علي عبدالله صالح.. ظروف النشأة وملابسات الصعود

في تلك الأجواء الثورية دخل علي عبدالله صالح الجيش بالتحاقه بالمدرسة الحربية في العام 1958م، وعمره يومذاك 12 عاما،ً وكان كغيره من أبناء ذلك الوقت، محتدماً بصوت العرب، ومعجباً بإيقاعات الرتب العسكرية والزي الموحّد والعرض المنسق، ولم يبلغ السادسة عشرة حتى فجر تنظيم الضباط الأحرار “دار البشائر” صبيحة 26سبتمبر1962م، وأصبح اليمنيون هذه المرة هم صانعي شعارات التحرر التي تُرى نتائجها الملموسة كأقوى ما يكون الحدث.

قامت الثورة ومعها قامت قيامة الحديث عن حق الشعب وقدرة الشعب وفردانية المواطن وأحقية الكل وأهمية الجميع… بموجب ثورة 26 سبتمبر 62م، يصبح بمقدور أي يمني أياً كان لقبه أو منطقته أو قبيلته أو وضعه المادي أن يصل إلى أعلى المناصب، وأن يطلع على أسرار الأمور وأن يصنع مجده ويعيد سدّه ويستعيد ما اندرس من حضارته، وما غفا من شعوره بالعزة والكرامة والقدرة على الفعل.

حينها كان علي عبدالله صالح في السادسة عشرة من العمر ((ذكر كتاب “قائد ووطن” الذي صدر بعد هذا الكتاب بأشهر أن عمره كان 12عاماً))، وفي مثل ذلك السن وفقاً لعلماء النفس، فإن المرء أكثر ما يكون فريسة للمبادئ الجذابة والطموحات العالية والتمثل الصادق والشعور بالإمكان والانشداه للبريق الرائج في الجو العام، والبريق السياسي يومذاك كان نداءً هادراً للتحرر والقوة والفتوة والبسالة.
يتساقط الشهداء.. تفرض الساعات العصيبة نفسها على كل شخص طموح أن يكون له دور تلقائي محتشداً فيه ضمن مشروع آسر ومتفنناً في خدمته بطريقته الخاصة وإبداعه الذاتي.

لم يعد المذياع ذلك الذي يتحدث عن مولانا الإمام، يعقبه برنامج عن الألغاز والأحاجي، بل صار يتحدث عن مصطلح جديد اسمه: الشعب، الجمهورية، الثورة، اليمن الجديد، والوعد الأكيد..

لاشك أن كل هذا قد أثّر في علي عبدالله صالح وفي غيره ممن كانوا ساعتها شهوداً ضالعين في لعبةٍ غايةٍ في الخطورة والمتعة، حيث تعزز فرص السلامة مقدار الإيمان، وتزيد من جسارة الإقدام. ويوماً عن يوم كانوا يشاهدون بأم أعينهم أن المشروع الجمهوري الجديد يزداد حضوراً، في نفس الوقت الذي تمسي فيه الإمامة الاستعلائية عهداً بائداً لن يعود.

هنالك، وفي ظل جو كهذا، عادة ما يلتقط ذوو النباهة من معاصري تلك الأجواء، الأساليب المواتية للحضور والترقّي حيث الجدارة الفردية وإظهار موهبة اتخاذ القرار السريع الحازم، وكذا عناصر المباغتة والمبادرة.. أمور من شأنها أن تصنع مستقبل الأفراد المنضوين في معمعة الحاضر وفي معركة الدفاع عنه، لأنه واقع يصب في مصلحتهم ومصلحة غالبية أبناء الشعب، ولأنه أجدى لهم، إذ لا قداسة فيه للأشخاص وإنما للمبادئ والمثل التي تنفع الناس، كما تترتب فيه المكانة على قدر التضحية والإيمان بالشعب والإيثار للشعب.

هنالك نوع من الناس يأخذ الشعارات على محمل الجد.. خصوصاً حينما يتلقاها في أوج بريقها، وهو في سن اليفوعة التي تكثر فيها نسبة البراءة، ولما تتبلور بعد حظوظ النفس وتكتيكات الوصول والعداوات البلهاء والحسابات الضيقة.

هنالك نوع من الناس يأخذ الشعارات على محمل الجد، وأياً تكن تلك الشعارات، فإن هذا النوع يستفيد ولابد، من إيمانه الواضح بها وتمثله الطبيعي لها. وبالتالي تكثر فرص الاحتياج لمثل هؤلاء الأشخاص في مثل هكذا ظروف. (ثورة وحرب، صمود وإقناع، تمرس وسياسة، وقصائد وشهداء).

باعتقادي أن الثلّة التي استلمت الحكم في 13 يونيو 1974 كانت من هذا النوع، إذ أنهم لم يعيشوا في ظل العهد الإمامي مسافة زمنية تغرس بعض هالتها في قلوبهم، كما أن الواقع الدولي آنذاك، كان هو الآخر عاملاً مساعداً في تبني الشعارات بلا خوف، وفي إحراق المسافات بلا هوادة.

منذ الخمسينات بدأ التقاطب بين المعسكرين الشرقي والغربي، الاشتراكي والرأسمالي، يأخذ تبلوره الطبيعي ويؤثر على سياق الحياة الدولية. كان بمستطاع العالم الثالث يومها أن يتدلل، وأن يبوح بما يريد، وأن يحن إلى ما يعتقد، فكلا المعسكرين حريص على استقطاب دول العالم الثالث، واستمالتها إن لم يكن بشكل تحالفي فكري وسياسي وعسكري متكامل، فعلى الأقل سياسياً فقط. من هنا أمكن للمشاريع الوطنية والقومية أن تعبر عن نفسها بصوت عال، وأن تعمل بين الجماهير.. وكان لا يزال حينها لمأساة احتلال فلسطين وقيام الكيان الصهيوني 1948م أثره في استنفار الجماهير وفي شحذ الصفوف بغض النظر عما أسفر عنه ذلك الشحذ.

كانوا في أواخر العشرينات وبداية الثلاثينيات من العمر، ووجدوا أنفسهم يتسلمون زمام بلد، وبطلب من كبار رجالاته. فوجدوا أنفسهم أمام شحنة مدوية من الثقة وتهيؤٍ ملائم من الشعب لكي يصنعوا “ما لم تستطعه الأوائل”.

[B] طبيعة العلاقة بين صالح والحمدي [/B]

قام الرئيس إبراهيم الحمدي بتعيين صديقه علي عبدالله صالح، قائداً للواء تعز، وهذا يعني الكثير.. كان اليمن الشمالي يتكون من رئتين: صنعاء وما يجاورها وصولاً إلى حدود المملكة، وتعز المدينة الثانية المحادة للجنوب والمطلة على مضيق باب المندب وجزء من حركة الملاحة في البحر الأحمر.
ويبدو أن تموقع علي عبدالله صالح قائداً للواء تعز في 27 أبريل 1975م.( ) كانت له قصة ما تندرج ضمن برنامج إحلال سلس من قبل قيادة حركة 13 يونيو لكوادرها ذات الثقافة السبتمبرية المتأثرة بفكر الثورة الناصرية محل الكوادر البعثية التي كان لها حضور مكثف في المفاصل العسكرية للدولة منذ حركة 5 نوفمبر 1967م التي سيطر فيها القاضي عبدالرحمن الإرياني وجناح البعث والمشائخ على السلطة مستغلين زيارة الرئيس السلال حينها إلى خارج الوطن.. ومن ضمن الكوادر العسكرية البعثية لنظام 5 نوفمبر في صنعاء درهم أبو لحوم، قائد لواء تعز الذي أزاحه الرائد علي عبدالله صالح بحركة انقلابية بالاتفاق مع الرئيس الحمدي الذي خلع يومها على صالح لقب “تيس الضباط”.
منصب كهذا لا يعطى إلا لشخص شديد التطابق، مضمون الولاء، مأمون النكث صاحب جرأة وقرار، وذي دراية وفراسة. منصب قائد اللواء (القائد العسكري للمحافظة) هو الأهم في علم الحكم حينها من منصب المحافظ، ويعد بمثابة صمام الأمان، ومستحيل في كل دول العالم أن يخضع منصب كهذا للانتخاب، أو يهدى لمجرد المحاباة.
كانت الثلة التي تولت الحكم في 13يونيو على قدر كبير من التفاهم والتواد، وأضيف هنا أن علاقة من نوع خاص كانت تربط صالح بالحمدي، يدل على ذلك عدة أمور منها -علاوة على ما سبق- أن علي عبدالله صالح كان أحد عشرة أشخاص يمثلون مجلس القيادة السرّي والأهم في عهد الحمدي، وهذه إحدى الحقائق التي لم تخرج حتى الآن.

السعي لاستقلالية القرار في شمال اليمن..
أدرك رموز حركة 13 يونيو أنهم ليسوا بصدد ترسيخ دعائم نظام حكم، بل ترسيخ دعائم دولة وبالتالي شهد اليمن الشمالي وحتى الجنوبي في ظل عهد الرئيس إبراهيم الحمدي بداية لنقلة تنموية حقيقية وملفتة، وبدأت أدبيات فكر الثورة السبتمبرية وأهدافها تتحول إلى مفردات أداء وأناشيد غناء وتضافر فيها المجهود الشعبي مع القيادة الشابة.. كما بدأوا يفكرون بهمّ كان حينها يقتلعهم من أماكنهم وهو مسألة بقاء القرار اليمني في الشطر الشمالي بيد الأشقاء والأصدقاء، انتقل من جيب مصر إلى إبط المملكة، والكل يستكثر على اليمنيين السيادة لهم في بلادهم، وأخلصية القرار، وكذلك كان القرار في الشطر الجنوبي متروكاً لرياح المعسكر الاشتراكي متماوجاً مزاجه بين “موسكو” و”بكين”.
في نظر مثل تلك الشبيبة لا أثر للعوائق الماثلة على إمكانية تحقيق الوحدة؛ إذ أن من شأن شعور كهذا يخامر اليمنيين الذين لأول مرة يعود لهم حكم بلادهم منذ قرون من الإمامة والاستعمار والتمزق والسلطنات والتخلف والجهل، أن يصنع فاعلية مضاعفة وإقداماً مؤازراً، رغم أنه لم يتم جيداً اختبار الخطوط الفاصلة بين الإقدام والتهور والمجازفة قياساً بالظروف المحيطة والإمكانيات والوعي والشوكة.
ولهذا معروف أن الجارة الشقيقة (المملكة العربية السعودية)، التي فرحت بانقلاب 5 نوفمبر على المشير عبدالله السلال وصعود الرئيس عبدالرحمن الإرياني الذي وقعت معه المصالحة مع الملكيين 1970، واعترفت في عهده بالجمهورية، سرعان ما اختلفت معه، بل وتخوّفت من أن يصبح عهده فرصة توغل اليسار المعادي لها واقترابه من حدود المملكة. ولهذا كان بمستطاعها أن تجعل الأوضاع أقل سوءاً مما كانت عليه في أواخر عهد الإرياني، لكنها يئست منه أصلاً؛ وباركت صعود الحمدي ونسقت معه ودعمته، وكسلفه –حسب تقديري- كان صادقاً مع المملكة، لكنه يتفاجأ أن الأشقاء لأسباب متعددة يتجاوزون حدود الدعم والأخوة إلى إملاءات تجعل الرئيس أشبه بموظف لديهم وذلك عن طريق تدخلهم في التعيينات و”تكويشهم” على ملف العلاقات الخارجية، بحيث لم يكن الشطر الشمالي(قبل 13 يونيو 1974م) يتنفس في علاقاته الخارجية إلا عبر رئة المملكة، ولا يتحدث إلا بلسانها، ولا يوافق إلا بعد أن تهز رأسها بالموافقة، ولا يعترض إلا بعد أن تعترض. (وهو الأمر الذي عاد بقوة أثناء فترة الرئيس الغشمي).
وكما هي عادة جميع الرؤساء اليمنيين في الشطر الشمالي (كونه كان واقعاً تحت تأثير الجار الأقوى والحليف للمعسكر الغربي) عادة ما يفرون من وطأة النفوذ السعودي إلى رحاب الأخوة الوطنية ومد حبال التفاهم مع الشطر الجنوبي.
حدث هذا أيام الإرياني وبلغ ذروته أيام الحمدي وسنشرح فيما بعد كيف تكرر بحذافيره في عهد علي عبدالله صالح. إلى أن تكلل بقيام الوحدة 22مايو1990م.
ويرجح البعض أن الغشمي لو حكم فترة أطول لكان خرج أيضاً من ربقة الوصاية السعودية بذات المنوال ونفس الدراما. فيما يذهب آخرون إلى أن الغشمي كان بالفعل بدأ تواصلاً حثيثاً مع سالمين ويذهبون إلى أن ذلك هو سبب مقتل الرجلين في قصة واحدة( )..

[B]إبراهيم الحمدي.. والمخطط الغادر[/B]

بدا الحمدي فطناً وطموحاً أكثر مما يتحمله جيران اليمن، وحداثة عهد اليمنيين بالحكم وبالدولة.. سرعان ما خطف أنظار الجنوب إليه وأرسى نموذج أداء حكومي ملتزم بالقانون، وأداء تعاوني متشوق للبناء والتنمية، خصوصاً بعد أن ذاق الجميع ويلات وعواقب الفساد المالي والإداري في أواخر عهد الإرياني، كما مدّ الحمدي شباكه إلى القرن الأفريقي ليشد عضده بتحالف إقليمي يحد به من سباق التواجد الأمريكي السوفيتي في مياه البحر الأحمر. وأقنع الأشقاء في المملكة أنه لاحتواء نظام الشطر الجنوبي الموالي لموسكو، بضرورة أن يتزود جيش الشطر الشمالي بصفقة أسلحة أمريكية تمولها المملكة.

قدم الحمدي للأشقاء في المملكة مواصفات الصفقة وعدد الآليات المطلوبة وبدورهم قام السعوديون بتقديم الطلب للأمريكان، ليجيء الردّ الأمريكي كما يلي: “قلنا لكم أننا نريد يمناً شمالياً قوياً وليس يمناً شمالياً شديد القوة”.

كان الحمدي يمتلك مشروعاً تحديثياً متكامل الأوجه يستهدف اليمن أرضاً وإنسانا ومضى في تحقيقه بوتيرة عالية.. لهذا بقدر حجم وبريق الرجل كان حجم المؤامرة لإسقاطه. ولابد أن أحمد الغشمي بعد قتله الرئيس الحمدي قد عاش شهور حكمه القليلة مرعوباً مرتبكاً أشد ما يكون، ذلك أن التهمة ثابتة عليه كما أن شعبية سلفه الحمدي لم يسبق وأن حصلت لرئيس قبله، وكان نجمه لم يزل إلى صعود، ضف عليه مجموع القيادات التي كان للحمدي فضل وصولها إلى ما هي عليه من المناصب؛ علاوة على انتسابه في 1975 للتنظيم الوحدوي الناصري، الذي وجد في الحمدي ناصراً جديداً، ووجد فيه الحمدي طاقماً مدنياً وإعلامياً وعسكرياً ملائماً يستعين به في معاركه ضد المناوئين والخصوم.

المعروف أن وتيرة الخطوات باتجاه الوحدة كانت وصلت درجات حاسمة في التقدم في أواخر حكمه، والمؤكد أنه إنما اغتيل في 11 أكتوبر بالتحديد، للحيلولة دون ذهابه إلى عدن في 14 أكتوبر، وإعلانه من هناك، كما كانت الأنباء، عن مفاجأة وطنية كبيرة. (وسنأتي على ذلك في الباب القادم بشيء من التفصيل).

[B]أحمد الغشمي.. شهور مدججة بالسخط والقلاقل[/B]

كان خبر استشهاد الرئيس الحمدي صدمة كبيرة للشعب اليمني شماله وجنوبه وتزامن مع أيام غزيرة المطر متوالية الهطول حتى لقد قيل: “إن السماء بكته”، وانداحت العاطفة الشعبية تستذكر خطابات الحمدي وتنظر بعين النقمة والمقاطعة لنائبه الذي أصبح خلفاً له.. أحمد الغشمي. “لهذا فقد كان لهذه المأساة تداعياتها التي لم تجعل الغشمي يهدأ لحظة واحدة، فتجلت منذ اليوم التالي لبداية رئاسته، وذلك في المظاهرة الجماهيرية التي رافقت تشييع جثمان الحمدي في 13 أكتوبر والاتهام الجماهيري الصريح للغشمي باغتيال الحمدي، وقامت وحدات من القوات المسلحة والأمن والمطافئ بمطاردة المواطنين في شوارع صنعاء طيلة ذلك اليوم”

كانت المرة الأولى التي يراق فيها دم وتنجح فيها محاولة اغتيال؛ إذ منذ العام 1948م انتقلت السلطة في شمال اليمن بين إمامين وقامت ثورة وتولى ثلاثة رؤساء دون أن يقتل رأس النظام. ولذا فإن الأشهر التي قضاها الغشمي في السلطة شهدت قدراً غير مسبوق ولا ملحوق من القلاقل والتمردات على النحو التالي:
“أعلنت الجبهة اليسارية المدعومة من عدن إعادة نشاطها المسلح الذي تصفه صنعاء بالتخريب، والذي كان قد توقف في عهد الحمدي، فعاد النشاط المسلح للجبهة في المناطق الوسطى بذريعة إسقاط نظام الغشمي المتهم بالتآمر وقتل الحمدي وإجهاض الوحدة اليمنية وشملت العمليات المسلحة للجبهة بعض المناطق في كل من محافظات إب، البيضاء، تعز، ذمار، صنعاء، مأرب، صعدة. وتم عقد مؤتمر شعبي بصعدة في مارس 78م دعا إلى العمل لإسقاط نظام الغشمي. وكان الضابط زيد الكبسي حاول تصويب مسدسه لقتل الغشمي داخل مبنى القيادة العامة بعد مقتل الحمدي بعدة أيام، ففشلت تلك المحاولة وتم قتل من قام بها، وأخذ الغشمي يحيط نفسه بحراسة شديدة.. وقام اللواء الأول المرابط في منطقة عمران بإعلان مناهضته للغشمي، وقاد الرائد مجاهد القهالي ،وهو من أنصار الحمدي، أعمالاً مسلحة وتحركات ضد النظام منذ فبراير ومارس 78م بتلك المناطق.. وتحركت وحدات من قوات العمالقة المرابطة في ذمار باتجاه العاصمة صنعاء، وكان تحركها غير منظم وغير مخطط، وهربت وحدات من العمالقة إلى الشطر الجنوبي تعبيراً عن معارضتها للغشمي. كما قاد الرائد عبدالله عبدالعالم تمرداً عسكرياً في منطقة الحجرية بتعز بعد الغاء مجلس القيادة وتنصيب الغشمي رئيساً للجمهورية في أواخر أبريل وبداية مايو وتم إخماد التمرد وانتقل عبدالله عبدالعالم للإقامة في الشطر الجنوبي.

ويمكن القول ان انفجار كل تلك الأحداث والمعارضات المسلحة وغيرها ضد حكم الغشمي إضافة إلى التوتر والخلاف مع تيار المشائخ بقيادة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر أثار قلقاً عميقاً في دوائر خارجية، وكانت زيارة وفد عسكري سعودي عال المستوى لصنعاء وتوطيد العلاقات مع الغشمي في مارس وإبريل نوعاً من التعبير عن القلق ومن محاولة دعم الغشمي لكبح جماح اتصالات بدأت بين الغشمي وسالم ربيع” ( ).

[B]توجس الغشمي من علي عبدالله صالح[/B]

على رغم ما سبق، فقد تصرف البعض بحكمة وسلموا مقاليد الأمر للرئيس الغشمي على مضض، وذلك للحيلولة دون أن يتطور الأمر إلى مجازر بين وحدات وكتائب الجيش وصراع قد يصل إلى المدنيين (كما حدث مثلاً بعد ذلك في 13 يناير 1986م في الشطر الجنوبي)، وربما كان ذلك موقف علي عبدالله صالح رغم علاقته الحميمة بالحمدي.. ليس هذا فحسب، بل كان صالح على رأس حملة تأديبية لقائد المظلات عبدالله عبدالعالم الذي قاد في منطقة الحجرية بتعز تمرداً غير محكم ضد الغشمي، وكان الموقع التنفيذي ل علي عبدالله صالح كقائد للواء تعز يقتضي منه إخماد هذا التمرد.. ونجح في ذلك. قد يعزى مثل هذا التصرف إلى سلوك الجندية عند علي عبدالله صالح والتزامه بأوامر قادته بغض النظر عن طريقة صعودهم، تماماً كما كان شأنه أيام السلال والإرياني والحمدي.

مع ذلك فإن الغشمي ظل متوجساً من صالح (وهذا الكلام.. أسوقه هنا ضمن أحد السيناريوهات الغامضة لتلك السنوات الملفعة بالتضارب) أقول: ظل الغشمي متوجساً من صالح بسبب ما يعرفه من حميمية العلاقة بين صالح والحمدي، فقام حينها باتخاذ عدة تدابير احترازية منها عدم مجيء صالح من تعز إلى صنعاء إلا بإذن، وكذلك شرع الغشمي في “قصقصة” بعض القيادات العسكرية المقربة من علي عبدالله صالح، بإصدار قرارات تعيين تبعدهم عن مركز الحكم (العاصمة) إلى مناطق بعيدة مأمونة. كما حدث مع القيادي في الفرقة الأولى علي محسن صالح؛ الذي صدر له قرار تعيين في الحديدة، ولم يكد الرجل يتهيأ للانتقال إلى الحديدة بموجب القرار حتى وصلت الحقيبة المفخخة من عدن. التي أودت بحياة الرئيس الغشمي بعد أقل من تسعة أشهر على مقتل الرئيس الحمدي.

ثمة قصة أخرى تعزز ما كان من أمر ارتياب الغشمي من علي عبدالله صالح، سمعتها من مصدر مقرب من الأخير، ضمن مسلسل كان يريد به الغشمي التخلص من كل أصدقاء الحمدي، مفادها أن الغشمي قام باستضافة صالح بمنزله ب”ضلاع” إحدى ضواحي العاصمة، في أواخر شهور حكمه ودبر له كميناً في طريق عودته بعد العشاء إلى صنعاء. غير أن صالح بحدسه القوي وربما أيضاً بسبب إشارة من أحد الضباط المحبين له والعارفين بأمر الكمين، نجا بحيلة ذكية وهي أنه حينما خرج من المقيل لم يستقل سيارته الخاصة؛ بل طلب من سائق الرئيس الغشمي أن يقوم بإيصاله بحجة أن سيارته عالقة بين سيارات أخرى لم يزل أصحابها داخل المقيل. وعلى كل حال، كانت الفترة من مقتل الحمدي وحتى ما بعد صعود علي عبدالله وعبدالفتاح اسماعيل فترة عصيبة جداً على اليمن شماله وجنوبه، اغتيل خلالها رئيسان في صنعاء ورئيس في عدن. حتى تصلب الذعر في عروق الناس وباتوا خائفين مما هو أسوأ.

[B]صالح يدفع باتجاه انتخابه رئيساً[/B]

عندما قتل الرئيس الحمدي كان يمتلك نظامه رجلاً ثانياً هو نائب الرئيس(أحمد الغشمي)، لكن بعد مقتل الغشمي بدا الأمر مربكاً وكان لافتاً بالفعل أن الرجل الذي بدا الأقدر على تفهم الأولويات ولملمة الأمور بأعصاب حازمة ومبادرة واثقة هو قائد لواء تعز عضو مجلس القيادة السري أيام الحمدي، صاحب أكبر شعبية بين الضباط، وصاحب سجل خال من الثارات، وبالتالي فرض اسم علي عبدالله صالح نفسه رابع ثلاثة شكلوا مجلس قيادة مؤقت.

وكان مجلس القيادة المؤقت يتكون من رئيس مجلس الشعب التأسيسي عبدالكريم العرشي، وعلي صالح الشيبة رئيس هيئة الأركان العامة، وعبدالعزيز عبدالغني رئيس مجلس الوزراء، وكان صالح يطرح بإلحاح مقترحاً بضرورة اختيار الأخير (عبدالعزيز عبدالغني) رئيساً للجمهورية، بيد أن عبدالغني كان زاهدا في المنصب في حين كانت اللحظة تتطلب رئيساً عسكرياً تحسباً لأي مواجهات مع الشطر الجنوبي جراء قصة الحقيبة المفخخة وخوفاً من استغلال عدن للربكة الحاصلة في صنعاء بالانقضاض على مناطق واقعة ضمن نطاق الشطر الشمالي. (كما حدث بالفعل بعد ذلك). وأيضاً لأن الجو السياسي في صنعاء ووضع الدولة يتطلب هو الآخر شخصية تقوي جانبها التنفيذي كرئيس دولة بموقعها العسكري كقائد مطاع حتى لا تنتثر الأمور.

كانت المملكة العربية السعودية تراقب المشهد عن كثب وتدرك هي الأخرى أن اليمن الشمالي أحوج ما يكون لشخصية تتمتع بالصفات سابقة الذكر، وتدرك أن الرياح تصب في صالح سفينة الرائد علي عبدالله صالح الذي تمت ترقيته إلى رتبة المقدم عقب اختياره عضواً في مجلس الرئاسة المؤقت ونائباً للقائد العام ورئيساً لهيئة الأركان العامة. لهذا كان عليها ألا تقف في المكان الخطأ رغم وجود شخصيات يمنية معروفة بحرصها على العلاقة النموذجية بين اليمن والمملكة أمثال الشيخ عبدالله ابن حسين الأحمر والذي كان يدفع باتجاه اختيار رئيس مدني وليس عسكرياً، ولا يفتأ بين الحين والآخر تقديم المقترحات بأسماء مدنية لتولي منصب الرئاسة.

وكان سبب موقف الشيخ الأحمر كما يذهب المؤرخ محمد حسين الفرح هو نكوص الغشمي عن الخطوات الديمقراطية التي أنجزها الرئيس الحمدي والمتمثلة بإنشاء لجنة عليا للانتخابات تتكفل بإجراء انتخابات برلمانية مباشرة. غير أن الغشمي عوضاً عن ذلك قام بتعيين مجلس الشعب التأسيسي بغير الانتخابات المباشرة رغم حرصه على احتواء المجلس كافة الشرائح المجتمعية وكافة الأطياف السياسية وإن لم تكن التعددية معلنة آنذاك.

والآن، وبعد ثلاثين عاماً على ذلك اليوم الذي انتخب فيه مجلس الشعب التأسيسي علي عبدالله صالح رئيساً للجمهورية وقائداً عاماً للقوات المسلحة في 17يوليو1978، يبدو من المهم إيضاح بعض الأمور التي حاولت الكتابات تصويرها بمثالية مفرطة. حيث أن التقدم لمنصب الرئاسة كان بالفعل أمراً يبعث على الخوف من التصفية؛ لكن ذلك لم يكن يعني على الإطلاق أن صالح لم يدفع بالأمور لصالحه، بل قام بذلك بدهاء كبير -حسب ترجيحي- مستعملاً أنواعاً شتى من الضغوطات والإغراءات والاقناعات وذلك خلال 23 يوماً هي المدة الفاصلة بين مقتل الغشمي وانتخاب علي عبدالله صالح رئيساً.

ويبدو جلياً أن صالح كان يدرك يومها أنه الوحيد المؤهل لإدارة دفة الأمور. خصوصاً وأن عدداً من الضباط الموالين له كانوا يمسكون بزمام الألوية العسكرية. يتضح ذلك من الاجتماع الأول لمجلس القيادة والذي قال فيه علي صالح الشيبة أنه لا يوجد شخصية عسكرية مؤهلة للأخذ بزمام الأمور، فكان أن رد عليه علي عبدالله صالح بأنه يوجد مثل هذه الشخصية.

إلى ذلك يذكر الشيخ سنان أبو لحوم، في مقابلة صحفية له مع إحدى الصحف الإماراتية العام 2007م، أن صالح بدا حريصاً ومنذ الأيام الأولى لمقتل الغشمي على أن يقود البلاد وهو المؤدى ذاته الذي يفهم من كلام الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر في برنامج زيارة خاصة في قناة الجزيرة 2005م والذي قال فيه إن صالح قال له أريد أن أحكم ولو حتى لمدة أسبوع لكي أنتقم من قتلة الغشمي!!

وعموماً بدأ الرئيس حكمه والجميع مشفق عليه وخائف على اليمن، لهذا تعاون الجميع معه بكل صدق وأدى كلٌ دوره بكل مثابرة وإخلاص، ليشهد اليمن الشمالي سنوات ذهبية تكللت في العام 1990م بإعادة توحيد اليمن برئاسته.

_________________
من كتاب الخيوط المنسية حقوق النشر خاصة بموقع نشوان نيوز

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية