أيلول والشعر والذكريات

تدور بنا الأيام ونحن نركض خلف السراب، نفتش عن وطن موغل في التشظي والغياب، منهك بالحروب والمحن، يدير ظهره للجمال، ويمنح وده وورده للقبح والفساد...
ها نحن ننصت لحفيف الخريف، نسامر أقمارك كما يفعل الشعراء، وننتظر أنوار فجرك المخطوف، يا أيلول، من على شرفات البيوت التي انتظرتك طويلًا، كما في كل عام، ولسان حالها يقول:
شَعَّ فَجْرُ المُنَى عَلَى كُلِّ وَادِ
وَجَلَا النُّورُ مَا رَسَا مِنْ سَوَادِ
لَمْ يَعُدْ غَيْرُ مَوْطِنِي فِي ظَلَامٍ
رَحِمَ اللهُ فَجْرَنَا يَا بِلَادِي
تبدو الليالي رتيبة، وأنت يا أيلول كالمدنف الحزين، تهش بعصاك في الطرقات والشوارع، مثل الغريب وقد ضاقت به السبل:
مَرَّ عَامٌ فَهَلْ تَغَيَّرَ شَيْءٌ
عَادَ (أَيْلُولُ) وَالْمُنَى فِي حِدَادِ
كُلَّ عَامٍ وَنَحْنُ نَزْدَادُ صِدْقًا
وَيَقِينًا وَكَذِبُكُمْ فِي نَفَادِ
حتى تلك الأعياد التي كان البعض منا يسخر منها؛ لأنها لم تكن تليق بذكرى أمجادك وجمال محياك وروعة معانيك، أيها القادم من دياجير الظلام بنور الكرامة والحرية، ومن كهوف الجهل والخرافة، بنور العلم وقيم العدل والحياة الكريمة...
ألم يقل البردوني ذات يوم:
«وتلك البهارج هل بينها وبين المسرّات أدنى العُرى»...
لعلك تمني النفس ولو ببعض مما كان من كرم الحفاوة والاستقبال...
والقناديل تميس على ناصية الشوارع وأبواب المتاجر والأسواق، وتتسلق البنايات العالية والقمم الشاهقة...
أشاقك النشيد الوطني الذي يصدح به التلاميذ في المدارس ورياض الأطفال، ويردده الجنود في الصحاري والجبال والسهول والوديان:
«رَدِّدِي أَيَّتُهَا الدُّنْيَا نَشِيدِي
رَدِّدِيهِ وَأَعِيدِي وَأَعِيدِي
وَاذْكُرِي فِي فَرْحَتِي كُلَّ شَهِيدِ
وَامْنَحِيهِ حُلَلًا مِنْ ضَوْءِ عِيدِي
رَدِّدِي أَيَّتُهَا الدُّنْيَا نَشِيدِي...»
ها قد عدت يا أيلول، والوطن يجر خطاه، لا يعرف إلى أين ستلقي به الأقدار، وقد تقلدته أحزان الدنيا وأوجاعها ومنغصاتها.
فهل عدت بالبشرى؟ أم بالأسى والأنين؟!
سَفَرٌ بَعِيدٌ وَالْحَدِيثُ يَطُولُ
هَلْ عُدْتَ بِالْآمَالِ يَا أَيْلُولُ؟
هَلْ جِئْتَ تُطْفِئُ شَمْعَةً مِنْ حُزْنِنَا
أَمْ عَادَ مِنْ مُدُنِ الْحَنِينِ هَدِيلُ؟
هَلْ غَازَلَ الشُّعَرَاءُ طَيْفَ سَحَابَةٍ
أَمْ مَلَّ مِنْ رَجْعِ النَّشِيدِ «فُضُولُ»؟
مَا رَدَّدَتْ غَيْرُ الْمَنَافِي حُزْنَنَا
وَتَلَحَّفَتْ بِالذِّكْرَيَاتِ طُلُولُ...
إيه، أيها القادم إلينا بعبق الذكريات، وقد عمّ الظلام، وما في الأفق من شفق يلوح بالضياء والأمل، وقد شاخت الأحلام، وتبددت الآمال، وتباعدت الأسفار، ومزقت الحرب نسيج المحبة والرحمة والتناغم الجميل، وأحرقت الجسور والمدن والأسواق والمدارس والمشافي...
ها أنا أحتفي بك كما يفعل الشعراء في كل عام، وقد أدمت قلوبهم جراحات الوطن وأحزان البلاد:
وَطَنٌ مِنْ حَضَارَةٍ وَشُمُوخٍ
وَأَنِينٍ وَلَوْعَةٍ وَاضْطِهَادِ
مُتْرَعًا كَانَ بِالنَّدَى وَالْأَمَانِي
مُتْعَبًا صَارَ مُثْقَلًا بِالْفَسَادِ.
وها نحن نقتسم الأسى والخوف والجوع، بينما يقتسم اللصوص والفاسدون خيرات الوطن في فنادق الخمسة نجوم والشقق الفارهة، ونحن نبكي على أطلال الوطن، هذا الذي أدار ظهره لكل الشرفاء والمخلصين، فقد استوطن الخوف والحزن والخراب والسلب والنهب والقتل والدمار، واستفحل الغل، وانتشرت الكراهية والمناطقية والطائفية في عموم البلاد، وما من سبيل لوفاق قريب يلم هذا التشظي والشتات..؟
أَرْقُبُ النَّجْمَ وَالْمَسَاءَاتُ كَسْلَى
يُطْعِمُ اللَّيْلُ حُزْنَهَا مِنْ سُهَادِي
وَالْحِكَايَاتُ مِنْ دِمَاءٍ وَدَمْعٍ
وَالْخُرَافَاتُ كُلُّهَا فِي ازْدِيَادِ
أَيُّ حُلْمٍ يَا شَعْبُ، أَيُّ مَصِيرٍ
نَزَفَ الدَّمْعُ مِنْ عُيُونِ الْعِبَادِ
سَقَطَتْ كُلُّهَا الْبِلَادُ فَمَاذَا
سَوْفَ يَبْقَى لِنَافِخٍ فِي الرَّمَادِ
كُلَّ عَامٍ وَنَحْنُ نَزْرَعُ حِقْدًا
أَيُّ قُبْحٍ يَا قَوْمُ، أَيُّ حَصَادِ...
عدت يا أيلول، وها هي أنسام الخريف تذكرنا بقمر العاشقين وحكايا الحب وأعذب الأغنيات.
عدت والبيوت مكلومة، والمقاهي حزينة، والدروب موحشة، ونحن في جدل عقيم، تفوح من منشوراتنا روائح المناطقية والطائفية والجهوية والإلحاد والكفر والنفاق. لم يعد للحب متسع، ولا للوطن حرمة ولا كرامة.
لقد ذهب لصوص المال العام بالوطن إلى أبعد مما كان يتخيله أكثر الناس تشاؤمًا...
وساد فينا الجهلة وقطاع الطرق وشذاذ الآفاق. ظمئ الشرق، يا دمشق، ويا أزال، ويا بغداد، ويا عدن، ونحن نضمد أوجاعنا بالشعر والدموع، ونبكي على الأطلال، ونحلم أن نرى وردة تنبت من بين حطام المباني وركام المدن التي كانت تعج يومًا بالحياة، والشوارع بالناس، والمكتبات والمقاهي بالسُّمّار...
تلاشى دخان القهوة والعطر والبن والشاي العدني مع دخان الحرائق وغبار الدمار...
لقد أثقل الغل والحقد أجسادنا؛ فهل إلى خضر أيامنا من سبيل؟!
سَفَرٌ طَوِيلٌ وَالْبِلَادُ بَعِيدَةٌ
وَالذِّكْرَيَاتُ مَوَاجِعٌ وَرَحِيلُ
هَا نَحْنُ يَا «تِشْرِينُ» جَمْهَرْنَا الْأَسَى
فَمَتَى يُعَانِقُ شَمْسَهُ (أَيْلُولُ)؟
محمد الجعمي
الأبيات الشعرية الواردة في المقالة من قصائدي.




