الجمعة 14 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • الارتداد الكبير: اليمن في مواجهة مختبر الكهنوت العابر للحدود

الارتداد الكبير: اليمن في مواجهة مختبر الكهنوت العابر للحدود

الارتداد الكبير: اليمن في مواجهة مختبر الكهنوت العابر للحدود

لم يكن سقوط العاصمة صنعاء في خريف عام 2014 مجرد زلزال سياسي ضرب أركان الدولة اليمنية، بل كان إعلاناً عن ولادة "ردة تاريخية" مكتملة الأركان، صُممت بعناية في مختبرات الحرس الثوري الإيراني لتعيد صياغة الجغرافيا والوجدان اليمني وفق أجندة غريبة عن روح المنطقة وتاريخها. 

اليوم، وبعد سنوات من الخراب الممنهج، لم تعد ميليشيا الحوثي الإرهابية مجرد طرف في نزاع محلي، بل تحولت إلى أخطر مشروع "اقتلاع هوياتي" يشهده القرن الحادي والعشرين، حيث يُذبح اليمن كوطن وكإنسان على مذبح أوهام "الحق الإلهي" والتبعية المطلقة لملالي طهران. إن ما يشهده اليمن اليوم هو محاولة انتحارية لعكس مسار الزمن، واستبدال قيم الجمهورية والمواطنة بكهنوت قروسطي يرى في الشعب مجرد "وقود بشري" لخدمة سلالة تدعي التميز الإلهي، بينما لا تخفي التقارير الاستخباراتية والدولية الرصينة، من "واشنطن بوست" إلى "رويترز"، حقيقة الاندماج الهيكلي لهذه الميليشيا ضمن منظومة "فيلق القدس"، حيث يدير ضباط إيرانيون من "الوحدة 190" المتخصصة في تهريب الأسلحة، و"الوحدة 400" المعنية بالعمليات الخارجية، غرف العمليات في صنعاء والحديدة، ويشرف مبعوثون عسكريون مثل علي محمد رضائي على مسارات الصواريخ والمسيرات التي تخنق الملاحة الدولية وتبتز العالم بدم اليمني البسيط.

إن هذه التبعية لم تكن مجرد تحالف سياسي، بل تحولت إلى استلاب كامل للقرار الوطني، حيث يُساق الشباب اليمني إلى جبهات الموت في حروب لا تخدم سوى الطموحات الإمبراطورية الإيرانية، بينما تُدار في الخفاء شبكات تهريب معقدة تمر عبر "الباب الخلفي" للمنافذ والموانئ، وتستغل سفناً تجارية تحت غطاء شرعي لنقل تقنيات الموت.

 وفي موازاة هذا الخراب العسكري، أسس الحوثيون "اقتصاد حرب" متوحشاً يقوم على أنقاض جوع الملايين؛ فبينما يواجه اليمن أسوأ أزمة إنسانية عرفها التاريخ الحديث، تدير قيادات الميليشيا إمبراطورية مالية قائمة على نهب المساعدات الدولية وتجييرها لصالح "المشرفين"، وفرض جبايات قسرية تحت مسميات طائفية مثل "الخمس"، وخصخصة موارد الدولة لتمويل آلة القتل وبناء ثروات سلالية فاحشة. إن التقارير الدولية الصادمة تكشف كيف تحولت لقمة عيش اليمني إلى أداة للابتزاز السياسي، وكيف يُحرم الموظف من راتبه بينما تتدفق الأموال في قنوات اقتصاد الظل المرتبطة بشبكات غسيل الأموال في طهران وبيروت، مما يجعل من الصمود المعيشي لليمنيين معجزة يومية في وجه نظام لا يرى فيهم سوى عبيد للسخرة.

السؤال المرير الذي يواجه النخبة والمجتمع اليمني اليوم هو: كيف تأخرنا في اكتشاف حجم هذه الآفة التي كانت تنمو كخلايا سرطانية في جسد الدولة؟ الحقيقة أن الحوثيين استغلوا ببراعة حالة "التشظي الوطني" والحسابات الحزبية الضيقة التي أعقبت أحداث 2011، وتسللوا خلف شعارات براقة ومظلوميات زائفة بينما كانوا يبنون دولتهم العميقة داخل مؤسسات الجيش والأمن. 

لقد دفعنا جميعاً ثمن تقديم المصالح الصغيرة على أمن الوطن الكبير، وهو ما يفرض علينا اليوم "مكاشفة وطنية" شجاعة تتجاوز مرارات الماضي. إن مواجهة هذا المشروع الكهنوتي لم تعد خياراً سياسياً، بل هي ضرورة وجودية تتطلب توحيد كل الجهود الجمهورية مهما بلغت درجة الاختلاف؛ فالحوثي لا يستهدف حزباً أو منطقة، بل يستهدف "اليمن" ككيان وتاريخ وهوية. إن أي انقسام في الصف الجمهوري اليوم هو بمثابة رصاصة في صدر الوطن، وهدية مجانية لمشروع يريد العودة بنا إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث لا صوت يعلو فوق صوت "السيد"، ولا قيمة للإنسان إلا بقدر خضوعه.

إن الوفاء لثورة 26 سبتمبر الخالدة ولأهدافها التي حررت اليمني من قيود الإمامة، يقتضي منا اليوم رص الصفوف في جبهة وطنية واحدة، هدفها الأسمى هو استعادة الدولة ودفن خرافة "التميز السلالي" إلى الأبد. إن اليمن الذي كان دائماً مقبرة للغزاة وللأفكار الدخيلة، لن يقبل بأن يكون مجرد ضاحية تابعة لطهران، وستظل إرادة الأحرار أقوى من كل الصواريخ والمسيرات الإيرانية.

إن المعركة اليوم هي معركة استعادة الكرامة والجمهورية، وهي معركة لا تقبل القسمة على اثنين؛ فإما يمن جمهوري عربي حر، وإما شتات في ظل عبودية لا ترحم. الطريق إلى النصر يبدأ بالوعي بخطر هذه "الجرثومة" الخبيثة، وينتهي بتلاحم كل القوى الوطنية التي تؤمن بأن اليمن أكبر من كل السلالات، وأبقى من كل الميليشيات. الحرية لليمن، والنصر للجمهورية، والخزي والعار لقتلة الأحلام وتجار الموت.