الإثنين 24 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • في ذكراه الرابعة والأربعين: المؤتمر الشّعبي العام.. مسَارات وتحديات

في ذكراه الرابعة والأربعين: المؤتمر الشّعبي العام.. مسَارات وتحديات

في ذكراه الرابعة والأربعين: المؤتمر الشّعبي العام.. مسَارات وتحديات

د. ثابت الأحمدي يكتب عن المؤتمر الشعبي العام في ذكراه الرابعة والأربعين.. مسَارات وتحديات

- الفكرة الأولى

- في أغسطس من العام 1924م - وضمن المساعي السياسيّة التي قادها رئيس حزب الدستور التونسي الشيخ عبدالعزيز الثعالبي بين سلاطين الجنوب وأئمة الشمال في اليمن آنذاك - وضع المذكور فكرة "مؤتمر يمني عام"، من كلا الشطرين، نصّت المادة الخامسة منه على "تأسيس لجنة دائمة، مؤلفة من أعضاء، يختارهم أمراءُ البلاد الممتازة، وأعضاء يختارهم الإمام، للنظر في حقوق ومطالب ومصالح الجهات الممتازة، وإذا حصلَ خلافٌ تنظر فيه". والفكرة بشكل عام تدور حول إصلاح نظام الحكم السياسي في اليمن، شمالا وجنوبًا، تحت راية واحدة.

انظر الرحلة اليمنية 12 أغسطس - 17 أكتوبر 1924م، عبدالعزيز الثعالبي، ص: 158.

تعثرت الفكرةُ التي لم يتحمس لها الإمامُ أساسًا؛ لأن الجنوبيين لن يأتوا إليه بالحُبوب والغِلال التي يتحصُّلها بالاستحواذ والقسر من رعيّة الشمال، كما لم يتحمس لها السّلاطينُ في الجنوب أيضًا، لحساسيتهم التاريخيّة من نظام الإمامة التي يحملون عنها انطباعًا سيئا، ثم إن القرار في محصلته النهائية ليس بأيديهم آنذاك، كونهم واقعين تحت الاحتلال البريطاني.

- في 11 أغسطس من العام 1963م انعقد "المؤتمر اليماني العام" في صنعاء، بمشاركة مجموعة من شيوخ القبائل، موجهًا الدعوة الى جميع المشايخ والعلماء للمشاركة فيه، للبحث عن طرق ووسائل حل المشاكل السياسية الداخلية للبلاد، وفي السابع عشر من الشهر نفسه بدأت أعمالُ المؤتمر الثاني الذي أقر توجيه نداءٍ إلى مشايخ القبائل المناصرين للنظام الجمهوري والواقفين إلى جانب الإماميين، كما وجه نداءً الى رجال الدين، يدعوهم إلى المشاركة في أعمال "المؤتمر اليماني العام" في عمران، للمساهمة في حل القضايا السياسية الداخلية للبلاد.

وانعقد المؤتمر آنذاك، لتحقيق مصالحة وطنية شاملة، من أجل حماية النظام الجمهوري والدفاع عن الثورة ضد الأعداء الإماميين، وقد عُقد المؤتمر بمشاركة 500 شخص، يمثلون المشايخ والعلماء والحكومة والقوى الوطنية، وكذلك ممثلي النقابات في جنوب الوطن. وفي سبتمبر من العام نفسه صدر قرارٌ بإنشاء الجيش الشعبي.

- في 1 مايو من العام 1965م، انعقد مؤتمر خمر الذي وصفه محسن العيني بأنه: "مؤتمر شعبي يمني، تمثلت فيه جميع القوى الجمهورية"، وقد حضر هذا المؤتمر نحو خمسة آلاف شخص. وسُمي "المؤتمر الشعبي"، بعد أن كانت التسمية المؤتمر الوطني للسلام، والتسمية من مقترحات محسن العيني، كما ذكر في مذكراته. خرج هذا المؤتمر بدستور، وقعه الرئيس السلال، وأيده الرئيس عبدالناصر.

وكان هدف هذا المؤتمر توطيد النظام الجمهوري، وضمان السيادة الشعبية وكفالة الحريات العامة والحكم الديموقراطي السليم.. وتدعيم المواطنين في الجنوب اليمني. انظر: خمسون عاما في الرمال المتحركة، محسن العيني، ص 74 فما بعدها، علما أن "وفد السلام" ظلت تسمية لزيمة لهذا المؤتمر حتى وقت لاحق.

وفي نفس الشهر، صدر قرار جمهوري بتشكيل لجنة دائمة، تتكون من 27 عضوًا، كُلفت مؤقتا بالقيام بمهام مجلس الشورى، وفقًا لما نصّ عليه الدستور المؤقت الثاني، كأول برلمانٍ تشهده الجمهورية العربية اليمنية، الوليدة. وكلفت قيادة هذا المؤتمر إنشاء تنظيم شعبي واحد لليمن تحت اسم "المؤتمر الشعبي"، ينضوي في ظله المواطنون جميعا، ويمارسون نشاطهم السياسي من خلاله". نفس المصدر، 86.

وظلت الفكرة قرين النجاح تارة، والإخفاق تارة أخرى، تنجح لتفشل، وتفشل لتنجح، أو هكذا يبدو المشهد، بحكم طبيعة الأحداث والمتغيرات السياسية آنذاك، حتى انتهت فترة الجمهورية الأولى، "جمهورية السلال".

- في عهد الجمهورية الثانية، أيام الرئيس عبدالرحمن الإرياني، وتحديدا في فبراير 1973م تم الإعلان عن تأسيس تنظيم سياسي جديد، اسمه "الاتحاد اليمني"، هو من نتائج بيان اتفاقية طرابلس، نوفمبر 72م، المتعلق بوحدة اليمن شمالا وجنوبا، يقضي بانصهار كل التيارات السياسية تحت مظلة سياسية جامعة، "من أجل تحقيق الهدفين الخالدين لحركتنا الشعبية والوحدة الوطنية" وهو ذات التنظيم والفكرة التي تم الدعوة لها من قبل رجالات الجمهورية الأولى، إنما بمصطلح جديد، وبحسب محسن العيني: "الاتحاد اليمني تشكل من خليط الوجوه، ومن خليط المراحل السابقة". انظر: معارك ومؤامرات ضد قضية اليمن، ص: 430.

وبعد سردية مطولة للحيثيات، هي ذاتها الحيثيات الموجودة في الميثاق الوطني لاحقا، أعلن الاتحاد مهامه وأهدافه، وهي:

1- تنمية الإحساس الوطني وبلورة الشخصية اليمنية، ووقايتها من التمييع والذوبان، لكي يسهم شعبنا اليمني إيجابيا في تحقيق الوحدة العربية، وفي استيعاب الحضارة الإنسانية.. إلخ.

2- تنظيم الجماهير، وتمكينها من المشاركة في الحكم، ومراقبة السلطات العامة، والتعاون معها في تطبيق القوانين، وإنجاح خطة التنمية.. إلخ.

3- تنظيم وتوجيه ودفع كل القطاعات، لتنتج وتبدع، وذلك بإنشاء المنظمات النقابية والطلابية والرياضية والاجتماعية.. إلخ.

4- تربية كوادر سياسية للاضطلاع بمهام الحكم على النهج الديموقراطي السليم، وفقا لمبادئ الدستور الدائم.

هذه الأربعة الأهداف هي ذاتها روحًا التي تم توسعتها إلى سبعة أهداف، والتي شملها محضر الجلسة الرابعة للمؤتمر الشعبي العام في المؤتمر الأولى، بتاريخ 28 أغسطس، 1982م. انظر: وثائق المؤتمر الشعبي العام الأول، 180.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا التنظيم قد ضم بين جنباته شخصيات جنوبية، من بينها الأستاذ عبدالله الأصنج الذي تم انتخابه أمينا عاما للاتحاد، فيما كان الرئيس الإرياني نفسه رئيسا له.

انظر، مذكرات الرئيس عبدالرحمن الإرياني، 134/ 4، فما بعدها.

