نظرية الفوضى.. والمستقبل السياسي لليمن!

هي فرع في الرياضيات والفيزياء أصلاً، ثم امتدت إلى الإقتصاد والفلسفة، وهي تُعنى بإمكانية التنبؤ بالأحداث عندما تكون العلاقة بين المتغيرات علاقةً غير خطية (العلاقة الخطية هي التناسب المباشر بين متغيرين أي أن الحركة بينهما تشكل خطاً مستقيماً).

وفي الفيزياء يسمى هذا النوع من الحركة بالديناميكيا غير الخطية، وأشهر تطبيق لهذه الديناميكيا هو مايسمى بظاهرة “تأثير الفراشة” في دراسة الطقس الجوي، حيث تقول هذه الظاهرة: أنك إن أردت أن تتنبأ بدقة بحالة الطقس القادمة فإن معرفة العوامل الرئيسة من ضغط جوي وحرارة ورطوبة وغيرها قد تكفي فقط للحصول على تنبؤات معقولة للأيام القليلة التالية وليس على المدى الطويل، فإن أردت التنبؤ بحالة الطقس بعد شهر أو سنة مثلاً لابد لك من الأخذ بالإعتبار كل العوامل المؤثرة صغيرها وكبيرها بما في ذلك ثأثير ضربات جناح فراشة في الهواء. إذاً القضية ليست فوضى بمعنى اللانظام، بل بمعنى تداخل وتشابك العوامل صغيرها مع كبيرها وعظم تأثير العوامل الصغيرة على المدى الطويل، أو إن شئتم يمكن القول إن الفوضى هي شكل من اشكال النظام إذا ما تحدثنا فلسفياً، وبالتالي يكون التنبؤ ممكنا ولكنه شديد الصعوبة والتعقيد بسبب لاخطيته (أي أن العلاقة بين متغيراته ليست خطا مستقيما).

تذكرت نظرية الفوضى أثناء النقاش مع بعض المراقبين حول المستقبل السياسي في اليمن في ضوء المعطيات المعاصرة والتطورات الأخيرة، وفي ضوء شكوى السياسيين اليمنيين بأنهم لم يعودوا قادرين على التنبؤ بمجريات الأحداث، واقول لهم هنا أن لا يجزعوا، فلا غرابة في ذلك، لأن ديناميكيتنا السياسية هذه الأيام هي فعلاً ديناميكيا سياسية غير خطية لا تسمح بالتنبؤ بمجريات الأمور، وسياسيونا لا قدرة لهم على التحكم بكل العوامل صغيرها وكبيرها، ولكن إذا أرادوا الحصول على تنبؤات معقولة وممكنة الحدوث فلا سبيل لهم إلا محاولة الحد من هذه الفوضى، وهذا أمر ممكن إذا ما توفرت الأرادة، فعلى سبيل المثال لو استطاع الحزب الحاكم الحد من تأثير عناصره المزدوجة أوالمزايدة، لتمكن من تحكم أكبر في ديناميكيته الداخلية وبالتالي الديناميكية السياسية العامة مما سيؤدي إلى تقليل المناورات، وإلى عدم تضييع الوقت، وإلى تفضيل المصلحة العامة، ولو استطاعت الحكومة تغيير سياساتها الاقتصادية وإحداث بعض الفسحة في حياة الناس اليومية لسحبت سجاجيد من تحت أقدام الفوضى وعاد الناس إلى شيئ من الاحترام لها.

ومثال آخر أن تستطيع المعارضة وخاصة تلك التي تمتلك شرعية برلمانية أخذ حذرها من أولئك الذين يسعون إلى عدم الاستقرار، لأن بعضهم يريدون عدم الاستقرار من أجل تحقيق مآرب قديمة تقسيمية مريعة، كما يحقق عدم الاستقرار للبعض الآخر اعتقاداً غبياً بأن سقوط النظام سيؤول بالسلطة اليهم وهم في ذلك واهمون.

ومثال ثالث أن يدرك أهلنا في “الحراك” في بعض مديريات بعض المحافظات أن من يقودوهم لرفع شعار الإنفصال تحت وطأة المعاناة، لا يكترثون لمستقبلهم بل يستخدمونهم إلى حين كوقود لتحقيق غاياتهم بعدها سيتركونهم وغيرهم للمجهول، وأن تدرك قيادات الحراك على الأرض انها هي القيادات الوطنية الحقيقية ولها دور محوري إذا ما تحررت من عباءة الأنفصال ومنطق العنف، ومثال رابع يخص أهلنا في صعدة، فهل يدرك الحوثيون أنهم لا يستطيعون الحياة خارج الدولة في هذا العالم وفي هذا العصر، إلا إذا كانوا يتشبهون بالقاعدة وهذا امر آخر كلياً، وأن الذكاء هو في المحافظة على مكتسباتهم من خلال الدولة وليس خارجها وبمساعدة الوسيط القطري الكريم وبالتالي يمكن إعادة إعمار صعدة وتنميتها باعتبار ذلك أصل مطالبهم كما يقولون.

إن الحزب الحاكم وحكومته والمشترك والحراك والحوثيين كلهم سياسيون يمنيون معنيون بصناعة مستقبل هذه الأمة، فإن توافقوا توفقت بهم البلاد، وإن تفرقوا تفارقت اوصالها وتشتت سبل العباد، والله اعلم كيف تكون الخاتمة.

لندعو الله جميعاً أن يمنح سياسيينا الحكمة والعقل ويهدينا جميعا إلى سواء السبيل، ولعل لجنة المئتين تجد في ما ورد أعلاه ما يعين، وكل عام والجميع بخير.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية