عز القبيلي بلاده

خلال سنوات الحرب مع المتمردين الحوثيين، ركزت بعض القوى الدولية بشكل خاص على احتواء المشائخ والقبائل ضمن أنشطة وبرامج في إطار الدبلوماسية الناعمة ودبلوماسية المنظمات، وكل عام تطالعنا الأخبار باحتشاد مشائخي مكثف من مدريد إلى إسطنبول وعمّان وصولاً إلى جنيف بلاس، تحت لافتات براقة وأجندات غامضة، في ظل غياب مريب لأجهزة ومؤسسات الدولة الحاكمة.
وللتذكير، كان مجرد سفر أي مسؤول في الدولة من مستوى مدير عام وفوق لأداء العمرة أو السياحة أو العلاج رهن موافقة سلطات الدولة العليا وأجهزتها الحاكمة، أما موضوع السفر للمشاركة في أنشطة سياسية فيقتضي تكليفاً رسمياً مسبقاً، وتقريراً رسمياً لاحقاً عن ماذا حققت المشاركة للمصلحة الوطنية العليا.
والحقيقة أن هذه الأنشطة صُممت خصيصاً لتبييض صفحة الميليشيات، وتطبيع علاقتها مع العالم تحت توقيع ومباركة الشرعية، فمن غير المنطقي ولا المقبول إطلاقاً أن مجلس الدفاع الوطني والحكومة تصنف الميليشيات جماعة إرهابية، ثم يتجه العشرات من قيادة الدولة إلى أنشطة على المستوى الدولي جنباً إلى جنب وكتفاً بكتف مع ناشطين ومسؤولين ومشائخ حوثيين.
وعليه، فإن العتب واللوم يفترض أن لا ينحصر على المشاركين، بل يوجه إلى قيادة الدولة والأجهزة الحاكمة فيها، التي تسمح بمشاركة العشرات من قيادات الدولة، سواءً من قيادات الصف الأول كأعضاء البرلمان والوزراء والمحافظين، وأيضاً الوكلاء والمدراء العموم، سنوياً في هذه المؤتمرات واللقاءات المشبوهة.
وللمشائخ المشاركين نذكرهم بالمثل اليمني الشهير: "عز القبيلي بلاده ولو تجرّع وباها"، فلن يبقى للقبيلة عز ولا شرف إلا بالعودة إلى أرض الوطن ومناجزة من هجّرهم وأخرجهم من بلادهم، فالعز والشرف في الميدان وليس في عواصم الشتات.
والواقع خير دليل، لأنه بعد سنوات من المشاركات واللقاءات المشابهة لم تنجح مطلقاً في إقناع الميليشيات في صنع أرضية مشتركة لبناء دولة، بل ازدادت تطرفاً وإجراماً، وكثفت من استهداف المشائخ والوجاهات وحشد أبناء القبائل لمحارق الموت، ومنذ أشهر تقصف تعز ومأرب وتقتل عشرات المدنيين، وتدك مؤسسات الدولة والمطارات والموانئ والمنشآت بالصواريخ.



