الثلاثاء 27 أكتوبر 2026

الزيدية بين المجاملة والواقع!

الزيدية بين المجاملة والواقع!

سفير اليمن الأسبق في سوريا د. عبدالوهاب طواف يكتب عن: الزيدية بين المجاملة والواقع!

منذ أن تنبّه اليمنيون إلى أن الزيدية ليست مذهباً إسلامياً، يساعد المسلم على معرفة الطريق الصحيح لطاعة الله، بل مجرد نظرية سياسية عنصرية؛ صُمِّمت لتكون حاملاً فكرياً لأطماع الجماعة العلوية الهاشمية في حكم المنطقة العربية، ظهر صوتان متباينان.

الصوت الأول يزعم أن الزيدية مذهب إسلامي في اليمن، له حضور شعبي، ولا ينبغي خوض مواجهة معه حتى لا يُدفَع أتباعه إلى أحضان الحوثية، وأنه لا صلة بين الزيدية وبين الحركات الإمامية التي ظهرت في اليمن، كآل حميد الدين وآل الحوثي

. أما الصوت الآخر فيرى الحقيقة كما هي: الزيدية بناء عنصري لا يمت للدين ولا للقانون بصلة؛ فوجود نصٍّ يشجع على الخروج والعصيان والفوضى ضد الدولة وحاكمها غير الهاشمي، ويخصص السلطة وجزءاً من ثروات البلاد لجماعة من نسب معين، هو أمر يصادم القرآن والسنة والشرع والعرف والدستور والقانون والعقل والأخلاق.

وللصوت الأول نقول: ندرك دوافعكم في محاولتكم الفصل بين الحوثية والزيدية، ظناً منكم أن هذا الفصل سيحرم العصابة الحوثية من جمهور واسع من الهاشميين ومن يعتقد بالزيدية. وندرك أيضاً أن هناك من يتعامل مع هذا الملف بحسابات سياسية دقيقة، رغم إيمانه المطلق بأن الزيدية مجرد فُوَّهة بركان لا تقذف إلا الحمم السوداء الحارقة. فالسياسة أحياناً تقتضي وصف السمّ بأسماء مرنة وناعمة.

لكن الحقيقة التي يجب أن نؤمن بها جميعاً أن الدولة في اليمن لا تلتقي مع فكرة الزيدية؛ فالزيدية نقيض الدولة، ومصادمة للمواطنة المتساوية. هي مشروع يشبه الفاشية والنازية والداعشية، بل أشد خطراً منها، لأنها تتخفّى بلبوس ديني وتستند إلى نسب مقدّس مزعوم، وضحاياها أكثر بكثير من ضحايا تلك الحركات المتطرفة المندثرة.

وعبر التاريخ، لم تنهض الزيدية في اليمن إلا وسقطت البلاد في حرب مدمرة. الزيدية تستهدف الدولة، والحاكم غير الهاشمي، والسلطة، والثروة، والعقيدة، والهوية، والتعليم. وتؤسس لمجتمعات حاقدة وعدوانية، بأجيال غير متعلمة إلا عقائد التمييز الطبقي، والتعبئة الجهادية ضد كل من يعارض تسيد الهاشمي على بقية الناس.

وبداية الاستقرار في اليمن لن يأتي إلا بمعالجة جذور المشكلة، وجذرها في اليمن هو الزيدية نفسها. ولن نجد زيدياً واحداً يؤمن بدولة لليمنيين؛ قائمة على المواطنة المتساوية. ففي اليمن وحده تجد ملحداً لا يؤمن بوجود الله، لكنه يؤمن بوجود الزيدية وعلي والحسين، ويعتقد أن الحكم والسلطة والمال والمكانة الاجتماعية العليا لهم بشرع الله وسنة النبي. وهذا وحده كافٍ لندرك أننا أمام عصابة تجمع بين التطرف العقائدي، والتشدد العرقي، وغلوّ النسب العنصري.

اليمن لن يستقر بوجود مشروع سلالي يضع الناس طبقات، ويجعل الحكم حقاً حصرياً لسلالة معينة بنسب يمتد إلى خارج اليمن عمره 1400 عام.

والدولة لا تُبنى على نصوص تميّز بين الناس، بل على العدل والمساواة، وهو ما أمر به الله، وأكده القرآن، ورسخه نبينا الكريم؛ فالإسلام جاء لتحرير الإنسان لا لاستعباده.