الصوفية والأمريكان والمعركة الخاطئة

الصوفية والأمريكان والمعركة الخاطئة
الصوفية والأمريكان والمعركة الخاطئة - أحد مشائخ الصوفية في صورة تذكارية مع الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن

لم يكن الصوفيون المصريون يوما مهتمين بالسياسة أو راغبين للعمل بها، عكس نظراء لهم في بلدان أخرى، بل ينسب للمتصوفة المصريين أنهم غالبا كانوا مع الحكم القائم أيا كانت طبيعته أو ملته حتى لو كان احتلالا أجنبيا كما حدث مع الاستعمار البريطاني لمصر مع استثناءات طفيفة لا تزال محفورة في التاريخ.

ظل المتصوفة المصريون محافظين على موقفهم الزاهد في السياسة، حتى ظهرت مؤخرا تحركات صوفية مريبة بدعوى محاربة المد السلفي والإخواني، وأيا كان الدافع لهذه التحركات سواء بدفع من أجهزة الأمن ولجنة السياسات أم بدافع فكري ذاتي، أم كليهما معا، فإن النتيجة هي تبلور موقف صوفي مناهض للتيار الإسلامي الحركي في مصر، وهذه المناهضة لم تتوقف عند حدود إطلاق بعض التصريحات العدائية بل تعدتها للاستعداد لتنظيم مؤتمرات سنوية وشهرية لتعبئة أهل التصوف ضد التيار الإسلامي، متناسين أنهم بالأساس جزء من هذا التيار الإسلامي العريض الذي يسعى لتعزيز الالتزام بالسلوك الإسلامي ومواجهة حملات التغريب والعلمنة التي تتم بمباركة ودعم كبير من النظام الحاكم الذي يسخرهم الآن كجزء من تلك الحملات دون وعي منهم.

من الواضح أن “شياطين” النظام في مصر استطاعوا التغرير بالصوفية فعلا، وجروهم إلى معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بل الصحيح أنها معركة مع أخوة لهم في الله والعقيدة، ورفاق درب على خطى الإسلام الحبيب.

هل يعقل أن يضع بعض أهل التصوف يدهم في يد الأمريكان، ويصبحوا جندا لهم في معركتهم ضد ما يصفونه بالإرهاب الإسلامي؟ لقد حدث ذلك بالفعل حين عقد 16 شيخا من شيوخ الطرق الصوفية على رأسهم الشيخ علاء أبو العزايم بمقر الطريقة العزمية اجتماعا مع سكرتير السفارة الأمريكية بالقاهرة قبل يومين في لقاء استمر أكثر من ساعتين بدعوى بحث نشر الصوفية بين المسلمين في أمريكا لمواجهة الإسلام السياسي الذي يمثل رعبا دائما للإدارة الأمريكية واللوبي الصهيوني، وقد تقرر في اللقاء أن تستضيف الإدارة الأمريكية مشايخ الصوفية على نفقتها الخاصة، لتنظيم العديد من الفعاليات والأنشطة، والقيام بزيارات إلى الولايات المتحدة بدعوى نشر الصوفية بين المسلمين الأمريكيين.

لا أدري ماذا يريد الشيخ أبو العزائم الذي تم اختياره كمنسق بين مشايخ الصوفية في مصر والإدارة الأمريكية بالضبط من هذه العلاقة المشبوهة مع الأمريكان؟!، وكيف يفسر لنا تناقضاته الصريحة؟!، فبينما هو يمد يده للأمريكان محتلي العراق وأفغانستان وداعمي الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، فإنه يمد يده، ويخطو برجله في زيارات متلاحقة لإيران ، مدافعا عنها وعن مواقفها الثورية وتحركاتها لنشر المذهب الشيعي في الأوساط السنية، ثم هو يهرول غربا نحو العقيد القذافي، ولا أستبعد أن أجده غدا في زيارة إلى تل أبيب، لأن الرجل لم يعد لديه بوصلة واضحة.

لا أدري أيضا سر هذا العداء الشديد بين أبو العزايم الذي “جر” بقية مشايخ الصوفية معه لحرب مكشوفة مع التيار الإسلامي لخدمة المشروع الأمريكي والصهيوني، وإذا كان الرجل يقف ضد المشروع الأمريكي والصهيوني فليقل لنا ما هي مواقفه في هذا الإطار؟ هل وقف مثلا ضد الاحتلال الأمريكي للعراق أو أفغانستان؟ هل وقف مثلا ضد حصار غزة وهل سير قافلة إغاثة كما يفعل كل النشطاء المسلمين وغير المسلمين دعما لأهل غزة؟.

لقد نجح الزعيم أبو العزايم في شق الصف الصوفي، بانقلابه على الشيخ عبد الهادي القصبي وتحريض عدد من مشايخ الصوفية ضده، وكان المأمول أن تكون تلك الحركة حركة تصحيحية في الاتجاه الصحيح، لإعادة الوجه الحقيقي للتصوف الزاهد في الدنيا ، الطالب للآخرة ، المهتم بشئون المسلمين ووحدتهم، المواجه لحملات الكارهين للإسلام، وغزواتهم، لكن الزعيم يريد شيئا أخر، إنه يريد الدنيا ومتعها، وربما يريد أن ينصبه الأمريكان خليفة للمسلمين تحت حمايتهم!

على مستوى الجبهة الأخرى وهي جبهة القصبي تتسارع الخطوات لمنافسة أبو العزايم في حربه على السلفية والإخوان، حيث اتفقت المشيخة العامة للطرق الصوفية ونقابة الأشراف مع مؤسسة الأهرام على عقد مؤتمر دولي سنوي، بحضور جميع الطرق الصوفية من مصر والبلاد العربية والإسلامية، وكذا ندوات شهرية على أن تتكفل الأهرام بعملية التنظيم والتمويل، كما ستقوم الأهرام بنشر سلسلة من الكتب والأبحاث التي تتناول الفكر الصوفي وطرحها بأسعار تكون في متناول عامة المصريين.

بدلا من توجيه حرابهم لإخوانهم من أهل الدعوة، على مشايخ الطرق الصوفية أن يستغلوا ما حباهم به الله من إمكانيات لمقاومة الرذائل والمنكرات التي تزداد يوما بعد يوم، عليهم المبادرة إلى نشر الفضائل في المجتمع والحفاظ على هويته الإسلامية التي تتعرض بدورها لحرب شرسة من قوى علمانية ودولية، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة لا يستفيد منها سوى أعداء الإسلام، عليهم قول الحق في وجه السلطان الجائر والثورة على الظلم كما فعل من قبل سلطان العلماء العز بن عبد السلام ونقيب الأشراف الأسبق عمر مكرم، عليهم مناصرة أشقائهم القابعين تحت الاحتلال في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من الأماكن، عليهم مواجهة المخططات الأمريكية الغربية لحرب الإسلام لا المشاركة فيها بعلم أو بجهل، عليهم التخلي عن تبعيتهم للحزب الوطني التي لن تزيدهم إلا نفورا من الشعب، عليهم أخيرا ان يتفرغوا لمهمتهم الرئيسية وهي تزكية النفوس لا بث العداوة والشقاق بينها.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية