أبواب صنعاء.. أطلال ترتجف في العراء والفوضى

أبواب صنعاء.. أطلال ترتجف في العراء والفوضى

قد يتجمّد نظرك خاشعاً لرؤية تلك المباني التي حفر الزمان فيها أعاجيبه، والتي تبهرك فور وقوفك عند أبواب مدينة صنعاء.

إنها واحدة من أقدم مدن العالم المأهولة بالسكان، بعض الروايات تقول إنّ سام بن نوح، هو الذي أسّسها لتكون أوّل مدينة بُنيت بعد الطوفان الشهير في تاريخ الإنسانية.

“صنعاء عاصمة الروح، أبوابها سبعة، والفراديس سبعة”. هكذا تغنّى بها كبار الفنانين وتوقّف عندها الشعراء، قديماً كان يحيط بها سور عظيم مبنيّ من الطّين، وتتوزّع على امتداده سبع بوابات ضخمة رئيسية، كانت حتى قبل أكثر من خمسة عقود تغلق عند حلول الظلام، أما اليوم فقط أصبحت المدينة مفتوحة على مصارعها للعبث والفوضى.

وتترتّب أسماء الأبواب كالتالي: “باب اليمن – باب السبح – باب عامر – باب البلقة – باب شعوب – باب القاع – باب السلام”. وقد اندثرت جميعها، ولم يبق منها سوى باب اليمن، وهو البوابة الرئيسية من الجهة الشمالية إلى المدينة.

[b]عروس كلّ العصور [/b]

يتذكّر الوالد حمود الباشا (80 عاماً) من أبناء صنعاء القديمة، كيف كان الناس يشعرون في الزمن الماضي بالأمان وتسود بينهم قيم المودة والمحبة، بعكس ما صار الحال عليه في هذه الأيام، يقول الباشا إنه يخرج صباح كلّ يوم من البيت ولا يعلم هل يعود إلى أولاده وزوجته أم لا، وذلك نتيجة الانفلات الأمني الذي تعيشه، خصوصا بعد أن سقطت بيد الحوثيين في 21 سبتمبر/أيلول 2014.

وعن تسميتها بعاصمة اليمن السعيد، يقول العجوز الثمانينيّ إنّ السعادة هي رغد العيش والطبيعة، بسبب حفر برك المياه في اليمن، أصل الحياة، وأصل كلّ ما هو حيّ.

“هذه ليست صنعاء التي عرفناها”، يردّد قاطنوها خلال الفترة الأخيرة. يغصّ الشاب خليل العمري بكلماته وهو يستعيد من الذاكرة ما حكاه أهله عن المدينة، وعن الحاضر يقول بحسرة: “لم أشعر بالاختناق في صنعاء أكثر من هذه الأيام”، ويضيف بنهدة عميقة: “ربما أصبحتُ متعباً ومرهقاً من كلّ شيء، صنعاء هي نفسها المدينة التي يطلق عليها عروس كل العصور، وهي التاريخ الممتدّ لأكثر من ألفي عام، ولكنّها عروس حزينة اليوم”.

[b]امرأة في ثوب الندى [/b]

ليس لقبها بالعروس هو الوحيد الذي يعطيها صورة الأنثى الجميلة والمزهوّة، بل هي ترتبط أيضاً بالعبارة التالية: “كانت امرأة هبطت في ثياب الندى ثم صارت مدينة”.
لكنها لم تعد كذلك، ولم تعد حتى عاصمة للبلاد، لقد اختفت ألحان الأغاني فجأة من شوارعها وأزقّتها ونوافذ أبنيتها المعمارية، ولم يعد بمقدور مهند السياني، رئيس هيئة الآثار والمتاحف اليمنية، سوى الحزن على التشوّه الحضاري الذي تتعرّض له المدينة، وهو الأمر الذي دفع منظمة اليونسكو إلى التلويح بشطبها من قائمة التراث العالمي.

ولعلّ أكثر ما يؤذي صورتها هو شعارات التنديد والتهديد على جدران المنازل والأماكن العامة إلى جانب انتشار متاريس الحرب الخرسانية والترابية. هكذا تتحول الجدران التي تحفظ تاريخاً طويلاً إلى ألواح لكتابات عنيفة وعصبية.

[b]عاصمة النزوح [/b]

رغم الوجع، لا تزال صنعاء، أقدم مدن الله، وأهمّ شواهد حضارة الإنسان، لن يتغيّر هذا بأي حال. أبوابها، وإن لم تكن موجودة اليوم، لا تزال تجذب طالبي الأمان، كما كانت عبر تاريخها.

فقد استقبلت صنعاء خلال الأشهر الماضية ما يقارب عشرة آلاف نازح، هربوا جميعهم من معارك الحرب في محافظة عمران، وقبلهم نزح الآلاف من جماعة السلفيين والذين أجبرتهم جماعة الحوثي على الخروج قسراً من منازلهم في منطقة دماج، بمحافظة صعدة، معقل جماعة الحوثي الزيدية.

يستمرّ البعض ويطلق عليها تسمية “عاصمة الوطن النازح”، فمنذ مطلع العام الجاري بدأت موجة نزوح عشرات من مراسلي القنوات العربية والأجنبية إلى المحافظات الأخرى، فيما قرّر آخرون الرحيل والمغادرة من البلاد نهائياً.

لم يتوقّف الأمر هنا، إلى ذلك تستمرّ عملية نزوح ما تبقى من ناشطي المجتمع المدني والسياسيين منها.

ورغم الثقة بها، تعلّق قاصديها بقشة أمل، إلا أنّ أبواب صنعاء السبعة تخلّت عن حماية قاطنيها بإيجاز، حسبكم طائرات عاصفة الحزم التي تؤرّق أصواتها نوم السكان، يتحدّث هنا الشاعر الشاب عبد الله الدبعي عن شعوره الراهن قائلاً: “أصبحت أشعر بخوف وقلق كبيرين على النفس، الأهل، الأصدقاء، أخوة الدم، والوطن وصنعاء المثخنة بالجراح من الأبناء قبل الأخوة”، يتحدّث أحد ساكني صنعاء اليوم بأنّه يتماسك كلّ ليلة هو وزوجته وأطفاله وينتظرون برعب مجيء الصباح ليناموا.

لكأن اليمنيين برمّتهم يتابعون مشهداً سينمائياً، يقول البعض منهم بأنّهم فقدوا القدرة على استيعاب كلّ ما يحدث، فيما يحذر مراقبون من انعكاس كلّ هذا التوتّر والصراع الحاصل على حياة البسطاء المكافحين.

من هنا يحضر الشاعر اليمني الكبير الراحل، عبد الله البردوني، والذي كان بصير العينيين لكنه لم يكن أعمى البصيرة، عندما رأى الواقع الحالي، وتساءل بلسان من فقدوا بصيرتهم اليوم: “ماذا أحدّث عن صنعاء يا أبتي / مليحة عاشقاها السلّ والجرب؟

ومعه الشاعر اليمني المعروف عبد العزيز المقالح، في نفس الاتجاه يكمل ما تبقى: “لا بد من صنعاء وإن طال السفر.. لا بدّ منها، حبنا، أشواقها تدوي حوالينا، إلى أين المفر، إنا حملنا حزنها وجراحها، وبكل مقهى قد شربنا دمعها، الله ما أحلى الدموع وما أمر، صنعاء وإن أغفت على أحزانها، حيناً وطال بها التبلد والخدر، سيثور في وجه الظلام صباحها”.

لم يعد هناك صباح في يوميات صنعاء. ولكنّ ليلها لن يطول. وستكون لحكايتها القديمة المعتّقة نهاية سعيدة، لأنها ألهمت الحكايات معنى “السعادة”.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية