1
القات khat هي نبتةٌ مُزْهرةٌ ، وأهليةٌ في بعض مناطق العالم ، كالقرن الأفريقي ، وجنوب الجزيرة العربية ؛ ويتناولها القاطنون لهذه المناطق . تناوُل القات في هذه المناطق ، له تاريخ طويل هناك ؛ كعادةٍ إجتماعيةٍ ، يرجع عمرها لمئات السنين ، إن لم يكن ألآف السنين - كما سنرى.
2
يحتوي القات على مادة قلوية alkaloid ، تسمى الكاثِنون cathinone ؛ وهي مادة منشطة amphetamine ، وشِبْه محفزة like stimulant ، تسببُ نوعاً من النشوة ، وتفقد الإنسانَ الشهية ، وتمنحه الإحساسَ الواهم بالإنتشاء ، أو ما يسمى بالغيمة التاسعة ( ninth cloud ) ؛ وربما هو ما يطلق عليه اليمنيون ( الساعة السليمانية ) !
3
في عام 1980 ، صنَّفَتهُ منظمة التغذية العالمية WHO ، على أنه من المخدرات ( drug abuse ) ؛ التي تسبب خواءً نفسياً - psychological dependence - بدرجتيه البسيطة ، أو المعتدلة بدرجةٍ ( أقل من التبغ ، والمسكرات ) ؛ بالرغم من أن المنظمة لم تعتبره مادة دامنة ( addictive ) ! وأصبح القات مؤخراً ،محل متابعة من قِبَل الأجهزة في بعض دول العالم التي تعتبره مادة مخدرة ؛ بينما تعتبره بقية الدول غير ذات شأن !..
4
.. تاريخيا ؛ لا توجد معلومات دقيقة حول الموطن الأول لهذه النَّبتة . والجدال الموجود يقوم على أساس أن أول موطن استُنْبَتت فيه كانت إثيوبيا ؛ حيث يعتقد الرَّحالة ريتشارد بورتُن Richard Burton أن النَّبتة إستقدمت فيما بعد إلى اليمن في القرن الخامس عشر .
5
ويُعْتقد أن قدماء المصريين كانوا يعتبرون القات ( غذاءً إلهيا ) ، يبعث في الإنسانية ، والإنسان ، وحياً من آلهتهم . ويعتقد بعض الدارسين أن قدماء المصريين قد ذهبوا بعيداً - تعدَّى تأثيره المحفز والمنشط - في إعتباره أنه يبعث إلى الإرتفاع إلى درجة الكمال ( apotheosis ) بوهمٍ جعل الإنسان شبيهاً بالآلهة god-like .
6
وأقدم وثيقةٍ تاريخيةٍ وُجدتْ في القات كانت في ( كتاب الصَّيْدلَة في الطَّب ) لأبي ريحان البيروني والذي يعود للقرن الحادي عشر . وهو لم يذكر موطنه الأصلي ؛ ولكنه وصفه وصفا جميلا ، ودقيقاً وكأنه كان يمضغهُ ، أو في مَدْكَى مع الشيخ صادق الأحمر ! ..
7
.. وتستهلك زراعة القات في اليمن ، بحسب الإحصائيات الأخيرة ، ما بين 45 % إلى 65 % ; من المياة التي تتهدد بالإنعدام خلال العقد القادم ، مع زيادة مخيفة في ذلك ، تتراوح بين 7 % إلى 10 & كل عام . كل كيس قات يحتاج في اليوم الواحد إلى خمسمأة لتر من الماء !!
إن ذلك هدر تام لموارد البلد الزراعية. وهذا كما ذكرنا ما يجعل أحواض المياه التي فُلْتِرتْ منذ ملايين السنين ، تستنزف من أجل سَطْلَة ، في كيس قَطَلْ !! .. هل ستصبح صنعاء مدينة مهجورة !!
المسؤولون يقترحون نزوح السُّكَّان إلى الحديدة !!..
الحديدة ؟!!
8
والسبب الوحيد في ذلك الجنون هو تهافتْ المَقَاوِتَة ، وعدم الإهتمام ، والأنانية من جميع المساطيل ؛ والجهل .. فالمعرفة سلاح المعركة !
إِنَّ تهافتْ المَقَاوِتِة على الربح السريع هو أحد أهم الأسباب ؛ وإن كان ذلك لا يعفي الحكومات ، التي تعاقبت ، من المسؤولية المباشرة ، عن غض الطرف عن كل أسباب الفساد ، الذي طال كل مناحي الحياة العامة في اليمن ، على مدى نصف قرن . وقد كان الجنوب ، سابقاً ، قاب قوسين أو أدنى من تحقيق خطته في محاربة القات ؛ إن لم نقُل إنه نجح بنسبة عالية . وما تزال التجربة لها محلها في التطبيق ، إذا أراد اليمنيون مواجهة أنفسهم في أَنَّ القات هو أحد أهم الأسباب في انهيارهم ، وتدهور أحوالهم !
9
تقول الأرقام - في ظل غياب برامج الدولة البديلة والمغرية - أنَّ هكتارا واحدا من الأرض المزروعة بهذه الآفة يشكل مليونين ونصف المليون ريال من الدخل ؛ بينما الخضار والفواكه لا تشكل سوى نصف مليون ريال للهكتار !! .. وما بين 1970 إلى 2000 فقط، إزدادت الهكتارات التي طغت عليها زراعة القات من 8000 هكتار إلى 130000 هكتار - فقط إلى عام 2000 !!
10
كيمياء القات !
ويرجع تأثير القات على مَنْ يتناوله أصلا إلى عنصر " القَاتِينْ " - katin. Cathine . وعلى أية الأحوال ؛ هناك جدال علمي حول تلك المادة المنشطة . فهناك نظرية أخرى ، تطرح أَنَّ العنصر المنشط والمُسَنْطِل من أوراق القات الطرية ، يعود أصلا إلى مادة أخرى أو عنصر آخر، يؤثر على الإنسان بشكل أقوى من القاتين . في عام 1975 جرت عدة بحوث مختبرية حول ذلك ؛ واتضح في عام 1978 أَنَّ الكاثِنون ( cathinone ) ، ليس مادة ثابتة كيميائياً - not very stable - وأنَّهُ يتكسر مُنْتِجاً مادتين هما : الكاثين ، والنوريفِدْرين - Cathine and Norephedri - اللتان ترجعان إلى مجموعة أخرى من المركبات تسمى phenylpropanolamine. من عائلة المنشطات التي ترجع إلى سلالة ال amphitamine . والكاثين ، والكاثينون ، لهما تركيبة جُزِيئية متشابهة . وغالبا ما يشتبهُ ال khat مع ال cat ، الذي يطلق عليه علمياً ميتاكاثنون ( metacathinone ) .. ويُعْزَى كل تلك التأثيرات الجانبية ، والخاصية الإدمانية ، وظاهرة السَّنْطَلَة ، إلى هذه بنت الكلب الميتاكاثنون في ال khat حقنا !
وحين يُتْرك القات بدون رطوبة تكفيه ، لِيَيْبِسَ ، فإنَّ الكاثنون - وهو المادة الأساس - يتحلل ليبقَ الكاثين فقط بعد 48 ساعة . ولهذا تظهر أهمية ورق الموز - لنسبة الرطوبة العالية فيها - في الحفاظ على مادة السَّنْطَلَة !
ب :
إذا مُضغَ القات ؛ حينها ينطلق الكاثين والكاثنون ؛ ويتم إمتصاصها أغشية الفم - أولاً - ثم أغشية المعدة - ثانياً . وقد أوضحت التجارب على الحيوانات في المختبرات ، أَنَّ إعادة الإمتصاص - reuptake - للكاثين والكاثنون وتفاعلهما مع تلك المادة التي ذكرناها آنفا - العائلة المحترمة أعلاه - هي التي تقوم بعملية الرسائل العصبية التي تكون نتيجتها ظاهرة اليقظة المسطولة insomnia !
ج :
إِنَّ الناقلات العصبية ( neurotransmitter )
و مركب السِرتونين serotonine- C10H12N2O ، والذي يعتبر مُضَيِّقٌ قوي ، وفعَّال للأعصاب ، والذي يوجد في المخ والدم ؛ تميل بشدة مستقبلات السَّرْتونين هذه إلى الكاثنون ؛ ولكنها تقوم بنفسها على هيئة مُضَيِّقَات vasoconstrictor
لتلك الناقلات العصبية . وقد توضحت في تلك التجارب أن الكاثنون ، والناقلات العصبية ، والمحترم السرتِنون ، هم المسؤولون عن ظاهرة سَطْلَة الساعة السليمانية بدون تحفظ - فقط بعد 15 إلى 30 دقيقة بشرط أن يكون 98٪ من الكاثنون ، قد امتصتهُ الكَبِد ! ويزداد الأمر خطورة مع البودر الكيمائي الممنوع دوليا . حيث تصبح السَّطْلة نَهْطَلَة للقبر !
د :
ولا تزال كيمياء الكاثين غامضة السلوك عند المختصين ؛ ناهيك عند العاديين مثلي - ولكن يُعتقد إنها المسؤولة عن تحفيز مستقبلات الطاقة في الجسم ؛ مثل مستقبلات الإدرينالين adrenergic receptors ؛ حيث تبدو المشابَهَةُ كبيرة في تلك المستقبلات كما لو إستقبلت الكوكايين ! .. مما يسبب حالة الكآبة الإنطوائية السلبية ، والإنسحاب الإعتكافي السلبي .
و :
يتسبب من إستهلاك القات ومضغه ظاهرتان واضحتان : حالة إيهام بالإنتشاء غير مفرطة ؛ وحالة من الإثارة الساطلة . ويصاحب ذلك حالة من القدرة على الحديث ، والثرثرة لساعات غير قصيرة . كما يُلحظ - كما رأينا سابقا - حالة السهر ، وربما الكوابيس ؛ والقدرة على الوصول لحالة قاسية من الإحساس بالمرح ( Manic ) ، والميل إلى الروح اللطيفة والنكتة الظريفة ( Sense of humor ).
وهو يسبب الإمساك في كل الأحوال . ويثير العواطف الغشَّاشة ، والأحاسيس الجيَّاشة ، والتي تؤثر على ضربات القلب ، وإرتفاع ضغط الدَّم . كما أنَّهُ يؤثر على تمدد عضلات العين . ويلي ذلك ظاهرة الإنسحاب على النفس ، والإنكفاء عليها ؛ والكآبة . ويبدو على مدمني القات نوع من الإنحراف النفسي القاسي ، وردود فعل مفرطة في أحيان كثيرة !
ز :
ومن ضمن الظواهر المعتادة : الدَّوخة غير الطبيعية lethargy ، المصحوبة بسطلة تبعث على الإهمال ، وعدم الإكتراث ، والكسل . وربما أصاب البعض برعشة في بعض أعضاء الجسم ؛ وضعف عام tremor . وهي نبتةٌ تفقد الإنسانَ الشهية . وأما تأثيراته على مدى طويل من الإدمان عليه فتظهر - مثالاً وليس حصراً - في الأعراض التالية :
- تأثير سلبي حاد على وظائف الكبد .
- تَسَوُّد الأسنان .
- سرطان اللثة .
- الحموضة ، وتقرحات في المعدة .
- إنعدام الدافع الجنسي .
- هناك شكوك في تأثير القات على القدرة العقلية على مَنْ يتناوله ؛ على المدى الطويل .
- تظهر عند البعض حالة شبيهة بإنفصام الشخصية في تناول الواقع ومعطياته ( Psychosis ) ، المتمثل في حالة من المبالغة في الحضور السلبي مع النفس ، ومع الآخرين ، ومع الواقع بمسافات إنفصامية ( Bipolar Disorder ) .
11
ديموغرافية القات :
هناك ملايين من الناس يتناولون القات في بلدان محدودة جداً في العالم ، بشكل يومي . حيث للقات في هذه البلدان وضع نفسي وتاريخ خاص جداً . وهو ينمو هناك كوطن أصيل ، مثل أثيوبيا والحبشة واليمن . ويقوم مقام العادة الإجتماعية منذ ألآف السنين على مبالغة !
والقات في هذه البلدان يجتمع الناس عليه رجالاً، ونساءً . على مستوى اليمن ؛ الإحصائيات المتفائلة تقدر ما بين 70 %- 80 % من السُّكَّان يتشاركون هذه العادة ؛ ونسبة متشائمة 75 %- 90 % ؛ لأعمارٍ تتراوح بين 16 - 60 . ويُحصَى أَنَّ اليمنيين يصرفون حوالي 16,6 مليون ( شخص - ساعة / يوم ) في مضغ القات. ويقول الباحث علي الزبيدي '.. أَنَّ المبالغ المقدرة في إستهلاك القات في اليمن تفاقمت من 14,6 مليار ريال في1990 ، إلى 41,2 مليار ريال في 1995 ' ... بزيادة خمسة مليار كل عام ؛ وعلينا أن نجري حساباتنا ، ما بين 1995 إلى 2012 !!.. وهذا الصرف بمثل ما بين 17 % إلى 25 % من دخل كل أسرة .
وتقود جامعة مينيسوتا برنامجا بحثيا عالميا في هذا المرض الإجتماعي وهذه الظاهرة الآفة ؛ في تركيز على مجالي الصحة العامة ، والتأثير على سلوك المخ تحت تأثير هذه الآفة . ويرأس هذا الفريق الأستاذ الدكتور مصطفى العبسي . ويسمى هذا المشروع برنامج بحوث القات ( Khat Research Program ) - KRP . تم تمويل هذا المشروع من قِبَل " المعهد الوطني للصحة " في الولايات المتحدة الإمريكيةِ. وقد دُشِّنَ هذا المشروع في شرم الشيخ في 2009 في ديسمبر منه ؛ بالتعاون مع المعهد العالمي لبحوث المخ ( International Brain Research Institute ) .
خاتمة :
.. وبغض النظر عما قاله الدكتور فيصل القاسم فيما يعتبره اليمني قدحا فيه وهجوما عليه؛ فالمسألة بعيدة في التعقيد من مجرد قدح قاله الدكتور القاسم ، والهجوم عليه وطلب الإعتذار . والمشكلة يا سادة أكبر من ذلك بكثير ؛ وتحتاج لبدائل بتضامن فيها اليمنيون ؛ ودول الخليج ؛ والمنظمات الدولية ؛ ودول العالم في إيجاد العلاج البديل ، والناجع لوضع اليمن في الخطوة الأولى نحو إستقلال الذات وبناء النفس أكثر منه إعتذار مطلوب !
وسامحونا .