- ما لا ينبغي أن نغفله هنا هو محاولة سابقة، تبناها الرئيس الإرياني، على ما يبدو، بعد أن تصاعدت وتيرة الصراع بينه وبين الشيخ الأحمر، منذ منتصف العام 68م؛ حيث أوعز إلى محسن العيني "البعثي" ورفاقه تأسيس: "التنظيم السياسي الشعبي"، وغالبته من البعث والشيوعيين والليبراليين في مواجهة الشيخ الأحمر ومعه من عُرفوا بأبناء الحركة الإسلامية آنذاك، وكان العيني قد تبنى هذه الدعوة في إطار برنامج العمل السياسي الشامل الذي أعده في أغسطس، 1969م، "للخروج بالشعب من دوامة الفوضى والتمزق والضياع"، وفقا لتعبير صحيفة الشعب، بتاريخ 16 أغسطس، 1969م، وقد عقد هذا المكون الجديد أولى جلساته في مقر المجلس الوطني "الشورى" الذي كان يسيطر عليه ابن الأحمر، أثناء غيابه، الأمر الذي استفز الشيخ الأحمر، وجعله يهدد بالتصعيد، في رسالة أرسلها للرئيس الإرياني، كما ذكر الباحث سعيد الغليسي الذي أشار إلى أن الإخوان المسلمين "كانوا يتحركون من خلال الشيخ عبدالله الأحمر، زعيم الجناح المشيخي في ذلك التكتل، بينما كان البعثيون يتحركون من خلال القاضي الإرياني، زعيم جناح القضاة، وكان كل من الفريقين يحاول فرض نفوذه ورؤيته في الحكم الجمهوري.." إلخ. انظر: ثورة سبتمبر اليمنية، سعيد الغليسي، 256.

وباختصار، كانت الفكرة أشبه ما تبدو بمؤتمر شعبي عام، ولكن في يد فصيل معين، من أجل مواجهة فصيل آخر، وقد ماتت في مهدها، نتيجة للمعارضة الشديدة التي أبدها ابن الأحمر ورفاقه، ولأنها تفتقر للشروط الموضوعية الجامعة أيضا.

- وفي صورة غير مكتملة الملامح أشار الرئيس عبدالرحمن الإرياني إشارة يتيمة إلى تنظيم يحمل اسم: اللجنة التحضيرية للمؤتمر الشعبي العام للتصحيح، وذلك في أغسطس من العام 1973م، وعددها 31 عضوا، وتبدو قائمة الأسماء خالية من الأسماء القبلية التقليدية آنذاك، لم يجد كاتبُ هذا السطور أي معلومات عن هذا المسمى في تلك الفترة، لا في مذكرات الإرياني، ولا في غيرها. انظر: مذكرات الإرياني، 323/ 4.

- في عهد الجمهورية الثالثة، وتحديدًا في ابريل من العام 1977م، وفي مدينة الحديدة أعلن الرئيس إبراهيم محمد الحمدي عن تأسيسِ المؤتمر الشعبي العام، ولا شك أنه امتدادٌ للفكرة السابقة نفسها، ولذات الأهداف.

ونظرًا لتحولات المرحلة وظروفها تعثر سير الفكرة. وقد ظهر الرئيس الحمدي متحدثا عن هذا الكيان الجديد في مؤتمر صحفي مصوّر.

وهكذا تعثرت كل الخطى الداعية إلى هذا المؤتمر اليمني العام الذي يجمع شتات اليمنيين تحت راية واحدة، منذ الفكرة الأولى، على الرغم من حاجة اليمنيين الماسّة لهذا الكيان الذي يوحد شتاتهم.

المرحلة الأولى: 82 - 90م.

- في 24 أغسطس من العام 1982م، وفي الجلسة الإجرائية الأولى التي رأسها حسين المقدمي رئيس لجنة الحوار الوطني والإعداد للمؤتمر التي تأسست بموجب قرار جمهوري، في مايو 1980م، تم الإعلان رسميًا عن تأسيس المؤتمر الشعبي العام، واختيار العقيد علي عبدالله صالح أمينًا عامًا له، وكل من: الدكتور عبدالكريم الإرياني وحسين المقدمي نائبين، والدكتور أحمد محمد الأصبحي، مقررا عاما. "أمين سر اللجنة الدائمة" لاحقا. وذلك من قبل أعضاء اللجنة الدائمة المؤسسين، وعددهم ألف مؤسس، وللتاريخ فقد كان الأصبحي دينامو المؤتمر الشعبي العام، وصائغ أغلب أدبيّاته التنظيمية، ومهندس برامجه وسياساته بثقافته الموسوعيّة وفكره العميق، وإلى جانبه أيضًا آخرون، من ذات المستوى وأقرب، كانت لهم جهود وطنية رائدة. وفي الجلسة التي تلتها تم إقرار مشروع اللائحة المنظمة لأعمال المؤتمر، وقراءة مشروع الميثاق الوطني، وتشكيل لجان المؤتمر. انظر: وثائق المؤتمر الشعبي العام الأول، ص: 29.

خلال هذه المرحلة نستطيع القول: أن المؤتمر الشعبي العام قد نجح في الوقوف على قدميه بثبات، ومثّل أول "لقاء مشترك" جامعٍ لكل اليمنيين بمختلف توجهاتهم وأطيافهم، في مرحلة تاريخية حادة من الصّراعات الداخلية - وأغلب المراحل التاريخية اليمنية حادة الصراع - جزء منها من امتداد الحرب الباردة، فقد كانت الأصابعُ على الزّناد بين أيديولوجيتي: "اليمين واليسار"، وكلٌ منهما على النقيض التام من الآخر؛ لكن بانضوائهم تحت راية المؤتمر الشعبي العام، وبرئاسة الرئيس علي عبدالله صالح احتكم الجميعُ إلى أدبيّات الحزب، بعد ركونهم إلى فوهاتِ البنادق خلالَ أربع سنوات مضت، من الحروب الأهليّة والداخليّة، عُرفت بحروبِ المناطق الوسطى التي شملت: شرعب وإب وريمة ووصابين وعتمة وآنس. وانعقدت الدورات الداخلية للمؤتمر بكل سلاسةٍ وديموقراطية.

كل النخب السياسية - بجميع أطيافها - شاركت في المؤتمر الشعبي العام، وشاركت أيضًا في الدولة، واتفقت على هذه الوثيقة التاريخية "الميثاق الوطني"، ولم ينفرد تيارٌ أو جماعة ما بالسيطرة خلال هذه الفترة، بمن فيهم علي عبدالله صالح نفسه الذي كان شوكة الميزان، وإن كانت أضواءُ الإسلاميين أكثرَ بريقا، داخلَ المؤتمر خلال هذه الفترة، بدليل حصول محمد حسن دماج، أحد عناصر الحركة الإسلامية، "انتمى إليها في تعز في 67م"، على الترتيب الأول من بين 450 مرشحًا في المؤتمر العام الأول، لعضوية اللجنة الدائمة.

- في 29 ديسمبر 1982م، أصدرت اللجنة الدائمة اللائحة التنفيذية للمؤتمرات الفرعية، وبدأت المحافظات تبني فروعها، فكانت محافظة تعز السباقة لتأسيس أول فرع للمؤتمر فيها في 29 يناير 1983م، تلتها محافظات: حجة، إب، صعدة، ذمار، مارب، المحويت، محافظة صنعاء، البيضاء، الحديدة، الجوف.

المرحلة الثانية: 1990 - 1994م

عقب قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م تغيرت المعادلة السّياسيّة في البلاد، وتحولت التيارات التنظيمية السّرية إلى أحزابٍ سياسية علنية، بموجب دستور دولة الوحدة، وتم الإعلان عن التحالف بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني، وشاع مصطلح: "الحزبان الحاكمان"، خفتت على إثره أضواء عناصر ما عُرف بالحركة الإسلامية، "الإصلاح لاحقا"، وقد تحولوا إلى معارضة، متكئين على جمهور عريض استقطبوه خلال الفترة السابقة، أغلبه من الوسط التربوي والديني، مركزين - بصورة ملفتة - على شباب الثانويات العامة والجامعات، إلا أن هذا الجمهور ليس أعرضَ من جمهور المؤتمر. وفي الجنوب أيضًا ليس أعرضَ من جمهور الحزب الاشتراكي.

في هذه الفترة تمايزَ المؤتمر الشعبي العام تنظيميًا، بعد أن غادرت كثيرٌ من عناصره السّابقة إلى حيث تجدُ نفسها، يمينًا ويسارًا. ومع هذا ظلت العلاقة وطيدة بينه وبين كل الأحزاب بلا استثناء، بما في ذلك الحزب الاشتراكي اليمني الذي أعلنت بعضُ قياداته الانفصالَ في مايو 1994م، وكذلك التجمع اليمني للإصلاح، وبقية الأحزاب السياسية، نستثني منها: الوحدوي الناصري فقط الذي كانت العلاقة معه حذرة بعض الشيء، حتى فترة لاحقة.

المرحلة الثالثة 1994- 2006م

نستطيع تقسيم هذه المرحلة إلى مرحلتين اثنتين:

الأولى: فيما بين: 94 إلى 97م، وفيها تشاركَ المؤتمر الشعبي العام "السلطة" مع التجمع اليمني الإصلاح، كما تشارك "الحكومة" أيضا مع بقية الأحزاب والتيارات الأخرى، بمعنى أن الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، رئيس الهيئة العليا للإصلاح كاد يكون الرئيس الثاني بعد علي عبدالله صالح، عمليا، وإن كان رسميا غير ذلك، سواء من موقعه القبلي، شيخا لمشايخ اليمن، أو من موقعه الحزبي، رئيسًا لحزب الإصلاح، أو من موقعه البرلماني، رئيسا للبرلمان. وبهذا ظل الإصلاح شريكَ "سلطة" وشريك "حكومة" معا.

ونستطيع القول عن هذه السّنوات أنها "سنوات العسل" بين الحزبين، "المؤتمر والإصلاح"، كما كانت فترة ما بين 90 إلى 93 بين المؤتمر والاشتراكي، والتي تمثلُ امتدادًا لمرحلة ما بين 82 إلى 1990م، وإن شابَها بعضُ التوجس الخفي، كحالة طبيعية لأي شريكين سياسيين بعد زوال عدوهما/ خصمها الثالث؛ إذ يتوجسُ كل طرف من الطرف الآخر، ويبدأ الطرف الأقوى في الاستحواذ والسيطرة على الطرف الآخر، هذه ظاهرة تاريخية في التحالفات السياسية قاطبة، الأقوى يلتهم الأضعف، أو يسعى لذلك؛ إذ لا يأنس أحدهما للآخر إذا ما انتهى الطرف الثالث، وشواهد التاريخ كثيرة.

الثانية: ما بين 97 و 2006م، وخلالها، وبعد أن حصد المؤتمر الشعبي العام ما عُرف ب-"الأغلبية المريحة" في البرلمان، غادر الحزب الاشتراكي الحكومة، وتراجع دور الإصلاح في السلطة قليلا، معلنا بعد ذلك انضمامه للمعارضة، ومن ثم تشكيل ما عُرف باللقاء المشترك في فبراير 2003م، ومن هنا ابتدأت الحدة السياسية الجادة بين المعارضة والمؤتمر، والتي تعززت بصورة ملفتة وجادة بعد الانتخابات الرئاسية والمحلية في 2006م، والتي حصد فيها المؤتمر ما يزيد عن 73% من إجمالي المقاعد المحلية، كما فاز في الانتخابات الرئاسية، المتوقع فوزه أساسا.

المرحلة الرابعة: 2006م، 2014م

تكاد هذه الفترة تكون أزهى فترات المؤتمر الشعبي العام، جماهيريا وسياسيا، فعلى الصعيد الجماهيري استطاع علي عبدالله صالح الفوزَ في الانتخابات الرئاسية الجادة التي نافسته فيها أحزابُ اللقاء المشترك، بكل جدارة، وتعتبر أول حالة عربية تقريبا، للتنافس الجاد لمنصب الرئاسة، صحيح أنه سبقتها حالة عام 99م؛ لكنها لم تكن بمستوى حالة 2006م.

لقد جدد الحزبُ نفسه داخليا من خلال المؤتمر العام السابع، والذي انعقد في عدن في نهاية العام 2005م، ومثّل انتخاب الأستاذ عبدالقادر باجمال، رحمه الله، حالة إيجابيّة على الصعيد التنظيمي الذي شهد حراكا داخليا ملحوظا حتى العام 2008م، وبعده تم انتخاب عبدربه منصور هادي، نائب رئيس الجمهورية آنذاك نائبا لرئيس المؤتمر، أمينًا عامًا للحزب، خلفًا للأستاذ باجمال، فدخل الحزبُ حالة الصقيع والتجمد، وكان قبل ذلك شعلة متوهجة من النشاط.

خلالَ هذه الفترةِ ساءت علاقةُ المؤتمر الشعبي العام بأغلبِ الأحزاب السياسيّة الفاعلة على السّاحة، التي ناوأته بكل قوة، ووصل الجميع إلى قطيعةٍ شبه تامةٍ لأول مرة، ما كان ينبغي لها أن تحدث أبدًا، وتشكلت داخل اللجنة العامة والأمانة العامة للحزب ما عُرف بالصقور والحمائم، كان بعضهم ينفخ في نار الخلافات، منطلقا من مصالح ذاتية، أو حسابات ضيقة بلا وعي سياسي، فيما كانت للبعض الآخر رؤىً رزينة ومسؤولة، إنما غلبت مخالب الصقور، على مناقير الحائم.

ليس ذلك فحسب؛ بل لقد تصدرت لقيادة الحزب شخصيّاتٌ غارقة في الأمية السياسية والثقافية والتنظيميّة، كانوا سببًا في سوء العلاقة مع الأحزاب الأخرى التي تكتظ بصقورها المتطرفين والجهلة أيضًا.! آل الأمرُ في المحصّلة النهائية إلى أحداث 2011م التي انفرط فيها العِقدُ على الكل، والتي شهد المؤتمرُ فيها أعنف هزة تنظيميّة في تاريخه؛ لكنها على عُنفها هذا لم تؤثر عليه كثيرًا، وظل متماسكا بصورة جيدة، بعد أن شهد الحزبُ مغادرةَ بعض أعضائه منه، وإن لم يلتحقوا بأحزاب أخرى، والحقيقة أنّ هزة 2011م لم تؤثر كثيرا، كما أثرت هزة 2014م، وهزة 2014م.

- المرحلة الخامسة 2014م - 2026م

وهذه المرحلة نستطيع تقسيمها إلى مرحلتين اثنتين:

الأولى: من 2014 - 2017م

نستطيع القول عن هذه المرحلة أنها سنوات اللامؤتمر، بحكم الاصطفاف المشبوه وغير الوطني بين بعض قيادات المؤتمر من جهة، والحوثي من جهة أخرى، وخلال هذه المرحلة نستطيع القول أن المؤتمر انشطر على نفسه وتقسم، نتيجة لخلل في التقدير وسوء في قراءة المشهد من قبل بعض قيادة الصف الأول للمؤتمر، لا من المؤتمر كله.

لم يعد المؤتمر ذلك الحزب القوي المتماسك؛ على الرغم من كاريزما الزعيم الذي حاول اختزال قوته كلها فيه بعد خروجه من السلطة؛ لكنه مارسَ حالة من الانتحار السياسي، باصطفافه مع الحوثي، وإن كان موقفه الأخير يشفع له في خطيئته التاريخية هذه، لتنتهي هذه الفترة بمقلته ومقتل الأمين العام في انتفاضة ديسمبر 2017م، وهو اصطفاف لا يُعبر عن روح المؤتمر الشعبي، وتاريخه السياسي، وميثاقه الوطني بأي حال من الأحوال.

الثانية: من 2017م وحتى العام 2026م

منذ نهاية ديسمبر 2017م نستطيع القول أن المنطقة الرمادية قد زالت، ويجب أن تزول نهائيا، فيما يتعلق بأي اصطفاف مع الحوثي، المشهد بعد هذا التاريخ إما أبيض أو أسود فقط. وإذا كانت سنوات ما بعد 2014م قد وُصفت بأنها سنوات اللامؤتمر بالنسبة للحزب، بحكم الانشطار الكبير داخله، فإنّ سنوات ما بعد 2017م هي سنوات المؤتمر الحوثي، المصبوغ بملازم الحوثي، لا بالميثاق الوطني في أماكن سيطرة الحوثي، وهي سنوات الشتات بالنسبة لمؤتمر الشرعية، كما هو نفس التوصيف لبقية الأحزاب الأخرى، أو هكذا يبدو المشهد!

لم يستطع الحزب - بما يملك من كوادر وإمكانيات - عقد جلسة اعتيادية أو استثنائية للجنته العامة "المكتب السياسي"، ناهيك عن الدعوة لعقد مؤتمره العام الثامن، ولم يستطع ترتيب معالجات استثنائية جادة على مستوى الفروع، إلى حد أن فروعه التنظيمية في المحافظات لم تستطع عقد اجتماعاتها التنظيمية الاعتيادية أو الاستثنائية، باستثناء مارب، وإلى حد عجز كل قيادات الفروع عن إجراء أي انتخابات داخلية، باستثناء فرع محافظة ريمة الذي استطاع لملمة عناصره القيادية في الشرعية، من أجل تكوين موقف موحد، غير متباين داخل مؤتمر الشرعية نفسه؛ ليس ذلك فحسب؛ بل مارسَ مؤتمر الشرعية ردحا وردحا مضادًا داخل صفوفه، نظرًا لتقاطع أجندات بعض "قُمرة القيادة"، وضيق حسابات بعضهم.

- تيار استعادة دور المؤتمر الشعبي العام

نتيجة لحالة الركود التنظيمي والسياسي للمؤتمر الشعبي العام، ولتباينات بعض قياداته التي طالت، تم في 30 أبريل 2026م إشهار تيار استعادة دور المؤتمر الشعبي العام من قبل معالي الوزير معمر بن مطهر الإرياني، عضو اللجنة العامة للمؤتمر، ومعه كوكبة سياسية وثقافية من القيادات الشابة، انضمت إليهم لاحقًا آلاف الأصوات من مختلف فروع المحافظات.

وبحسب البيان الأول للتيار: فإن التيار يهدف إلى "تعزيز التلاحم داخل الصف المؤتمري، واستعادة الدور الوطني الريادي للمؤتمر، وتفعيل مؤسساته، بما يواكب متطلبات المرحلة، ويعزز حضوره كشريك أساسي في معركة استعادة الدولة وبنائها"؛ مشيرًا إن أن التباينات داخل القيادة العليا للمؤتمر لم تعد مقبولة في ظل التحديات الراهنة".

وفي الوقت الذي لم تؤيد أو تعترض فيه الأحزاب السياسية على نشاط كهذا، باعتباره شأنا داخليا يخص المؤتمر، هاجمت قيادات مؤتمرية هذا التيار، ورأته "ضرة" عليها، دون أدنى مبرر، رغم تأكيد البيان الثاني للتيار أنه لا يستهدف أحدا، وليس بديلا عن الحزب، ولا عن أي شخص. ربما أن شخصية الأستاذ معمر الإرياني قد أغاظتهم بعض الشيء، نظرًا لتجربته العريقة في الحزب، ولكونه من أكثر الشخصيات السياسية قبولا في الداخل والخارج، في الوقت الذي ينظر إليهم البعض كمتكلسين، وذوي احتقانات، وبعضهم ذوو حسابات ضيقة، ومن ثم ليسوا ثقة.

والواقع أن التيار مبادرة مسؤولة وجادة من قبل أعضائه، يعكس - فيما يعكس - شعورًا وطنيًا صادقًا تجاه هذا الحزب الرائد الذي ساهم في بناء الدولة بفاعلية منذ عقود، وها هو اليوم يتكلس ويتراجع على مرأى ومشهد من الجميع، خاصة والحزب يحظى بقاعدة جماهيرية شعبية عريضة، وثقة الإقليم والمجتمع الدولي، كما يحظى بقيادات سياسية واجتماعية وفكرية مرموقة.

ومن الصعب الآن الحديث أكثر عن التيار، لكونه لا يزال في بداية المشوار، ولم يكمل مشروعه التنظيمي والسياسي بعد؛ لكنه - على أية حال - قد دخل التاريخ، ببرنامجه المُعلن، وبمبرراته الموضوعية الراهنة.

المؤتمر وكعب أخيل..!

يمتلكُ المؤتمر قاعدةً جماهيريّة واسعة، ويمتلكُ نخبة سياسيّة مرموقة؛ إنما مشكلته الأساسيّة في بنيته التنظيمية، الحلقة الأضعف في بنائه التي تؤثر على بقية الحلقات فيه، ويقال: تُقاسُ السّلسلة بأضعفِ الحلقات فيها..!

استطاع المفكر السياسي الدكتور عبدالملك منصور أن يضعَ القاعدة الأساسيّة التنظيمية للحزب فيما بين 90 و 93م، كخبير سياسي، قادم من تنظيم حديدي صلب، وقد انتقل إلى المؤتمر الشعبي العام قبل بخبرته القديمة، عقب خلافه مع رفاقه، غير أنّ هذا البناءَ لم يكتمل؛ إذ غادرَ الدائرة في العام 93م، إلى دائرةٍ أخرى، ولو كان قُدر له البقاء في هذه الدائرة على الأقل لمدةِ عشر سنواتٍ بعدها لكان الأمرُ متغيرًا تمام التغيُّر؛ لأن الدائرة التنظيمية لأيّ حزبٍ سياسي هي قطبُ الرحى، وحجرُ الزاوية فيه، وقد أصيبت هذه الدائرة بالكساح، وزاد الأمرُ سوءًا أن تعاقبَ على رئاستها سلاليون، وشيوخ قبائل لا يكادون يدركون معنى "التنظيميّة"..!

بل لقد زاد الطين بلة أن رَأسَ هيئة الرقابة التنظيمية والتفتيش المالي في الأمانة العامة للمؤتمر منذ نهاية العام 2005م، سلاليٌّ عتيقٌ هو يحيى الشامي، خلفًا لابن عمه أحمد العماد، الذي جثم عليها فترة طويلة حتى وفاته، وكان من أبرز سياسة الأول الخفيّة - وربما الأول والثاني التي مارسَاها، ولم نعرفها إلا لاحقًا - هي عرقلة كل الترقيات التنظيمية داخلَ دوائر الأمانة العامة للناشطين التنظيميين، عدا مَن رضيَا عنهم من أتباعهما. أسجل هذا للتاريخ، وأنا شاهدٌ عليه من خلال عملي في الأمانة العامة للمؤتمر فيما بين 2006 إلى 2011م.

يقتضي العملُ التنظيمي نفَسًا واحدًا متواصلا، وإن بوتيرةٍ متباطئة، المهم ألا ينقطعَ أو يتعثرَ لحظة واحدة، وبالنظر إلى "دائرة التأهيل والتنظيم" بالتجمع اليمني للإصلاح نجد أنه منذ تأسيس الحزب في سبتمبر 90م لم يتعاقب على رئاسة الدائرة غير شخصيتين تنظيميتين: محمد قحطان، فيما بين 90 إلى 94م، ثم عبدالله قاسم الوشلي، منذ العام 94م، وحتى اليوم، في استقرار تام، وتفرغ متواصل للعمل، في الوقت الذي لم تستقر الدائرة التنظيمية للمؤتمر الشعبي العام نصف هذا الاستقرار، للأسف.

منذُ العام 90م خلت الدائرة التنظيميّة للمؤتمر الشعبي العام من مناهج تنظيمية داخلية، تمثل لأتباع الحزب عقيدة وطنية، على الأقل كما كان الأمرُ عليه قبل العام 90م، من خلال الميثاق الوطني الذي كان يُخصّص له يومٌ واحدٌ في الأسبوع في مختلف الدوائر الحكومية، وكما هو عليه الأمرُ مع الأحزاب الأخرى، بما في ذلك الإماميون الذين يستندون على أيديولوجية عقائدية صلبة، وتراث مهول، وإن كان مملوءًا بالخرافات، أو قل كلها خرافات؛ لكن هذه الخرافة عقيدة بالنسبة لهم. قوة الفكرة لا تكمن في صحتها، إنما في الإيمان بها.

صحيح أنّ التخففَ من أعباء الأيديولوجيا في أحد أوجهه حالة إيجابية؛ لكن انعدام الأيديولوجيّة من أساسها ليست حالة إيجابية مُطلقا. وتفرُّق الحزب بالصورة التي عليها اليوم خيرُ دليلٍ على ما نقول، في الوقت الذي صمدت أحزابٌ أخرى أقل منه جماهيرية، كالتجمع اليمني للإصلاح، ذي البنية التنظيمية العتيدة والمتماسكة، وكالإماميين أنفسهم، المرتكزين على أيديولوجيا الاصطفاء والأفضلية، وهو ما يقتضي إعادة النظر في هذه الجزئية على وجه التحديد خلال المرحلة القادمة. أتكلم هنا عن الأيديولوجيّة المنطلقة من الهُوية التاريخيّة والحضاريّة لليمن، لا عن أية أيديولوجية دينية؛ إذ لدينا فائضٌ في الأيديولوجيات الدينية، يكفي للتصدير إلى المنطقة كلها..!

إلى جانبِ ذلك أيضًا، فإن جُزءًا كبيرًا من الخلل الذي أصابَ الحزبَ تمثلَ في مجموعةٍ من الشيوخ والضباط الذين استحوذوا على قيادةِ الحزبِ بعد العام 94م، ثم بعد المؤتمر العام السّابع بصورةٍ أكثر، وشكلوا ظاهرةً صوتيّة فقط، بلا نظرٍ سياسي أو معرفة علميّة تساعدهم على القيادة السياسية والتنظيمية، المرتكزة على سند معرفي، ببُعد استراتيجي عميق، وإن كان السّياسي المستنير الدكتور عبدالكريم الإرياني في قُمرة القيادة؛ لكنه الحلقة الأضعف بين عُتاة المشايخ والضباط المرتكزين على قبائلهم ونفوذهم.

والآن، هل اتضحت الصُّورة؟ وهل سنستفيدُ من دروسِ الأمسِ في طريقنا نحو الغد؟ هذا ما يجبُ أن يكون، برؤىً عصريّة، قائمة على المعرفةِ، وعلى البرامج، وقبل هذا وذاك.. أين الدولة؟!!!