البروفيسور مقبل الأحمدي: معجم الدوحة منجز استثنائي واليمن سيعود

يسلط البروفيسور مقبل التام الأحمدي، رئيس تحرير معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، الضوء على تجربته الثرية في العمل على أهم مشروع حضاري لغوي في القرن الحادي والعشرين، ويتطرق إلى إلى قضايا اللغة العربية، واقع التراث في اليمن، التحديات التي تواجه الباحثين، وأسباب تراجع النشاط الثقافي في بلاده في ظل الحرب والصراعات.
جاء ذلك في حوار مطول مع مجلة "ميغازين"حوار مطول مع مجلة "ميغازين"، حيث تحدث عن مسيرته العلمية الحافلة، ووصف العمل في معجم الدوحة التاريخي بأنه "تجربة ثريّة غاية الثّراء، وقد أفدت منها فائدة أسهمت في إغناء كثيرٍ من معارفي وتجديدها"، مشيراً إلى أن اختياره للمشاركة في هذا المشروع جاء بناءً على حاجة المعجم إلى كفايات موسوعية حصلت على تزكيات علمية، خاصة في مرحلة التأسيس.
ويضيف في الحوار الذي اجراه الزميل علاء الدين الشلالي أن أبرز الصعوبات الفنية التي واجهت فريق العمل كانت "تلازم صياغة أدوات المعجم – من منصّة ومدوّنة واختيار مصادر – مع عمليّة التّحرير نفسها"، موضحاً أنه كان من الأفضل الانتهاء من بناء تلك الأدوات قبل الشروع في الصناعة المعجمية، لكن "الرّغبة الجامحة في اختصار الوقت واختزال الزّمن وإحراق المراحل غلبت التراتب الزّمني الطّبيعيّ".
ويؤكد أن وجود المعجم في حد ذاته يعد "منجزاً استثنائياً"، خاصة في ظل الظروف الراهنة، مشيراً إلى أن ميزته الكبرى تكمن في كونه نبّه على كثير من المفردات التي أغفلتها المعجمات القديمة والحديثة، وذلك لاعتماده على مدونة نصية تستخلص الدلالات من سياقاتها الحية، معرباً عن أمله في استمرارية المشروعات الحضارية التي ترعاها دولة قطر.
"الحماسة اليمانية" وتاريخ الهمداني
وحول كتابه الفائز بجائزة رئيس الجمهورية لتمويل البحث العلمي في اليمن، أوضح الأحمدي أن "الحماسة اليمانية" جاءت في سياق كتب الحماسات التي تنتخب الشعر العزيز النفيس، خاصة في أغراض الفخر والحماسة، وقال: "أَفَدْتُ في كتابي هذا – بحكم تأخّر زمانه – من الحماسات والاختيارات الشّعريّة السّابقة، فصارت (الحماسة اليمانية) في وجهٍ منها اختيارَ الاختيارات، وفي آخرَ اختيارًا لِـما هو غيرُ مُتعاورٍ بين أيدي الباحثين من أشعار أهل اليَمَن"، مؤكداً أن أشعار اليمن تتميز بحملها إشارات ثمينة من الموروث الحضاري والسياسي لليمن.
وأضاف أن الدافع إلى تصنيف الكتاب هو "أنّ الشّباب العربيّ لَمّا فَقَد كثيرًا من مَزايا التّعليم على نهج القدماء، المعتمد على حفظ المتون، لانَتْ ألسنتهم وضعفت مَلَكاتهم"، مشيراً إلى أن شباب اليمن أكثر احتياجاً إلى مثل هذه النصوص، واصفاً الكتاب بأنه "مشروع مفتوحٌ" يزداد كلما عُثر على نص نادر.
وعن إحياء تراث أبي محمد الحسن الهمداني، قال الأحمدي: "يختزل أبو محمد الحسن بن أحمد الهَمْدانيّ في موقفه من الحياة وفي رؤيته للعرب والعربيّة، واليمن خاصّة، كثيرًا من المعاني الّتي قلّ أن توجد لدى غيره من علماء عصره"، مشيراً إلى أن مؤلفاته تشتمل على معارف جمّة في الأنساب، والطب، والفلسفة، والتعدين، والجغرافيا، والفلك، واصفاً إياه بـ "وارث أنسابها ومساندها الدُّهريّة، ومُحْيِي لسانِ اليمن القديم، وباعث أمجاد الآباء والأجداد".
وتحدث الأحمدي عن تأثر دمشق به، فقال: "كان للشّام بالغ الأثر في تكويني المعرفيّ والثّقافي واهتمامي بالتُّراث العربيّ"، مشيداً باهتمام سوريا – دولةً وشعباً ومؤسسات – باللغة العربية، ما يجعل طالب العلم محاطاً بالبيئة المناسبة للتحصيل، مضيفاً: "وكنا محظوظين جدّاً بإدراكنا طائفةً صالحةً من علماء بلاد الشّام".
ولفت الأحمدي إلى وجود "اختلافاتٌ غير يسيرة" بين مناهج تعليم اللغة العربية في الدول التي تنقل بينها (اليمن، لبنان، سوريا، ليبيا، قطر)، وقال: "طالما راودني شُعور إزاء ذلك يتعلّق بأهميّة توحيد مناهج التّعليم ومفرداته في الجامعات العربيّة، ولا سيّما في العلوم الإنسانيّة، واللُّغة العربيّة منها خاصّة، ثم توحيد الاختبارات"، محذراً من أن الفروق في المفردات وطرائق التدريس تؤدي إلى تباين المخرجات، وضرب مثالاً بطالبين من جامعتين مختلفتين، مشيراً إلى أن الأداء الحقيقي لا يكشفه التقدير دون معيار موحد.
مجمع العربية السعيدة.. أهداف نبيلة وتراجع بسبب الظروف
وعن تأسيس مجمع العربية السعيدة في اليمن عام 2011، ذكر الأحمدي أنه جاء لتحقيق أهداف عدة، من أبرزها: ترسيخ الهوية الوطنية والعربية، تعريف النشء بمفاخر الأسلاف، كشف خبيئة التاريخ المحجوب، تحقيق التراث اليمني القديم ونشره، وصنع مدونة تشمل ما كتبه المستشرقون ونقله إلى العربية.
وأكد أن الحرب وتغلب "عصابات الظّلام" على العاصمة صنعاء أدى إلى تراجع نشاط المجمع، وقال: "انحسر في بلادنا اليمن كلّ شيء مع وجود عصابات الظّلام، وتغلّب شذّاذ الآفاق على عاصمة حِمْيَر وكَهْلان"، مشيراً إلى نزوح كثير من العلماء والأحرار، واضطرار المجمع إلى نقل نشاطه إلى الفضاء الإلكتروني، حيث نشر نفائس مثل كتاب "القصيدة الدامغة" في 1064 صفحة.
مصير الكوادر والتراث ليس جموداً
وعن غياب أثر الباحثين الذين دربهم في المجمع، قال الأحمدي: "على الرّغم مِن قصر المدّة الّتي قضيتها في اليمن غِبّ تأسيس المجمع، فإنّها كانت حافلة بالعطاء"، لكنه أرجع تراجعهم إلى وطأة الظروف المعيشية، وغياب مدرسة راسخة في التحقيق على غرار المدارس العريقة في سوريا أو العراق أو القاهرة، مضيفاً: "إنّما ينهض التّحقيق في اليمن اليوم على اجتهاداتٍ فرديّةٍ من دون تلاقحٍ مؤسسيٍّ أو رعايةٍ أكاديميّةٍ مستدامة".
وحول كسر جمود التراث، قال الأحمدي: "لعلّ الجمود كامنٌ فيمن يُصدر حُكْمًا عامّاً على جمود التُّراث العربيّ؛ إذ جوهره مليء بالإبداع"، ودعا إلى إعادة تعريف الأجيال بتراثهم من خلال اختيارات تدل على الإبداع والحرية والثراء المعرفي، مشيراً إلى أن ما غاب عن الصروح العلمية أدى إلى أحكام جائرة على التراث كله.
المخطوطات اليمنية
ورداً على من يأخذ على مشروع جمع المخطوطات أنه اقتصر على مناطق شمالية، أوضح الأحمدي أن اليمن غني بالمخطوطات في المكتبات الخاصة المنتشرة في كل ربوعها، من صعدة إلى حضرموت، ومن تهامة إلى أقصى الشرق، وقال: "لم يكن الاهتمام حِكْراً على منطقة دون أخرى، بل كان الاعتماد على الأسرِ الّتي لبّت نداء العناية"، معترفاً بأن المدة لم تكن كافية لاستجابة كثير من الأسر، مشيراً إلى أن دار المخطوطات بصنعاء استقبلت مكتبات مهمة كآل الورد وآل الإرياني وجزءاً من مكتبة الأكوع، معرباً عن أسفه لما آل إليه الحال بعد النكبة التي حلت باليمن.
