سبتمبر الذي لا يعود القهر بعده

في الذكرى الرابعة والستين لثورة 26 سبتمبر المجيدة الليلة، تشتعل الذاكرة اليمنية بضوء لا ينطفئ. أربعة وستون عامًا مرت على تلك اللحظة التي انفجر فيها صبر شعب طال احتباسه تحت نير حكمٍ توارثه أئمة زعموا أنهم وسطاء بين السماء والأرض، وأن دم اليمنيين ينقسم إلى دمٍ "سيدٍ" ودمٍ "رعية". في تلك الليلة من عام 1962، لم تكن مجرد طلقات رصاص أطلقها ضباط أحرار، بل كانت صرخة شعبٍ بأكمله قال كلمته: لا لحكم السلالة، نعم للجمهورية، نعم لليمن وطنًا لكل أبنائه بلا فرزٍ ولا نسب.
من الكهف إلى النور
قبل الثورة، كان اليمن حبيس الكهف: كهف الجهل الذي حُرّم فيه التعليم إلا على القلة، وكهف الفقر الذي أُبقي فيه الشعب عمدًا كي لا يرفع رأسه، وكهف العزلة التي أوصدت أبواب اليمن في وجه العالم كله وهو يتقدم. كان الإمام يحكم باسم الله بينما يمارس أشد أشكال الاستبداد دنيوية: مساجين في الأقبية، ومزارعون يُسخّرون، وأطفال يُحتجزون رهائن لضمان ولاء آبائهم القبليين. هذه ليست روايات مبالغًا فيها؛ هذا توثيق تاريخي لحقبة عاشها آباؤنا وأجدادنا وخرجوا منها بأعجوبة إرادة.
ثم جاء السبتمبريون. لم يكونوا جيشًا جرارًا ولا عدة متكافئة، كانوا رجالًا آمنوا أن الكرامة تُنتزع لا تُمنح، فكسروا الطوق الذي ظنه أهله أبديًا. وكما قال الشاعر: "شعبٌ تفلّتَ من أغلال قاهرِه، حرًّا فأُسقط عنه الظلمُ والظُّلَمُ"، فهذا البيت ليس مجرد زخرفة أدبية؛ إنه وصف حرفي لما حدث. شعبٌ كان مكبّلًا، مُنع من المدرسة والمشفى والطريق والصوت، فإذا به فجأة حرٌ يقرر مصيره بيده.
لماذا نستعيد هذا اليوم بالذات الآن؟
لأن اليمن اليوم يشهد محاولة مكشوفة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. جماعة الحوثي لا تُخفي مرجعيتها العقدية القائمة على حصر "الحق الإلهي" في الحكم بسلالة بعينها، وهو بالضبط المبدأ الذي ثار عليه الشعب اليمني عام 1962. الشعارات تغيرت، والخطاب تجمّل بلغة "المقاومة" و"العداء لإسرائيل"، لكن جوهر المشروع - من يملك الحق في الحكم ومن لا يملكه - لم يتغير قيد أنملة عمّا كان عليه قبل أربعة وستين عامًا.
والأدهى أن هذا المشروع لا يقوم اليوم على سواعد أبنائه وحدهم، بل يستنزف أبناء القبائل اليمنية، أبناء صعدة وعمران وحجة وذمار، ليكونوا وقودًا في حربٍ لا تخدم مصلحة يمنية، بل تخدم أجندة إقليمية تُدار خيوطها من طهران. شبابٌ يُزج بهم إلى جبهات القتال تحت شعارات دينية وأممية، بينما القرار الحقيقي في يد "الحرس الثوري" ووكلائه، وبينما يُنهب اقتصاد اليمن ويُصرف على آلة الحرب ما كان يجب أن يذهب لغذاء الأطفال ودواء المرضى. هذا ليس دفاعًا عن اليمن؛ هذا استخدام لليمن وقودًا في صراعٍ أكبر منه ومن أبنائه.
استحالة العودة
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بصوتٍ عالٍ وواضح: التاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة التي يتخيلها من يحلمون باستعادة عرش السلالة. فالشعب الذي ذاق طعم أن يكون مواطنًا لا رعية، وأن يُحاسَب حاكمه لا أن يُقدَّس، لا يمكن أن يقبل طوعًا العودة إلى منطق "الحق الإلهي" مهما تبدّلت الأسماء والشعارات. اليمنيون اليوم أكثر وعيًا بتاريخهم من أي وقت مضى، وأكثر إدراكًا أن كل خطاب يُقسّم الناس بحسب النسب أو "الهاشمية" أو "الحسينية" إنما هو استنساخ لنفس المنطق الذي ثاروا عليه في سبتمبر.
الجمهورية ليست شكلًا من أشكال الحكم فحسب؛ إنها عقد اجتماعي يقول إن اليمنيين جميعًا سواسية، وإن السلطة تُكتسب بالكفاءة والانتخاب لا بالنسب والوراثة. هذا العقد، مهما تعرّض للاهتزاز والتحدي، ظل حاضرًا في وجدان الغالبية العظمى من الشعب اليمني، شمالًا وجنوبًا، وهو ما يفسر إصرار ملايين اليمنيين، رغم الحرب والحصار والانقسام، على التمسك بفكرة الجمهورية ورفض العودة لحكم الفئة الواحدة.
رسالة إلى الأجيال
في هذه الليلة، حين تُضاء الشموع وتُرفع الأعلام، لا بد أن نستذكر أن الاحتفال بالثورة لا يكتمل بالخطابة وحدها، بل بالوعي بأن حماية مكتسباتها مسؤولية مستمرة، لا حدثًا تاريخيًا مُغلقًا. جيل اليوم مُطالب أن يعرف تاريخه جيدًا، أن يفهم لماذا ثار أجداده، وأن يميّز بوضوح بين من يدافع عن اليمن الجمهوري الموحد وبين من يستغل شعارات "المقاومة" و"الدين" غطاءً لمشروع سلطوي عائلي مدعوم من الخارج.
الدفاع عن الجمهورية اليوم يأخذ أشكالًا متعددة: الوعي، والصمود المدني، والتمسك بالهوية اليمنية الجامعة، ورفض الانصياع لخطاب الكراهية والفرز الطائفي والمناطقي، والمطالبة بدولة مؤسسات تخدم كل اليمنيين بلا استثناء. فما دامت هذه الروح حية في الوجدان الجماعي، ستبقى فكرة عودة حكم السلالة مجرد حلم لا يتحقق، مهما طال أمد الصراع.
ثوار سبتمبر لم يمنحوا اليمنيين مجرد نظام حكم، بل منحوهم فكرة: أن الإنسان اليمني حرٌ بطبيعته، لا رعية لأحد. وهذه الفكرة، متى تجذرت في وعي شعب، يصعب اقتلاعها، مهما حاول من يحاول.




