عن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا

قبل البدء بالكتابة عن زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الجمهورية الفرنسية والحديث عنها، لفت نظري شيئان؛ أولهما: التحولات التاريخية للمملكة خلال المائة عام من تاريخ تأسيسها.
وقبل مائة عام من اليوم، كانت فرنسا إحدى الأقطاب الدولية الكبرى التي رسمت الخارطة السياسية في الشرق الأوسط بعد سقوط الدولة العثمانية، وبعد ما يقارب من سبعين عامًا من إنهاء انتدابها على عدد من البلدان العربية، تجد فرنسا نفسها اليوم أمام شريك عربي تتعامل معه كدولة إقليمية كبيرة تنظم علاقاتها الدولية وفق خارطة جيوسياسية مؤثرة، وتمتلك من أدوات العمق والتأثير السياسي والاقتصادي داخل دول الانتداب الفرنسي السابقة، سوريا ولبنان، ما يتجاوز ذلك الإرث للحقبة الليبرالية من السيطرة والنفوذ الذي استمر لعشرات السنين.
تقدم المملكة اليوم نفسها إلى فرنسا وإلى العالم كدولة صانعة للسياسات، محملة بتجربة راسخة من التحولات التاريخية الضامنة لقيامها واستمرارها كشريك تفاوضي في ملفات اليمن و سوريا ولبنان وفلسطين وإيران، وصاحبة قرار في حفظ توازنات الاقتصاد العالمي الذي يواجه تهديدًا دائمًا من العقلية الخمينية في إيران، التي ترى في المنطقة برميل بارود تمتلك قرار تفجيره.
إن المراقب لعمق وقواعد التحول السعودي في السنوات الأخيرة، في سياق بناء الدولة وآليات ضمان استمرارها رغم مرور مائة عام من عمرها، لا بد وأن يعيد النظر في القراءة الحتمية لدورات الدول. فعلى الرغم من مضي من عمر المملكة الا ان بوادر مراحل الضعف أو حتى مؤشراته لم تظهر ،عليها حسب ما أقره ابن خلدون حول العصبية والترف الذي يضعف هذه الدولة، إلا أن الوضع في المملكة كان مختلفًا عما أظهره علماء التاريخ والسياسة والاجتماع كحتميات لإنهاء الدول.
إن عمر الدولة السعودية اليوم لا يقاس بعدد سنوات الحكم، فالتجربة السعودية في الحكم كدولة بنظامها السياسي الملكي امتلكت من المنظومات البنيوية ما يجعل تلك النظريات خارج الإطار الزماني والمكاني للمملكة اليوم، نظرًا للتغيرات البنيوية التي أسهمت في قيامها وما زالت تطور في أدائها لصالح دولة المؤسسات والنظام القانوني والتشريعي الذي يوجه السياسات العامة للمملكة.
فإذا كان ابن خلدون قد رأى أن الدولة تمر بدورة تبدأ بالعصبية وتنتهي بالترف والوهن، فمن المفارقة التاريخية أن المملكة العربية السعودية تدخل قرنها الثاني وهي لا تكتفي بالحفاظ على النظام القائم، بل إنها تطور من وسائل وأدوات قيادتها وثرواتها، وبناء اقتصادها ليتكامل مع تعريف هويتها الوطنية، وتوسيع نفوذها الدولي، وإعادة صياغة تحالفاتها، والاستثمار في أدوات جديدة للقوة. وهذا ما يجعلها أمام مرحلة بناء وبقاء أطول للدولة، لأنها دولة تُبنى على قواعد وتوجهها سياسات ترسم صورة الغد وتنطلق نحو آفاق المستقبل بجذور راسخة.
ويمكن أن تكون رؤية 2030 هي الإجابة العملية نحو انطلاقة سعودية إلى المستقبل، واستهلالًا قويًا لترسيخ مكانة المملكة في قرن جديد يشهد من التحولات ما لا قد يخطر في بالنا، ولكنه يؤسس لسنوات من القرار والتحدي السعودي، تكون فيها المملكة جزءًا من رسم السياسة الدولية وتوجيهها. فقد نجحت المملكة في تحويل الثروة من عامل للترف السياسي إلى أداة لتجديد الدولة ونمائها، وهنا تكون المفارقة.
لقد أدركت القوى الدولية، سواء في الإقليم أو خارجه، أبعاد التحول السعودي في المنطقة وتصدير المملكة نفسها كشريك دولي في إدارة أكثر الملفات حساسية. فُتحت أمامها ومن محيطها الإقليمي ما يمكن تسميته «دائرة النار» المحيطة بها من أجل تقنين الدور السعودي وتحجيم سياساتها وإضعاف قدراتها، لذا فُتحت أمامها حرب اليمن كمهدد دائم لاستنزاف المملكة، إضافة إلى ما يحدث في غزة والسودان وسوريا ولبنان والصومال، وتداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية، وتأثير التهديدات الإيرانية على خطوط الإنتاج والتصدير للطاقة. إنها دائرة نار باتت تحيط بالمملكة من أجل إضعافها، غير أن العقل السياسي السعودي اليوم بات أكثر قدرة على فهم طبيعة المؤامرة ورسائل المتآمرين، بما فيها رسائل البعض في الخليج ذاته.
لقد أثبتت المملكة قدرتها ليس فقط في كشف خيوط اللعبة التي تحيكها الكثير من الأدوات في المنطقة وخارجها، بل أثبتت أنها جدار صد لكل ما من شأنه أن يسهم في تحويل أزمات وحروب المنطقة إلى منصة لاستهداف المملكة، وأثبتت المملكة أنها لن تترك حلفاءها في اليمن والسودان وسوريا ولبنان دون ما يضمن بقاءهم ضمن محور التوازن الإقليمي الذي يسند بعضه بعضًا في مواجهة كل المخاطر.
أما ما يخص تحولات المملكة باتجاه المستقبل، فيمكننا من خلال قراءة سريعة لمعطيات ونتائج زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا أن نصل إلى طبيعة هذا التوجه. فالمملكة لم تعد مجرد بئر نفطي أو حساب بنكي في بنوك العالم، إنها اليوم تستثمر في التكنولوجيا والسياحة والبنية التحتية والصناعات الجديدة، وحتى في عناصر القوة الدولية السياسية نفسها. إنها تعبر إلى المستقبل تحت ضغط مهددات أمنية وعسكرية تستهدف عبورها هذا، ومع ذلك تتخطى مصادر التهديد بثبات، وتبني تحالفات وشراكات دولية تجعل من مسؤولية تحقيق أمن المملكة مسؤولية جماعية، بل فريضة دولية تفرضها مصالح وشراكات اقتصادية ومرتكزات عقدية ومنظومات دفاعية تستهدف حماية مصالح الشركاء مع المملكة، قبل أن تكون مسؤولية حماية المملكة مهمة ذاتية تنفرد بها.
لقد أصبح الثقل الدولي للمملكة، الذي تغذيه تحالفات إقليمية وبنية داخلية متماسكة، هو المعيار الناظم الذي يفرض على جميع القوى العالمية صياغة سياسات خاصة تنظم معاملاتها مع المملكة من موقع القوة والتأثير، وموقع الشراكة والبناء. تلك الشراكة التي فرضتها نظرية التحدي والاستجابة التي أدارتها المملكة لصالحها طيلة عقود من التهديد لها.
فإذا كانت أكثر القضايا والحروب التي تثير الاستقرار العالمي تقوم من هذه المنطقة، فإن المملكة تمتلك اليوم من القدرة ما يمكنها من إدارة هذه الأزمات والحروب وفق نظرية ومسؤولية الأمن الإقليمي والوطني المتوافق مع الأمن والسلم العالمي.
إن مؤشرات الحسم السياسي والعسكري لخلق بيئة إقليمية تراعي مكانة المملكة في رسم السياسة الدولية وتوجهها نحو المستقبل، تظهر تحولًا لحسم الملفات ذاتها التي أثيرت كي تستهدف المملكة، ومنها ملف الحرب في اليمن والانقلاب الحوثي، والملف السوري، الذي حُسم لصالحها ولصالح سوريا أرضًا وإنسانًا، والملف السوداني الذي بات أقرب إلى إنهاء أكثر صفحات التاريخ السوداني حروبًا ودموية.
وها هي اليوم تقترب من فرض سياسات للحد من تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على مصالحها، بل إنها ترعى توجهًا سياسيًا وعسكريًا يجبر إيران على إيقاف أي توجه عدائي ضدها. وما تواجد معالي ولي العهد محمد الأمين في فرنسا إلا تأكيدًا لهذا النهج، لربط جسور تحالف جغرافي يربط بين المملكة، كموطن أول لإنتاج النفط وتصديره، وبين سوريا كخط عبور جغرافي بديل لمهددات التجارة عبر البحار، ومكانتها كخط جغرافي يتوسط المنطقة بيننا وبين الشرق والجنوب الأوروبي، بما فيها فرنسا.
لم تقدم كل من فرنسا والمملكة أيٌّ منهما للآخر شريكًا اقتصاديًا فقط، بل لقد أنتجت السياسة السعودية تجاه فرنسا خلق شراكة دبلوماسية قوية بين البلدين، وقد تعززت تلك الشراكة في المسار السياسي الناتج عن الحرب الإسرائيلية في غزة، والدور الفرنسي السعودي في سوريا ولبنان.
والخلاصة التاريخية من زيارة ولي العهد السعودي إلى فرنسا هي قدرته على تحويل الشراكة السعودية الفرنسية من علاقة تاريخية قائمة على النفط وإنتاج وبيع السلاح والاستثمار، إلى محور تعاون متعدد المستويات، يدشن مرحلة العبور نحو مستقبل صناعي وتقني وتكنولوجي سعودي بامتياز، يمتد من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة والبنى التحتية والترفيه وتطور القدرات، إلى شراكة دبلوماسية ترعى التحولات والأحداث في المنطقة، بما فيها أمن الملاحة، بما يضمن للمملكة مشروع رسم الأولويات والسياسات الخاصة بالمنطقة ككل.
ودمتم بخير.