وفي رده على سؤال حول استحواذ المكتبة الوطنية الإسرائيلية على 60 ألف مخطوطة وقطعة أثرية يمنية، قال الأحمدي: "سبق القول إنّ تغلّب عصابات الظلام وشذّاذ الآفاق يهدف بالدّرجة الأولى إلى تقويض مكانة اليمن، واستلاب حضارتها وتاريخها"، متهماً تلك العصابات بتسهيل تهريب المخطوطات والآثار لتمكين حكم شعب يرتكز على إرث حضاري، واصفاً ما يحدث بأنه نهب منظم للأصول اليمانية.
طمس تاريخ اليمن وأعداء الهوية
وعن الجهات التي تسعى إلى طمس تاريخ اليمن، قال الأحمدي: "إنّ أكثر من يسعى إلى طمس تاريخ اليمن – بعد الجهلة من أبنائه – أعداؤه من الغرباء؛ أولئك الّذين لا يؤمنون بالاعتزاء إلى اليمن أصلًا وشعبًا وثقافةً"، مضيفاً أن الموقع الاستراتيجي والحضارة العريقة يثيران أطماعاً وحسداً، وأن الغرباء مارسوا التجهيل المنظم وتغييب الوعي بالذات والهوية.
وعن واقع قريته (الروق – قيفه بالقريشية رداع)، وتساءل عن سبب فشل التنمية الشاملة، أجاب الأحمدي: "التّنمية الشّاملة تتطلب استقراراً وأمناً ورخاء، وهو ما لم يتحقّق لليمن في العهد الجمهوريّ"، مشيراً إلى أن الحكومات المتعاقبة كانت مشغولة بإطفاء الحرائق التي أشعلها الغرباء والدخلاء، ومعظم حكام اليمن كانوا من العسكر الذين أنفقوا سنواتهم في المحافظة على السلطة، دون إتاحة الفرصة للعلماء والمثقفين لتشخيص واقع المجتمع، إلى جانب عزلة اليمن عن أشقائه العرب.
الأكاديميون ورسائل للجيل الجديد
وختم الأحمدي حواره بسؤال وجهه للأكاديميين اليمنيين، قال فيه: "يبقى السّؤال الأكبر والأشدّ إيلاماً هو: متى سيسهم الأكاديميّون اليمنيّون – داخل اليمن وخارجه – إسهامًا حقيقيّاً في بناء بلدهم، ويتحمّلون مسؤوليّة نهضته واستقراره، والعمل على عودته إلى حضنه العربيّ وهو أصل العرب والعربيّة؟"، منتقداً شعور بعضهم بأنهم مجرد موظفين يؤديون عملاً رتيباً مقابل راتب.
وفي رسالته للباحثين الشباب، قال الأحمدي: "ثراء العرب من ثراء لُغتهم، ويجدُر بهم اليومَ أن يستعيدوا المكانة الّتي تليق بلغتهم، عن طريق المشروعات الإبداعيّة، وتعميم استعمال اللُّغة في كلّ مرافق الحياة"، داعياً إلى ألا تقتصر اللغة على المراسيم الرسمية، بل تكون لغة خطاب وحياة وتعليم، مستغرباً كيف يتخلى العرب عن لغتهم الحاملة لإرث معرفي وحضاري.
أما لأبناء اليمن، فقال: "اليمن ولّادة، وقد مرّ عليها من قبلُ أسوأ ممّا يمرّ بها الآن، ومع ذلك استعادت عافيتها"، مستذكراً علماء كالهمداني ونشوان الحميري، مضيفاً: "وإن كانت اليمن تمرّ بمرحلة عصيبة، وكان المتصدّرون من أهلها اليوم في كلّ الأطراف هم النّسخة الأردأ والأسوأ، فإنّ عزاءنا أنّها أرضٌ ولّادة؛ وسوف تستعيد – لا محالة – عافيتها، وتعيد سيرة أمجادها التّليدة، إن لم يكن بأيدي هذا الجيل، فبأيدي الأجيال القادمة".





