في حريب بمأرب خلال نحو 10 أيام فقط، مما أثبت مجدداً أن القوات البرية المجهزة قادرة على قلب الموازين بسرعة فائقة.

اذن أثبتت معارك عدن والساحل وشبوة ونهم أن الانهيارات في صفوف الجماعة تحدث بسرعة بمجرد اختراق دفاعاتها الأولى عبر هجمات برية مركزة ومجهزة.

كما ان هناك تحول حاسم وهو تغير الموقف الدولي تجاه الحوثيين فلم تعد المعادلة السياسية والدولية والاقليمية كما كانت عليه في السابق فقد طرأ تحول جذري في نظر المجتمع الدولي للحل في اليمن فبعد الهجمات الحوثية واستهداف الملاحة البحرية وإغلاق مضيق باب المندب والبحر الأحمر أدركت الدول الكبرى أن التغاضي عن تمدد الجماعة لم يحقق السلام بل هدد أمن التجارة العالمية واقتصاد العالم بكامله

و الضغوط الدولية التي كانت تُفرض سابقاً لكبح جماح القوات المناهضة للحوثي كما حدث في ستوكهولم تراجعت بشكل كبير حيث بات المجتمع الدولي يرى في الحوثيين تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي لا يمكن احتواؤه بالدبلوماسية التقليدية فقط وهذا التغير في الموقف الدولي والاقليمي يفتح الباب أمام دعم وإسناد حقيقي لأي تحرك بري لمنع الجماعة من احتكار القوة وتهديد خطوط التجارة العالمية.

كما تؤكد المعطيات الميدانية والدولية أن العائق لم يكن يوماً قدرة القوات على الأرض، بل تمثل في غياب استراتيجية الحسم البري الشامل و الاعتماد المكثف على الضربات الجوية دون إسناد بري مستمر ومترابط وان هناك تشتت في القرار السياسي والعسكري كما ان هناك حاجة ماسة لغرفة عمليات موحدة تدمج كافة القوى الميدانية وتحافظ على المكاسب.

ختاماً إن وصف الحل العسكري انه مستحيل او غير مجدي هو في جوهره تبرير لسوء إدارة الملف العسكري واستسلام لواقع قديم تغيرت معطياته اليوم. الحقيقة الميدانية تثبت أن الجماعة انكسرت وتراجعت في كل معركة برية جادة خيضت ضدها والموقف الدولي اليوم بات أكثر إدراكاً لخطورتها. إن السلام العادل والمستدام لن يتحقق بالتمني أو بالمفاوضات الهشة بل بتوازن قوى حقيقي على الأرض يفرض خيار الدولة ويعيد المؤسسات لسائر اليمنيين.