وله من كل ديكتاتور نصيب..

فشل الجنرال البشير في أن يجعل من الوحدة مع الجنوب جذابة، ونجح صاحبنا الجنرال في جعل الوحدة (في اليمن ) كذَّابة، مذمومة، وأم كل الأوزار والآثام والفظائع.

فشل البشير في أن يجعل من الوطن الواحد جاذباً، ونجح صاحبنا الجنرال في أن يجعله جالباً: للبؤس والفقر وكره الانتماء.

في اللحظة الأخيرة والوطن يتسرب من بين شقوق أصابع جنرال السودان، صرخ البشير بما يشبه الشهقة: اتركوا لي وطناً أحكمه بشماله وجنوبه، وخذوا كل عائدات النفط، ولكن كان حينها الوقت متأخراً، وكان العرض قد انتهى أو أوشك، والمسرح قد أسدل ستارته، والبشير لم يعد يملك ضمن مقتنياته الشخصية وطناً يحكمه، وبنك دم يهدره: لم يعد لديه شعار: الله.. الوطن.. الوحدة أو الموت.

في الزاوية الأخرى من ذات إطار صورة الديكتاتور، هنا صاحبنا الجنرال، سيان لديه بقي الوطن في قبضته، أو ذهب إلى الجحيم، تسرَّب الوطن قطعة قطعة، أو سقط بالمجمل بالضربة القاضية، فقط يمضي صاحبنا الجنرال حاملاً بين إبطيه وطنه المفترض المتخيل، وطن الوهم المتراص خلف متراس حكمه، المصون بحصار الثكنات المسلحة، وطناً لم يعد قائماً على الأرض، بل نزيل مصح جنون هلوسات العصبة الحاكمة.

صرخ البشير خذوا النفط واتركوا لي حكم الجنوب، وصرخ صاحبنا الجنرال: خذوا الوطن حيث شئتم، واتركوا لخزائني نفط البلاد وثروات كل هذا الفساد.

الاثنان يمضيان معاً من نقاط مختلفة، صوب مشترك واحد، جنون عظمة ورئاسة خالدة، يقطعان تذكرة سفر ذهاب بلا إياب، تذكرة مغادرة الوهج الرئاسي إلى حفرة تاريخ كالحة، بعد أن يسحبا خلفهما الوطن إلى قاع الخراب، يسجلانه كل بطريقته في خانة: الأمم المنسية.

هكذا هم الجنرالات، سجناء هذيان دوائرهم المقربة، حيث كل منهم في نظر مرايا ذاته المقعرة، حبيب الشعب، معبود الجماهير، ومسيحهم المخلص، خدر عادة ما ينتهي برئيس تؤرجحه مشنقة، أو جرذ جنرالي يرتعش خلف قضبان محكمة.

أينما يممت وجهك، لجنرالنا نصيب، إن شرقت صوب ديكتاتورية، أو غربت باتجاه ديكتاتورية ثانية، وجدت له فيها لحمة الرأس والكتف ونصيب الأسد.

إن ذهبت لدراسة شائهة مخضبة بالدماء، للجنرال عيدي أمين، وجدته قد أرسل طابعه البريدي وسيرته الشخصية إلى صاحبنا الجنرال، فترى في صاحبنا عيدي مجسداً هنا، ذات الشيء.

إن ذهبت إلى بينوشيه تشيلي قاتل الليندي وأحلام نيرودا، هو نفسه صاحبنا يتوحد نهجاً وسلوكاً مع جنرالات حرب الأرجنتين، وذاته تطالعه ثانية في موبوتو قاتل لومومبا.

وكلما كشطت صورة صفحة ديكتاتور، أطل صاحبنا من الصفحة الثانية: هو شاه إيران، وتشاوشيسكو، وهو زياد بري، وعمر بانجو، بوكاسو أفريقيا الوسطى، نميري، وصدام، بن علي، والبشير، وكل لطخات سواد الحكم الآن والبارحة.

أحد أمرين: إما لصاحبنا الجنرال مزايا شر، يجمع مساوئ سابقيه الطغاة من أطرافه، أو إن للاستبداد نظامه الوراثي، وجيناته المتساوية، ولهم واحدية الشعار: الفناء للشعب، وخلود البقاء الأبدي، حتى ما بعد الموت للرئيس الطاغية.

وخارج هذين الأمرين، فإن الثابت الوحيد هو ذات النهاية الواحدة، رحيل لصاحبنا إلى حيث رحل زملاء دفعته السابقون..

*رئيس تحرير الثوري سابقاً
slman14@yahoo.co.uk

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية