الجمعة 28 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • من اتفاق مكة إلى باب المندب: نحو بنية أمنية إقليمية جديدة

من اتفاق مكة إلى باب المندب: نحو بنية أمنية إقليمية جديدة

من اتفاق مكة إلى باب المندب: نحو بنية أمنية إقليمية جديدة
سفير اليمن في بيروت عبدالله عبدالكريم الدعيس يكتب في موقع الجزيرة نت: من اتفاق مكة إلى باب المندب: نحو بنية أمنية إقليمية جديدة

لم تعد التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية للشرق الأوسط مجرد استجابة مؤقتة لأزمات متلاحقة، بل بدأت تعكس اتجاهاً أعمق نحو إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي، بحيث تتحمل دول المنطقة قدراً أكبر من مسؤولية حماية أمنها ومصالحها، بدلاً من الاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية. وفي هذا السياق يكتسب اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، بالتوازي مع التحالف البحري متعدد الجنسيات بقيادة المملكة العربية السعودية، أهمية تتجاوز حدود الاتفاقين إلى احتمال تشكل بنية أمنية إقليمية متعددة المستويات.

ويمثل اتفاق مكة خطوة في اتجاه بناء قدرة ردع جماعية، تجمع بين الثقل المالي والاستراتيجي السعودي، والقدرات العسكرية والصناعية التركية، والخبرة العسكرية الباكستانية وقدراتها الاستراتيجية. غير أن القيمة الحقيقية للاتفاق لن تتحدد بمجرد النص على الدفاع المشترك، وإنما بمدى نجاح الدول الثلاث في تحويل الالتزام السياسي إلى آليات عملية تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والإنذار المبكر، والدفاع الجوي والصاروخي، والتدريب والمناورات المشتركة، والتعاون الصناعي، وتنسيق القرار العسكري. فالردع لا يقوم على إعلان التضامن، وإنما على إقناع الخصوم بأن الاعتداء على أي طرف سيستدعي استجابة جماعية فعلية.

وفي الوقت نفسه، يأتي التحالف البحري الذي تقوده السعودية ليشكل الذراع العملية الأخرى لهذه المعادلة، خصوصاً في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. وتكمن أهميته في أنه يجمع بين دول عربية وإقليمية ودول مطلة على الممرات البحرية، بما فيها مصر وتركيا وباكستان واليمن ودول من القرن الأفريقي. وهذا يمنحه فرصة لبناء منظومة أمن بحري أكثر ارتباطاً بالواقع الجغرافي للمنطقة، بدلاً من الاقتصار على عمليات دولية منفصلة لمرافقة السفن أو اعتراض الهجمات.

لكن التحدي الأهم أمام هذه الترتيبات هو إدراك حقيقة استراتيجية بسيطة: أمن البحر يبدأ من أمن اليابسة. فقد أثبتت هجمات الحوثيين أن بإمكان جماعة مسلحة تسيطر على مناطق ساحلية ومواقع استراتيجية داخل دولة ما أن تحول ممراً بحرياً دولياً إلى ساحة تهديد مستمر، مهما بلغ عدد القطع البحرية الموجودة فيه. كما أن عودة القرصنة الصومالية تؤكد أن معالجة الظاهرة في البحر وحده لا تكفي ما لم تُعالج البيئات الأمنية والسياسية التي تسمح للجماعات المسلحة بالعمل على اليابسة.

ومن هنا يصبح اليمن الاختبار الأكثر أهمية لمصداقية هذه البنية الأمنية الناشئة. فالتعامل مع التهديد الحوثي لا ينبغي أن ينحصر في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة أو حماية السفن، بل يجب أن يتجه إلى معالجة مصدر التهديد نفسه، من خلال دعم الحكومة الشرعية اليمنية وتمكين مؤسساتها العسكرية والأمنية، وتزويدها بالقدرات والتجهيزات والتدريب والمعلومات والاستخبارات والدعم اللوجستي التي تمكنها من بسط سلطتها على أراضيها ومياهها الإقليمية ومواجهة مصادر التهديد على اليابسة.

وهذا لا يعني بالضرورة العودة إلى نموذج الحرب المفتوحة، وإنما بناء استراتيجية تدريجية تقوم على استعادة الدولة لقدرتها على فرض الأمن. فكلما تعززت قدرة الحكومة الشرعية على السيطرة على أراضيها وسواحلها وموانئها، تراجعت قدرة الجماعات المسلحة على تهديد الملاحة الدولية، وتحول الدور البحري للتحالف من مواجهة تهديد دائم إلى حماية منظومة أمنية مستقرة. وبالمثل، فإن مكافحة القرصنة الصومالية تحتاج إلى دعم قدرات الدول الساحلية ومؤسساتها الأمنية، وليس فقط نشر السفن في الممرات البحرية.

وتبرز هنا أهمية مصر بصورة خاصة. فعدم انضمام القاهرة إلى اتفاق مكة لا يعني أنها خارج المعادلة الأمنية الجديدة؛ فهي تشارك في التحالف البحري، وتمثل قناة السويس وموقعها على البحر الأحمر ركناً أساسياً في أمن الملاحة الإقليمية والدولية. ويبدو أن تحفظها عن اتفاق مكة يرتبط بحسابات سياسية ودستورية واستراتيجية، وبحرصها على الاحتفاظ بهامش واسع من الحركة في علاقاتها الإقليمية، فضلاً عن اختلاف طبيعة الاتفاق الدفاعي عن ترتيبات الأمن البحري. ولذلك قد تفضل القاهرة التعاون العملي في الملفات التي تمس أمنها المباشر، من دون الارتباط في هذه المرحلة بالتزام دفاعي جماعي قد يفرض عليها مواقف تجاه أزمات لا تتطابق جميعها مع أولوياتها.

والمؤشر الأهم في المرحلة المقبلة سيكون قدرة هذه التحالفات على تجاوز منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية والردع. فإذا اقتصر التحالف البحري على حماية السفن، وظل اتفاق مكة إطاراً سياسياً بلا قيادة وتخطيط وقدرات مشتركة، فإن أثرهما سيبقى محدوداً.

أما إذا جرى الربط بين الأمن البحري والدفاع الجوي والاستخبارات وأمن السواحل، بالتوازي مع دعم الدول الشرعية التي تواجه مصادر التهديد على أراضيها، فإن المنطقة قد تكون أمام تحول حقيقي في مفهوم الأمن الإقليمي.

وتبدو فرص نجاح هذه المنظومة مرتبطة أيضاً بقدرتها على إدارة اختلاف أولويات أعضائها. فالسعودية تنظر إلى أمن الخليج واليمن والبحر الأحمر باعتبارها دوائر مترابطة، بينما لتركيا حساباتها الخاصة في شرق المتوسط والشرق الأوسط، ولإسلام آباد أولوياتها المرتبطة بجنوب آسيا. ولذلك فإن نجاح اتفاق مكة لن يعتمد على تطابق المصالح، وإنما على قدرة أطرافه على تحديد مساحة مشتركة من المصالح الأمنية تسمح بالتعاون من دون أن تتحول الاختلافات إلى عوامل تفكك.

وقد يكون التطور الأهم مستقبلاً هو نشوء شبكة أمنية إقليمية لا تعتمد على تحالف واحد مغلق، وإنما تتكون من طبقات متداخلة: اتفاق مكة للردع والدفاع، والتحالف البحري لحماية الممرات، والتعاون الاستخباراتي والدفاعي، ودعم الدول الشرعية في مواجهة التهديدات على أراضيها، وشراكات دولية تظل مساندة من دون أن تكون المصدر الوحيد للأمن.

وبهذا المعنى، فإن باب المندب ليس مجرد ممر بحري يجب حمايته، بل هو اختبار لمفهوم الأمن الإقليمي الجديد بأكمله. فإذا تمكنت دول المنطقة من حماية البحر، ومعالجة مصادر التهديد على اليابسة، وتعزيز سلطة الدول الشرعية، وتطوير قدرات ردع مشتركة، فقد يتحول ما يبدو اليوم تحالفات متفرقة إلى نواة لبنية أمنية إقليمية أكثر استقلالاً وتماسكاً.

أما إذا بقيت المعالجة محصورة في البحر، بينما تظل مصادر التهديد قادرة على العمل من اليابسة، فإن أمن البحر الأحمر سيظل هشاً وقابلاً للاهتزاز مع كل جولة تصعيد جديدة. ولذلك فإن المعركة الحقيقية على أمن البحر الأحمر وباب المندب لن تُحسم في البحر وحده، وإنما تبدأ من الأرض التي تنطلق منها التهديدات.

#اليمن #السعودية #تركيا #مصر #باكستان #ايران