ستون عاماً على «انقلاب عسكري» في «فانوس» الفُضول (تقرير)‏

  لطفي فؤاد أحمد نعمان

سَرَت صحيفة “الفضول” لصاحبها الأستاذ عبدالله عبدالوهاب نعمان بين يدي القراء اليمنيين ‏جنوباً، وتسربت إليهم شمالاً، منذ صدور عددها الأول في 15 ديسمبر 1948م من مدينة ‏عدن.. وبسريانها ورواجها، سرى وراج الأمل في استمرار النضال الوطني عبر لسان ‏الأحرار ومنبرهم الجديد “الفضول” من بعد شهور من خفوت “صوت اليمن” لسان حال ‏الجمعية اليمانية الكبرى.. وفشل ثورة 17 فبراير 1948م وإسقاط حكومتها الدستورية في 12 ‏مارس 1948م يوم استعاد الإمام أحمد حميد الدين عرش أبيه القتيل يحيى حميد الدين من قادة ‏حكومة الثورة الدستورية الذين أطيح برؤوسهم فيما سلمت رؤوس عدد من رجالات الثورة ‏الذين قادهم قدرهم إلى سجون “نافع” و”القاهرة” بمدينة حجة.‏

وعلى الرغم من بقائهم سجناء، لكنهم حركوا المشهد السياسي من سجنهم تجاه منحى جديد ‏بعدما اطمأنوا إلى نفاذ رؤوسهم من أحكام الإمام أحمد بالإعدام.. إذ وجهوا المشهد صوب ‏‏”ولاية العهد” لنجله سيف الإسلام محمد البدر، وكانت قضية أشير إليها مبكراً في أولى أعداد ‏‏”الفضول” عام 1949م.‏

كان صدور “الفضول” في ديسمبر 1948م، بعد انقضاء شهور تسع على نفاذ “النعمان: ‏عبدالله عبدالوهاب” من صنعاء قبل سقوطها في مارس 1948م، إيذاناً بإشعال جديد لجذوة ‏المعارضة من داخل اليمن “المحتل” لحكام اليمن “المعتل” بديوان صنعاء أو مقام تعز حيث ‏انتقلت العاصمة السياسية للمملكة المتوكلية اليمنية والمقام الإمامي الشريف إلى هناك. فيما ‏حمل جذوة المعارضة بالكلمة أيضاً خارج اليمنيْن من كارديف ببريطانيا شيخ الأحرار الشهيد ‏عبدالله علي الحكيمي عبر جريدة “السلام”. فكانا معاً بجريدتي “السلام والفضول” الصادرتين ‏في ذات الزمن ديسمبر 1948م مبعث أرق للإمام أحمد رحمه الله مما استفزه لمضايقة ‏‏”الحرين: عبدا الله” الحكيمي ونعمان، مستعيناً بما تأتى للسلطات البريطانية في الجنوب ‏اليمني من حيل تستجيب لطلب صديقهم اللدود في الشمال اليمني والخصم الجديد لأحرار اليمن ‏والضائق بكلماتهم.‏

كلمات عبدالله عبدالوهاب نعمان في صحيفته المسماة “الفُضول” تيمناً بحلف الفُضول الشهير ‏قبل الإسلام، اتسمت بالسخرية من سوء الأوضاع والأشخاص الذين استقامت عليهم -ما درج ‏على تسميته- “دولة الأسياد”.‏

الصحيفة التي تغير مع الأعوام تشكيل اسمها من الضمة إلى الفتحة وصارت تدعى ‏‏”الفَضول” بفعل ما درج عليه لسان المتابعين، وكما ثبت من اسم الجريدة المكتوب باللغة ‏الانجليزية، احتوت جملة من التفاصيل عما يدور في دوائر الحكم وأخبار الأحرار طبقاً لما ترد ‏من معلومات وإشارات عبر مراسلات مكتوبة بين سجناء حجة وطلقاء عدن.. على ضوء ذلك ‏وصلت صحيفة “الفضول” جمهورَ اليمنيين شمالاً وجنوباً بخفايا العقل الإمامي وأسرار الإطار ‏اليمني المتوكلي. علاوة على المتواتر من أنباء طغيان بعض نواب وعمال الإمام من مشايخ ‏وقضاة في مواطن أعمالهم أكانوا من شمال الشمال أو جنوب الشمال.‏

هذا بجانب ما تبناه الأستاذ عبدالله عبدالوهاب نعمان من مواقف تجاه قضايا عدن والمحميات ‏أو “الجنوب اليمني” وسلاطينه وأعلامه ورجالاته.‏

ومما ليس فيه شك أن براعة قلم “الفضول” عبدالله عبدالوهاب نعمان اجتذبت جمهوراً واسعاً ‏من القراء، لا سيما وبديهته الذكية كسرت الإحباط السياسي الناجم عن “مصرع الابتسامة” أي ‏سقوط ثورة الأحرار الأولى عام 1948م.. فتفنن في تبويب صحيفته التي التصق اسمها به ‏وصارت لقبه، رحمه الله، واستخدام اللهجات اليمنية العامية المتنوعة، مزحزحاً جمود اللغة ‏السياسية، مستفيداً من خبرته السابقة كمحرر بصحيفتي “صوت اليمن” و”فتاة الجزيرة” ‏الجادتين. فتفوق النعمان عبدالله باعتماد لغة بسيطة وأسلوب مرح يُنفِذ بهما رسالته إلى ذهن ‏جمهوره.‏

كما طور وحدّث طرافة الصحيفة بأن حمّل ظهرها، أو صفحتها الثامنة والأخيرة، صحيفة ‏ثانية سماها “الفانوس”، ابتداءً من العدد 155 الصادر في الثالث من أكتوبر 1953م الموافق ‏‏24 محرم 1372هـ.. إلى أن انتقلت إلى بطن الفضول في العدد الأخير رقم 157 الصادر في ‏‏31 أكتوبر 1953م. مثلما كان موضعها أول صدورها في العدد الثالث بتاريخ 15 يناير ‏‏1951م. فكانت صحيفتان في صحيفة واحدة..!‏

تم تعريف جريدة “الفانوس” عام 1953م بأنها “جريدة حالي حامض يحررها الدكتور أبو ‏معجر”.. فاختلف “طعمها” و”محررها” عن عام 1951م يوم كانت “جريدة حلوة ونص.. ‏بشرط الطعم!..” و”رئيس تحريرها المسطول أبو يمن”.‏

أضاء “الفانوس” قراء الفضول بأخبارٍ خيالية غير خالية من المضمون العميق. وأقرب ‏الآيات على ذلك خبر “انقلاب عسكري، لعين في اليمن” ذائع الصيت حتى اليوم كآية من آيات ‏التشويق والإثارة الصحافية عنواناً ومضموناً، حد أنه أوقع كثيراً من البحاثة المتخصصين ‏وعامة المعجبين بأسلوب وذكاء المرحوم الفضول لدى ترويج الخبر بأن العنوان: “انقلاب ‏عسكري في اليمن” تصدر صدر الصحيفة. حتى اتضح أن ظهر الصحيفة هو ما احتوى الخبر ‏والعنوان معاً دون أن ينعم الصدر بالعنوان المثير.‏

وإذ وفر مشكوراً السفير والمستشار مروان بن عبدالله عبدالوهاب نعمان، مستعيناً بالخزانة ‏الوثائقية المهمة للباحث والمستشار أحمد كمال بن محمد أحمد نعمان، الشطر الأعظم من أعداد ‏صحيفة الفضول في الموقع الإلكتروني للشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان “الفضول” عام ‏‏2007م ثم احتضنها موقع “الفضول نت” الأخباري وإن نقص منها 16 عدداً. فبذلك الشطر ‏الكبير المتوفر يسر الله ما تعسر وأمكن تقليب الصحيفة والتنقيب منذ عددها الأول إلى العدد ‏‏157، حتى وُجدت “الضالة” في العدد 155 حيث أُلقي النظر على الخبر الأشهر في الصحيفة ‏‏”الأسخر” من وضع البلد المسخر لما يسميه الفضول “عساكر دولة الأسياد”.‏

لم تك السخرية في تسليط “الفانوس” على هذا الحدث الوارد بتفاصيله من وكالة الأنباء: ‏‏”مقهاية الحوبان، تعز” في هذا الخبر وغيره من الأخبار اعتباطاً، إنما عمداً بروح الطرفة التي ‏تحلى بها “الفضول: عبدالله”، فصاغت واقع الرعية والمعاناة التي شكّلها عساكر الإمام ‏وعرائفه، بل ووصفت حال العسكر والعريفة واستخفت بالرتب العسكرية وشخوص العسكر ‏ولخصت حال البلد بتصوير طرقاته وما يعوز وسائل الركوب من أدوات وكماليات ضرورية.‏

ولكي يستزيد المهتمون وضوحاً لفحوى الخبر ومدلولاته ليس هناك بد من الإشارة إلى ما قد ‏يكون أراده “المحرر أبو معجر” ورمى إليه من نقد لاذع وتصوير بارع، وتحفيز أو تحبيب ‏الخروج على الأوضاع:‏

‏- الاستهانة بالوقت باستخدام “ساعة مؤخرة غير مضبوطة” يمكن اعتبارها كناية عن احتمال ‏عدم حدوث ذلك في أي وقت من قبل!‏
‏- نقد المبتكر من أنواع الزكاة “زكاة الكراث”.‏
‏- تبيين حال “عسكري الدولة” من اسمه “مدبر (حظ عاثر) بن مذحل (سلاح صدئ)” وهو ” ‏التابع للعريفة [زوة] الحرب (أركان حرب) القبطان أبو بارعة”، ونزوله لتنفيذ أمر المقام على ‏‏”الحرة زكية بنت مكرد”. والأسماء دالة على المناطق التي ينتمي إليها المذكورون.‏
‏- الصورة الذهنية للعسكري لدى المواطنين والانطباع عنه: “لعين ابلعين”، “الملعون”، ‏‏”عاصي والديه”.. علماً بأنه مغلوبٌ على أمره “يساير ظروف الانقلاب”، لأنه “منقلب بفعل ‏الحمار المبرطعة”.‏
‏- تصوير الطرقات “مطلحسة لغزارة الأمطار”‏
‏- الموقف السياسي العام ومدى السيطرة عليه في تعز كونها عاصمة المملكة واستعداد ‏الدوائر هناك لمحاكمة المواطنة الحرة!‏
‏- التهم المعلبة والجاهزة للمواطنين: “الخيانة العظمى”، نظراً لتضرر العسكر أثناء نزولهم ‏‏(على الحمار المغتصب أصلاً من المواطنين) بهدف تنفيذ أمر المقام بجلب بقية “زكاة ‏الكراث”.‏

وقد بلغ الخبر ذروته بنقد الوضع السياسي العربي عامةً الذي كثرت فيه الانقلابات فعلاً، ‏وذلك من خلال تعليقه القائل: “كثرت الانقلابات العسكرية في الدنيا حتى اشتركت فيها ‏الحمير”!.. وكذا إشارته إلى مآل الحكم، وأي حكم -متخلف بالطبع- “إلى الأوحال”.. بعد أن ‏‏”يجرجره الحمير إليها”.‏

وزيادةً في الإطلاع، تختم هذي المادة بفحوى الخبر الشهير:‏
الفانوس تكشف عن انقلاب عسكري.. لعين في اليمن:‏
تعز، مقهاية الحوبان:‏
حدث أمس في ساعة مؤخرة غير مضبوطة انقلاب عسكري لعين ابلعين.‏
فقد هطلت الأمطار بغزارة حتى تطلحست الطرقات وفي أحد هذه الطرقات كان العسكري ‏مدبر ابن مذحل التابع للعريفة زوة الحرب القبطان أبو بارعة، واللي كان منفذاً بأمر المقام ‏على الحرة زكية بنت مكرد بشأن ما بقي عليها من زكاة الكراث، كان هذا العسكري الملعون ‏أعلاه يركب على حمار اغتصبها على الحرة المذكورة بدون عقد ولا اتفاق وحدثت أن طحست ‏رجل الحمارة وهو عليها فانقذف عاصي والديه إلى الأرض ولكن رجله بقيت حبيسة أحد حبال ‏الوطاف فلم يملك إلا أن يساير ظروف الانقلاب ويطرقع برأسه وراء الحمارة وهي في غاية ‏البرطاع.‏

وقد استطاعت دوائر تعز أن تسيطر على الموقف قبل أن تدخل الحمار مبرطعة بالعسكري ‏المنقلب إلى المدينة وقد أذاعت بأنها ستحاكم الحرة زكية بِتمكرد بتهمة الخيانة العظمى لأنها ‏تركت عسكري الدولة دون أن تزوده بذفر ولا لجام.‏

وهكذا كثرت الانقلابات العسكرية في الدنيا حتى اشتركت فيها الحمير. وهذا دليل قاطع ‏كسكين الجزار على أن دولة الأسياد سايرة في طريقها إلى النهضة تجررها الحمير في ‏الأوحال.‏
أكتوبر 2010م
أغسطس – أكتوبر 2013م