الصراع السلفي الشيعي في صعدة.. الجذور التاريخية ولعبة الاستقطاب الإقليمي

  مجيب الحميدي

لعل من الأنسب للولوج إلى أجواء هذه الدراسة، العودة إلى الماضي القريب ومحاولة التعرف على الخلفية التاريخية للصراع الزيدي السلفي في منطقة صعدة، ولن نوغل كثيراً في التاريخ البعيد لأن ما سيتكشف من خلال مراجعة التاريخ القريب يكشف غياب العلاقة الجوهرية للصراع القديم بين الأئمة والوهابية بالصراع الجديد.

فقد تزامن ظهور الدعوة الوهابية في منتصف القرن الثامن عشر مع بداية انهيار الدولة القاسمية الزيدية في شمال اليمن([1]) وكان الأتراك هم العدو المشترك للدعوة الوهابية وحاملها السياسي المعتمد على العصبوية القبلية – آل سعود والقبائل العربية المتحالفة معهم- ودولة الأئمة الزيدية في شمال اليمن والقبائل المتحالفة معها والتي كانت تمتد إلى لحج وعدن، وكان الأتراك قد انسحبوا من صنعاء عام 1630 م بعد معارك طويلة وقتال مرير في عهد الإمام المؤيد، قبل أن يعودوا إليه عام 1849م([2])، وكانت الدولتان الزيدية والوهابية تخوضان حروباً ضارية ضد الأتراك، فقد استولى الوهابيون مطلع القرن التاسع عشر على مكة والمدينة قبل أن يطاردهم محمد على باشا ويعيد السيطرة من جديد على الحجاز، وحينها طلب محمد علي باشا من إمام صنعاء التعاون في مواجهة الوهابية مقابل الاعتراف بالعثمانيين وإعادة عسير إلى اليمن، إلا أن الإمام رفض هذا العرض، وتتطور هذا الرفض إلى صراع انتهى بالسيطرة العثمانية على صنعاء قبل انسحابهم عام 1911م وفي أثناء هذا الصراع كانت الدول الاستعمارية ممثلة ببريطانيا وايطاليا تقدمان الدعم المالي للقبائل العربية التي تحارب العثمانيين([3])، وبعد خروج الأتراك لم يتبلور أي صراع سياسي بين إمام صنعاء وبين الدعوة الوهابية.

وكان الصراع الأبرز بين الإمام وأمير المناطق المجاورة لصعدة “الإدريسي” وكان الإدريسي عدواً مشتركاً للوهابية والزيدية، وساءت العلاقة بين الإمام وبريطانيا إبان الحرب العالمية بالاتساق مع تحسن علاقته بالعثمانيين حينها، وحضي الإدريسي بدعم بريطاني ايطالي واستطاع احتلال الحديدة، ومع ذلك لم يفضل الإمام الدخول بحرب مع البريطانيين وبصورة عامة يستطيع الباحث أن يجزم بعدم تبلور صراع مذهبي نظراً لتوقع الامام هزيمة العثمانيين وسقوط دولتهم إذا تحالفوا مع ألمانيا في الحرب العالمية، وبعد سقوط الإدريسي، بدأ أول صراع سياسي بين المتوكلية اليمنية والوهابية السعودية حول بسط السيطرة والنفوذ على المناطق التي كانت تحت سيطرة الادريسي، وخلال هذا الصراع كانت الدعوة الوهابية تستغل الخرافات والشعوذة والتبرك بالأضرحة والنذور للقبور التي كانت رائجة في تهامة وعسير لنشر دعوة التوحيد وبسط النفوذ السياسي، بالدعوة إلى إعادة إحياء الدين وتجديده ومحاربة الخرافة وعبادة الأوثان والإشراك بالله وفرض الدعوة بقوة السلاح والعصبيات القبلية والبدوية([4]) ومع ظهور الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، تحسنت العلاقة نسبيا بين المتوكلية اليمنية والعربية السعودية.

وبعد رفض الإمام التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين في مواجهة التحالف البريطاني مع الأشراف وال سعود، تواصل الإخوان مع حركة الأحرار المعارضة للإمام وجاءت الثورة الدستورية عام 1948م لتساهم في تعميق علاقة الامامة المتوكلية اليمنية بالوهابية السعودية، واستمرت هذه العلاقة بعد اندلاع ثورتي أكتوبر وسبتمبر في ستينات القرن الماضي، وانسحاب النظام الإمامي من صنعاء إلى مناطق صعدة والجوف وحجة، ليخوض حربا استنزافية مع النظام الجمهوري، مدعوماً من المعسكر الأمريكي السعودي الاسرائيلي([5] ) في مواجهة الجمهورية التي حظيت بدعم المعسكر السوفيتي المصري، وانتهى الصراع باستسلام المعسكر الإمامي، والتوقيع على اتفاقية المصالحة في نهاية ستينات القرن الماضي، وتحررت صعدة من سيطرة النظام الإمامي عام 1969م وتم توقيع اتفاقية المصالحة التي استفاد منها العلامة بدر الدين الحوثي والعلامة مجد الدين المؤيدي وعادا إلى صعدة بعد هروبهما إلى السعودية [6] وظلت البيوت الإمامية تحاول انتزاع بعض صلاحياتها المذهبية في صعدة كأخذ زكاة الخمس ونحوها.

تطورات نظرية الإمامة:
كان المفترض بعد أن وضعت الحرب بين الملكيين والجمهوريين أوزارها واستقرار النظام الجمهوري، أن تطور الزيدية نظريتها السياسية وتدرس أسباب انهيار النظام الإمامي وعجزه عن استيعاب مستجدات الأنظمة الحديثة، وأن يبذلوا جهداً علميا في تقريب نظرية الإمامة من نظرية الشورى ومفهوم النظام الديمقراطي الجمهوري في سبيل تحويل الزيدية إلى مذهب فقهي يتصالح مع الشرعية السياسية الحديثة للدولة المعاصرة، لكن السيطرة التقليدية على المذهب حالت دون هذا التطور، وظل هذا النقد ومحاولات التطوير محصوراً على مدرسة ” آل الوزير” الذين استبدلوا نظرية الإمامة العادلة بدولة الإسلام الشوروية وحكم المؤسسات برئاسة «رئيس الدولة» وليس «الإمام» وبتكوين القضاء العام والاحتساب العام مع إضافة محكمة الكتاب والسنة العليا التي يرجع إليها عند الاختلاف والتنازع مع أولي الأمر وحكمها يكون القانون الفصل.

وتأخرت مرحلة المراجعات والقراءات النقدية الجادة للنظرية الإمامية إلى مرحلة ما بعد الوحدة، إذ ظهرت لأول مرة دراسات تعيد أسباب فشل النظرية السياسية الزيدية إلى الانحراف المبكر في نظرية الإمامة وخروجها عن قاعدة الشورى إلى الحصر في البطنين وتوجهها نحو توريث الحكم الغير المعلن والذي تحول إلى توريث معلن بتسمية الإمام يحيى لابنه أحمد ولياً للعهد وعدم وضع ضوابط فعلية لمنع تعدد الدعاة إلى الإمامة الذين يحتكمون إلى مبدأ القوة وسلطة القهر والتغلب، وقد تطور فكر آل الوزير في المرحلة الأخيرة فأكدوا في دراسات حديثة إلى ملامح التقارب الكثيرة بين النظامين الجمهوري والإمامي وفي بداية التسعينات ظهر لأول مرة بيان يطالب بالتخلي عن مصطلحات الإمامة من قبل عدد من كبار علماء الزيدية يمثلون اللجنة التحضيرية لحزب الحق وتضمن البيان التأكيد على تجاوز فكرة الإمامة والإقرار بالنظام الجمهوري، غير أن الذين وقعوا على البيان هم علماء صنعاء فقط في حين غابت أسماء علماء صعدة وعلى رأسهم رئيس الحزب حينها العلامة مجد الدين المؤيدي والعلامة بدر الدين الحوثي ويرى الباحثون أن عدم توقيع بدر الدين الحوثي و المؤيدي على البيان يعني التمسك بأحقية آل البيت في الحكم واعتبار البيان تراجعاً كبيراً عن الإطار الفكري للزيدية[7] .

ويبدو ان ما تضمنته الوثيقة الحوثية التي صدرت مؤخرا من تأكيد على نظرية البطنين وحشرها في أصول العقائد، يؤكد هذه الانتكاسة الفكرية في تاريخ الزيدية. وهذا الإصرار على أهمية تموضع نظرية الإمامية بصورتها التقليدية في المذهب الزيدي، يدفع بعض الباحثين إلى المطالبة بضرورة البلورة الفكرية والفقهية للمذهب الزيدي بعيداً عن النظرية السياسية.

التحولات الفكرية والسياسية ولعبة الاستقطابات الدولية:
مع استقرار النظام الجمهوري في صنعاء في السبعينيات وظهور تحدي المعسكر الشرقي في عدن، واشتعال جبهة المناطق الوسطى بدعم من الجنوب والمعسكر الشرقي، شعر النظام السعودي بحاجته إلى تحسين علاقاته مع الصف الجمهوري بشقيه العسكري والقبلي، وصادف هذا التحول، انتصار الثورة الخمينية الإيرانية عام 1979م وتبلور مشروع تصدير الثورة واحتضان المعسكر الشرقي لهذه الثورة، فساعد جميع ذلك على انتعاش أحلام بقايا النظام الإمامي في إعادة بناء دولتهم، مستفيدين من احتدام صراع الشمال والجنوب وتبلور مشروع داعم جديد يمكن الاستناد عليه في إعادة مشروع الإمامة وقد عبر أحد شعرائهم عن انتعاش هذا الحلم الإمامي بقصيدة شعرية يقول فيها:
ابلغوا فهد والقصور العوانس
إننا سادة أباة أشاوس
سنعيد الإمامة للحكم إما
بثياب النبي أو ثوب ماركس
وإذا خابت الحجاز ونجد
فلنا إخوة كرام بفارس

وفي هذه الفترة سافر حسين بدر الدين الحوثي إلى طهران وكان من لوازم التعاون المشترك بين الطرفين، محاولة التقريب بين الزيدية والاثناعشرية ويؤكد الدكتور أحمد الدغشي أن هذا التقارب تبلور في عقائد فرقة الجارودية الزيدية المتطرفة التي تورطت بتكفير الصحابة وتضليلهم مع تأكيده على أهمية التفريق بين المذهبين و بطلان دعوى التماثل ([9]).

وتشكلت أول نواة للفكر الحوثي في عام 1982م ([10]) وفي نفس الفترة عاد الشيخ مقبل بن هادي الوادعي من السعودية إلى صعدة بعد إبعاده من السعودية إثر اتهامه في المشاركة للترويج لأفكار جهيمان العتيبي، قبل قيام جماعة جهيمان باحتلال المسجد الحرام بثلاثة أشهر، وفي هذه الفترة استقر الشيخ مقبل في دماج مؤسساً مركز دماج العلمي.

الوادعي من الزيدية إلى السلفية:

يرى المحدث مقبل بن هادي الوادعي أن مصطلح متحول من الزيدية، لا يصح إطلاقه على جميع العوام الذين عاشوا في الجغرافيا التي خضعت للسيطرة الزيدية السياسية، مؤكداً أن كلمة زيدي لا يصح أن تطلق إلا على من درسوا المذهب الزيدي ، وأما العامة فهم أتباع من يثقون به( [11] ) ويؤكد الوادعي أنه لم يكن في صغره متحمساً للتمذهب وأنه حاول أن يطلب العلم في جامع الهادي على يد علماء الزيدية، ولكنهم لم يأخذوا على يده وربما حاولوا صرفه عن طلب العلم لأسباب عنصرية، تنطلق من ثقافة التراتب الاجتماعي الذي رسخته الأنظمة الإمامية المتعاقبة خلال قرابة ألف عام. وهذا ما لمحه صاحب كتاب “الإسلامي السياسي في زمن القاعدة” في المبحث الذي خصصه للشيخ الوادعي تحت عنوان” خفايا مسار ايديولوجي: سلفي يمني بين الراديكالية الدينية والإستراتيجية الاجتماعية” وينظر المؤلف إلى الوادعي باعتباره المنظر الرئيس لأكثر اتجاهات الفكر السلفي اليمني والعالمي حَرفية، ويشير الباحث إلى أهمية انتماء الوادعي إلى طبقة اجتماعية دنيا نسبياً-رجل قبيلة- وواقعه الاقتصادي في تحوله الفكري، ويشير الكاتب إلى أن مقبل لم يكن ” ينتمي للأرستقراطية الدينية لسلالة النبي (السادة، الوحيدين الذين يمكنهم أن يطمحوا إلى منصب الإمامة الرفيع)، ولا للأرستقراطية الحقوقية “للقضاة”، مستشاريهم الأساسيين، ولا حتى لأرستقراطية “السيف” التي يشكلها، حتى يومنا هذا، رؤساء القبائل الكبيرة ، قوة الإمامة المسلحة الرئيسة لفترةٍ طويلةٍ” ( [12] ).

ويشير المؤلف إلى اضطرار الوادعي إلى الهجرة الى السعودية تحت ضغط الواقع الاقتصادي، ويؤكد الوادعي في ترجمته لسيرته الذاتية انه عمل في السعودية حارسا لعمارة ووجد وقتاً للقراءة فاستشار أحد الوعاظ على أهم الكتب التي عليه أن يقرأها فأرشده إلى صحيح البخاري ورياض الصالحين وكتب في عقيدة التوحيد، فصادفت هوىً في نفسه لمخالفتها الثقافة السائدة في بلاده، ويروي الوادعي قصة أول عودة له إلى بلاده بعد إيمانه بالمعتقدات الجديدة وكيف أضطر لإظهار توبته علناً يقول: ” وبعد مدَّة من الزمن رجعت إلى بلدي أُنْكِرُ كل ما رأيته يخالف ما في تلك الكتب من الذبح لغير الله، وبناء القباب على الأموات، ونداء الأموات، فبلغ الشيعة ذلك، فأنكروا ما أنا عليه فقائل يقول منهم: من بدَّل دينه فاقتلوه، وآخر يرسل إلى أقربائي ويقول: إن لم تمنعوه فسنسجنه، وبعد ذلك قرروا أن يدخلوني (جامع الهادي) من أجل الدراسة عندهم لإزالة الشبهات التي قد علقت بقلبي، ويُدَنْدِنُ بعضهم بقول الشاعر: عَرَفْتُ هَوَاهَا قَبلَ أن أعرِفَ الهَوَى *** فَصَادَفَ قَلْباً خَالياً فَتَمَكّنَا” وتعكس العبارة الأخيرة الندم الذي شعر به علماء الزيدية لعدم مساعدتهم الوادعي على طلب العلم في جامع الهادي في صغره.

تأثير العنصرية الاجتماعية في شخصية الوادعي:
وبعد هذه المساجلة أجبروه على الدخول إلى جامع الهادي ليتعلم الزيدية، ولكن المنطق العنصري في لغة بعض علمائهم كان يستفزه بشدة وترك هذا المنطق الذي يحمل لغة التعيير له بطبقته الاجتماعية بصمات واضحة في حياته، يروى الوادعي في أحد المواقف التي يؤكد أنه لن ينساها طيلة حياته فيشير إلى خلاف حدث بينه وبين أحد علمائهم عندما نصحه الوادعي بترك التنجيم، فأمر بطرده من الدراسة، فتشفع له البعض وسكت، ويروي كيف كان بعض الطلاب يمرون به ويقولون” (قبيلي صبِّن غِرارة) بمعنى أن التعليم لا يُؤثِّر فيَّه وهو يسكت” ([13] )
ويروي صاحب كتاب الإسلام السياسي معاناة “مقبل” في محاولة غسيل الدماغ التي فُرضت عليه في جامع الهادي يقول الكاتب” لم تكن العزلة والنفي اللذين بدأ يعانيهما إيديولوجيتين فقط، كان لهما بعد اجتماعي صريح وتعبير عن احتقار “السادة” سليلي الرسول له” ويروي الكاتب كيف كان يذكِره أعضاء الارستقراطية الدينية عندما يحاول التمرد، بطبقته الاجتماعية وأنه ليس سوى قبائلي وضيع، ولن يحلم بالخروج من طبقته. وتهكموا قائلين: مهما دعكنا “الممسحة” لن تصبح أبداً بيضاء. ويؤكد الكاتب أن هذا التنبيه الديني والاجتماعي كان مهيناً للغاية لأنه صدر عن هؤلاء الذين يحمون شحوب بشرتهم بمظلات واسعة كيلا يصبحوا كالفلاحين، لقد دوّن مقبل في سيرة حياته:سأذكر ذلك طيلة حياتي” ([14]) ومن يلاحظ اليوم جميع محاضرات وخطب الوادعي يلحظ كثرة ترديد الوادعي لكلمة ” ممسحة” حين يشتم أي شخصية علمية يختلف معها، مما يؤكد استغوار هذه الإهانة لأعماقه، بل إن هذه الإهانات تعطينا تفسيراً نفسياً لأسرار قسوة الوادعي و سلاطة لسانه على مخالفيه و تعمده إهانتهم.

دور تأسيس مركز دماج في بلورة الظاهرة الحوثية
الاستعرض السابق لسيرة الوادعي يشير إلى طبيعة التحدي الذي فرضته ايديولوجيا التعصب المذهبي الزيدي في جامع الهادي على نفسية الشيخ الوادعي، إذ كان لابد أن يعود الوادعي إلى صعدة ليثبت لمخالفيه أنه ليس ذلك الممسحة القبيلي الذي لايمكن ان يستوعب العلم، بل إنه قادر على منافستهم والتفوق عليهم، فعاد في منتصف السبعينيات وحاول الترويج لأفكاره في جامع الهادي نفسه، فحدثت أول مواجهة علنية له مع علماء الزيدية وتطورت إلى اشتباك بالأيدي ويؤكد الوادعي أنهم حاولوا قتله،لولا تدخل أبناء قبيلته” وادعة” في الدفاع عنه، وتدخلت السلطات الأمنية وألقت القبض عليه مع عدد ممن اشتبك معهم وإيداعهم السجن.

و يذهب بعض الباحثين إلى أن تأسيس الشيخ مقبل الوادعي لمركز دماج كان من أهم العوامل الأساسية لانشاء المراكز العلمية التابعة لمنتدى الشباب المؤمن، ويؤكد صاحب كتاب ” الظاهرة الحوثية” أن إنشاء هذه المراكز كان ردا عملياً “على التحدّي الذي شكّله قيام مركز (دماج) السلفي التقليدي في مديرية وادعة القريبة من مدينة صعدة، بإدارة الشيخ الراحل مقبل بن هادي الوادعي (ت:1422هـ-2001م): رأس الدعوة السلفية في اليمن، مع ما يُعلم تاريخياً من كون منطقة صعدة تمثّل كرسي الزيدية الهادوية في اليمن”( [15]) ويؤكد الكاتب أن الشيخ الوادعي “رفع راية الحملة ضد الزيدية والشيعة المذهبية بصورة عامة مما قاد خصومه هنالك إلى رد فعل زيدي عنيف لمواجهته تمثل بعضها لاحقاً في تأسيس ما عرف بمنتديات الشباب المؤمن بعد ان كانت جبهة المواجهة هذه غير قائمة – على ذلك النحو على مدى نحو عقدين من الزمن أي منذ الإعلان عن الثورة اليمنية في 1962م بعيد عودته من العربية السعودية في أواخر الثمانينات الميلادية” ([16] ).

وساهم هذا التهديد السلفي في بلورة ما يسميه البعض بالزيدية الاحيائية التي قامت على أساس استشعار خطورة ضياع الهوية الزيدية أمام الدعوة الوهابية([17>). وينسب تقرير الأزمات الدولية إلى يحيى الحوثي قوله” إن دافعنا الأساسي للعمل هو مكافحة الوهابية، مشيراً إلى وجود حروب فكرية وثقافية من بداية الثورة، وأن الحكومة تنشد مساعدات اقتصادية من السعودية، وهي تساند انتشار الوهابية في سبيل ذلك” ( [18]).

و لعل في ذلك ما يبرر الدعم الذي كان يتلقاه مركز دماج من نظام صالح ، وثمة من يرى أن الدعم الحكومي لمركز دماج لم يكن يستهدف الزيدية قدر استهدافه للإخوان الخصم السياسي الأبرز لنظام صالح يقول صاحب كتاب الإسلام السياسي ” إن راديكالية السلفيين المذهبية ضد الإخوان المعارضين لنظام علي عبد الله صالح هي، جزئياً على الأقل ، نتاج تهاون السلطة المتسامحة. و باعتبار أن السلفيين هم بشكلٍ واضحٍ أقل انخراطاً من الإخوان في ديناميكية التحديث السياسي، لا يخلو مثل هذا الدعم، الذي له ما يماثله في العديد من بلدان المنطقة، من الواقعية والاستخفاف”([19]).

وفي المقابل تم تسويق الدعم لمنتدى الشباب المؤمن- نواة الحركة الحوثية- لذات الغرض وفي هذه العلاقة بعض ما يفسر عدم الصدام بين الطرفين طيلة فترة الحروب الستة بين الحوثيين و نظام صالح، واشتعال هذا الصدام مع تهاوي نظام صالح تحت ضربات الثورة الشعبية في 2011م. بيد أن دراسات أخرى تؤكد أن الحوثيين تلقوا الدعم من الحكومة لغرض مواجهة السلفية السعودية، وينسب تقرير الأزمات الدولية إلى مسؤول رفيع في الحزب الحاكم حينها، تأكيده أن جماعة الشباب المؤمن تلقوا الدعم من الحكومة لهذا الغرض، وأن الحكومة تنبهت إلى خطورة انتشار الوهابية،فقامت في الثمانينات والتسعينات بدعم المجموعات الزيدية ومن ضمنها الحوثية،بيد أنها فشلت في السيطرة على برامج هذه المجموعات، وأكدت مجموعة الأزمات أنها تواصلت هاتفياً بالقيادة الحوثية للتأكد من هذه المعلومات، فنفى الحوثيون تلقيهم أي دعم من الحكومة.

العلاقة بين السلفيين و الحوثيين
أثناء الحروب الستة:
تشير جميع الدلائل أن السلفيين عامة وسلفيين دماج كانوا حريصين على عدم التورط العملي في الحروب الستة، وكانوا يحرصون على تغليف مواقفهم في تأييد النظام بطاعة ولي الأمر وشرعية قتال من يخرج عليه، ورغم حرص النظام على استدراجهم إلى الحرب، وإرساله لبعض العناصر الأمنية التي تحاول التحرش بالحوثيين إلا أن الجانبين كانا يدركان أبعاد هذه المحاولات ويرفضان الانجرار إلى الصراع المباشر.

ولم يتهمهم الحوثيون بالمشاركة الفعلية في الصراع خلال هذه الحروب، مقتصرين على اتهامهم بتوفير الغطاء الديني لهذه الحروب، كما أكد ذلك البيان الصادر عن مكتبهم الإعلامي الذي جاء رداً على مؤتمر السلفيين في تاريخ 30 نوفمبر 2011م . والذي تضمن إدانة الدعوات والممارسات الطائفية وكل ما من شأنه إثارة الفتنة والفرقة بين أبناء الشعب اليمني وأعلن البيان الصادر عن مكتب الحوثي تثمينه لهذا الموقف وتأكيده في ذات الوقت: أن “من يمارس النشاط الطائفي ويدعوا له ويحرض على الفتنة المذهبية والطائفية وينشر فتاوى التكفير ضد كل من يخالفهم في الرأي أو في الفكر هم أصحاب مركز دماج ومن يقف خلفهم ويبررون قتل الناس تحت دعاوى أنهم روافض جائز قتلهم” ([20] ).
والبيان يكشف بعض أسباب جوانب الصراع والتي تمثلت -حسب البيان- باستغلال السلفيين للعدوان وسيطرة طلاب دماج على بعض المساجد التي أشار البيان إلى استرجاع الحوثي لها بعد قيام الثورة الشعبية على النظام.

ويشير تقرير مجموعة الأزمات إلى تورط بعض القيادات السنية في التحريض الطائفي على الحوثيين، ويشير التقرير إلى خطورة هذا التحريض في تهديد التقارب بين الهويات الطائفية مشيراً إلى عدة مقالات نشرتها مجلة المنتدى السلفية، وتطرق التقرير إلى عبارة لرئيس جمعية الحكمة في أحد أعداد المجلة يقول فيها” إن كان للقوات المسلحة دور كبير في استئصال الفتنة الحوثية، فإن على القوى الفكرية استئصال جذورها”([21] )، وفي هذا السياق أشار التقرير إلى تأسيس مفكرين اسلاميين لمراكز تستهدف التحريض على الحوثيين([22] ).

قضية دماج والثورة الشعبية:
لا يمكن عزل تصاعد الصراع في منطقة دماج عن التداعيات السياسية والأمنية الناجمة عن تطورات الثورة الشعبية وما نجم عنها من انقسام المؤسسة العسكرية، الأمر الذي شجع طموحات مشاريع التسلط المذهبي على المجتمع بقوة السلاح، وبدأت عمليات التوسع الحوثية في المحيط الجغرافي لصعدة والجوف وحجة ومناطق من عمران، والاصطدام بأبناء هذه المناطق، وفي حين كان خصوم الحوثيين يؤكدون وجود اتفاقيات سرية بين النظام والحوثيين لتمكينهم من السيطرة على مناطق شمال الشمال بهدف إرباك الصف الثوري، غير أن مقربين من الجماعة الحوثية ينفون هذه الاتهامات ويؤكدون أنهم يتعاملون مع الحزب الحاكم باعتباره تركة الرجل المريض التي يجب أن يحصلوا منها على أكبر حصة.

وفي سياق العمليات التوسعية للحوثيين، ومع تهاوي النظام بدأ الحوثيون في التخطيط لتضييق الخناق على مركز دماج وفرضوا سيطرتهم على عدد من المساجد التي كانت تحت سيطرة السلفيين، وأقاموا عدداً من النقاط الأمنية في محيط منطقة دماج. ويبدو للمتابع أنهم كانوا في انتظار أي فرصة للهجوم على المركز، وأن هذا التوجس عند أصحاب المركز دفعهم إلى أخذ حيطتهم واقتناء أسلحة بغرض الدفاع عن أنفسهم، واشتعل الصراع بعد عملية اعتداء على أحد الحوثيين ومحاولة السلفيين التحكيم ومناشدتهم للمحافظ بالتدخل لحل المشكلة، فلم يجدوا تجاوباً، وهاجم الحوثييون المركز، وأطبقوا الحصار على المنطقة[23].

وبالنظر إلى حجم الحادث الذي تطورت المشكلة على إثره، يبدو واضحاً،سهولة استيعاب المشكلة طالما أن الطرف المعتدي كان مستعداً للتحكيم، مما يؤكد أن السبب الأساسي وراء العنف الحوثي في التعامل مع القضية له أبعاد أخرى، يفرضها غرور تجربتهم في استخدام القوة في الدفاع عن أنفسهم في الحروب السابقة وشعورهم بضرورة استغلال الثورة وتهاوي النظام؛ للتوسع وتأديب بعض خصومهم.ويمكن الاستدلال على هذا بالاستنتاج الذي توصل إليه تقرير لجنة المنظمات الحقوقية، حين أشار إلى: أن “أسباب الصراع المسلح الناشب في دماج، التي أوردها الطرفان، غير كافية ومبررة لخوض هذا الصراع، حيث كان بإمكانهما إتباع سبل سلمية سريعة لمعالجة نقاط الخلاف” ([24] ).

الأبعاد الإقليمية و الدولية للقضية:
ساهمت الطبيعة الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية لمحافظة صعدة والمحيط المجاور، بتحويلها إلى ميدان حروب دولية تدار بالوكالة بأيدي محلية ونكتفي بالاستعراض السريع لتاريخ هذه الحروب في تاريخنا القريب من بداية القرن العشرين، إذ تشير الوقائع إلى أن هذه المنطقة شهدت حروباً طاحنة بالوكالة وبالتدخل المباشر بين الأتراك والبريطانيين والايطاليين في بداية القرن المنصرم، ونستطيع أن نلمس بوضوح هذا الاستعداد للتحول إلى أدوات حروب بالوكالة في صفحات كتاب«ملوك شبه الجزيرة العربية» الذي ألفه المعتمد البريطاني في جنوب اليمن كولونيل، هارولد عام 1923م باللغة الإنجليزية وترجمه السفير الراحل أحمد المضواحي، وأشار فيه المؤلف إلى الدور البريطاني الكبير في تحريض العشائر العربية في الجزيرة العربية على الاستقلال عن العثمانيين، ومحاربتهم. ويشير الكتاب إلى الدعم البريطاني الذي قدمه الاستعمار للأشراف في الأردن وآل سعود في نجد والأدارسة وآل حميد الدين في اليمن وجنوب مكة و غيرهم من القبائل في شمال اليمن والسلاطين في الجنوب.

ويوضح المعتمد البريطاني كيف كان يتهالك زعماء القبائل وراء الذهب وأشار إلى وثيقة أرسلها سلطان يافع إلى الإمام تؤكد أن الإنجليز يشترون العرب بالذهب وأن العرب لا يستطيعون مقاومة الرشوة وأشار المعتمد البريطاني إلى رسالة وصلتهم من أحد مشايخ مأرب يطلب ضم اسمه إلى قائمة المشايخ الذين يستلمون المرتبات من بريطانيا ليقف مع بريطانيا في مواجهة الإمام الزيدي.

ويوضح الكتاب كيف اعتادت القبائل اليمنية والعربية على الارتزاق من الحرب بين الأتراك والإمام، وكيف كانت تقبض من الجانبين وكانت تعتقد بخطورة التصالح معتمدة على المثل القائل«إذا وقعت الشريمان شريما واحدا فترت العرب»( [25] ). وهذه الإشارة تؤكد وجود مشكلة أساسية في البنية الاجتماعية والاقتصادية ينتج عنها استعداد الكثير من المكونات الاجتماعية للدخول في أي حرب بناء على قدرة الأطراف المتصارعة على العطاء، و استثمار أي صراع بين جبهتين كفرصة للاستفادة من الطرفين، وعلى ضوء هذه القاعدة يمكن قراءة قدرة الصف القبلي الجمهوري والصف القبلي الملكي بعد ثورة سبتمبر، على استجلاب الحرب بين المعسكرين الشرقي والغربي إلى الدخول في حرب بالوكالة شارك فيها الاتحاد السوفيتي بواسطة مصر ويتدخل فيها الطيران السوفيتي والسوري والجزائري وكذا المعسكر الأمريكي السعودي الداعم للملكية الزيدية حينها. وبعد تحولات الصراع التي سبق الإشارة إليها في مطلع هذه الدراسة وانتقال التيار الإمامي من المعسكر الأمريكي إلى المعسكر الإيراني الروسي، تبلورت جماعة الشعار- الموت لأمريكا- في محاولة واضحة لجر أطراف الصراع الدولي إلى اليمن واستجلاب الدعم، فضلاً عن محاولة الدفاع عن الهوية المذهبية في مواجهة السلفية التي ارتبطت بالدعوة الوهابية السعودية.

وتوفرت مبررات هذا التحول بعد أن أصبح التنافس بين إيران والرياض المحرك الأساسي للحروب الإقليمية بعد حروب الخليج الأولى والثانية وتطورات الصراع العربي الإسرائيلي وعلاقته بلبنان وسوريا، وعلى ضوء هذه المعطيات ” أصبحت حرب صعدة، ببعدها السني/الشيعي الكامن والمُضلِّل في آن معاً، جزءاً من رواية التنافس الجيوسياسي والطائفي. وقد بحثت أطراف أخرى كذلك لنفسها عن دور تلعبه؛ عام 2007 واضطلعت قطر بجهود وساطة يرى معظم المحللين أن السعودية ساعدت بإفشالها في نهاية المطاف([26]).

وكنا قد أشرنا في مقدمة هذه التناولة إلى هجرة الوالد المؤسس أو الزعيم الروحي للحركة العلامة بدر الدين الحوثي إلى إيران، ومع عدم توفر معلومات واضحة حول الدور الايراني الرسمي في دعم الحركة الحوثية وتناقض التصريحات الرسمية حول هذا الدعم وحول الدعم الخارجي بصفة عامة، فإن المؤكد هو وجود علاقة تعاونية بين الحركة وبين الحوزات العلمية في إيران، وهذا ما يؤكده أحد الدبلوماسيين الغربيين في قوله«ليس هناك من أدلة واضحة على تورط إيراني، لكن هناك إشارات عن دور تلعبه المؤسسات الخيرية الإيرانية. وإجمالاً»( [27]) ويمكن لهذا المعطى أن يتغير إذا كشفت المعلومات المتعلقة بخلية التجسس الايرانية أشياء أخرى، وفي سياق الحديث عن العلاقات الإيرانية بالحوثيين يجب النظر الى الاتهامات الحوثيية للنظام بأنه يدير حرباً عليهم بالوكالة عن أمريكا و السعودية وبتحريض منها وينقل تقرير مجموعات الأزمات عن عالم دين زيدي قوله «المملكة العربية السعودية تخشى الهاشميين. إنهم الفئة الوحيدة القادرة على التنافس مباشرة مع الأسرة السعودية الحاكمة»( [28] ). و المتأمل في تصريحات رموز النظام السابق المتناقضة وعلى رأسهم الرئيس علي عبدالله صالح حول تلقي الحوثيين الدعم من إيران لمواجهة السعودية حين يقارنها بتصريحات الحوثيين حول تلقي النظام الدعم من السعودية لمواجهة الحوثيين، يمكنه ان يستنتج أن كلا الطرفين يحاولان من خلال تضخيم الدور الاقليمي استجداء الدعم وتسويق أنفسهم بطريقة رخيصة بهدف ابتزاز المحيط الإقليمي في ظل حالة الاستقطاب الطائفي المتنامي على حساب أمن واستقرار البلد وفي سبيل خدمة المشاريع الضيقة، ولهذا يبالغ الطرفان في تضخيم الخطر الذي يتعرضان له في سياق هذه المعادلة، فيعمد الحوثويون إلى تضخيم خطر الوهابية السلفية ووصف الدعوة السلفية في دماج والمناطق الزيدية بالمؤامرة الخطيرة التي تستهدف القضاء على الهوية الزيدية، وفي ذات السياق يعمد الطرف الأخر الى تضخيم الخطر الحوثي بوصفه امتداداً لمشروع التشيع الايراني الهادف الى القضاء على أهل السنة في اليمن.

ولأن كل من النظام حينها والحوثيين، استمرأ لعبة تحويل أنفسهما إلى أدوات في إطار لعبة الاستقطاب الإقليمي الطائفي، فإن قيام الثورة الشعبية ضد النظام في 2011م أثار مخاوف الحوثيين من إمكانية إفضاء نجاح الثورة في ترسيخ الهوية السياسية لليمن على أسس ديمقراطية صحيحة إلى افتقاد الحركة للفزاعة التي كانت تستفيد منها في لعبة الاستقطاب الطائفي باعتبارها أقلية تتعرض للاضطهاد من نظام عائلي فاسد ومرتهن للمحيط الإقليمي والدولي، مما يجعل الحوثيين يعتقدون أن بناء دولة على أسس صحيحة سيفقدهما مبررات البقاء وسيساهم في محاصرة البيئة التي كانت خصبة للاستقطاب ومن هنا لجأ الحوثيون إلى محاولة جرجرة حزب الاصلاح أو القبائل المحسوبة عليه إلى حرب أهلية، والتحرش مؤخرا بالسلفية التقليدية وادخالها في دوامة صراع مذهبي قتالي يفضي إلى تدخل القبائل السنية والزيدية في المناطق المجاورة وتوسيع رقعة المواجهات وايجاد مبررات جديدة للتجنيد والاستقطاب بعد سقوط مبرر استهدافهم كأقلية”([29]).

كلمة أخيرة:
ساهم انسداد آفاق التغيير السلمي،أو تراجع الهامش الديمقراطي في اليمن في السنوات الأخيرة من سنوات نظام صالح، بصورة كبيرة في تحويل خيارات العنف الديني إلى خيارات جذابة، فضلاً عن دور هذا التراجع في تحويل لغة تنظيم القاعدة والجماعة الحوثية، إلى لغة قادرة على الإقناع للشباب المتدين في مجتمع يمتلك السلاح، وتتفشى فيه الأمية ويعشش في ربوعه الفقر، وستظل ثلاثية السلاح والفقر والأمية عاملاً خطيرا في تجنيد الكثير من أبناء المجتمع كأدوات رخيصة للجماعات المتقاتلة، في مشاريع العنف الطائفي. ومع تهاوي العملة المحلية فإن الريالين السعودي والإيراني سيلعبان دوراً خطيراً في تأزيم الصراع الطائفي و تجنيد المقاتلين وتجييش الأقلام لتغذية هذا الصراع بما يضمن تهيئة اليمن لحروب بالوكالة في سياق الصراع الإقليمي الطائفي.

وما تفرضه المسؤولية الإنسانية الوطنية والدينية هو تضافر الجهود لمساعدة الحوثيين على الاندماج السياسية والتخلي عن مشروع فرض التسلط المذهبي على المجتمع بقوة السلاح والتحرر من أوهام بناء الإمارات المذهبية التي تحولت مشاريع ملهمة لجماعة القاعدة في مناطق أخرى من الوطن.

ومن الخطأ الكارثي ان تتورط بعض النخب المثقفة في التعامل مع ظاهرة بناء الإمارات وفرض التسلط المذهبي القاعدي والحوثي بقوة السلاح بمعايير مزدوجة. ومحاولة محاباة طرف من الظاهرة لأن الغضب الأمريكي عليه أقل من الأخر، أو تدعيم هذا الطرف نكاية بتوجهات دينية اندمجت في العملية السياسية الديمقراطية المدنية.

يجب أن نعترف أن سياسات النظام التدميرية وضعتنا اليوم أمام تحدٍ خطير لا ينبغي التعامل معه بروح مذهبية طائفية ولا بمنطق الحسابات الضيقة ولا بالمعايير التي تفرضها أجندة الدعم المتدفق من السفارات السنية والشيعية والأمريكية.

لم يعد مجدياُ الاكتفاء بالإشارة إلى دور سياسات النظام السابق في إيجاد هذه الظاهرة، فضلا عن كون الحديث عن دور سياسات النظام في تهيئة المناخات الخاصة لنمو هذه الظاهرة لا يعني تجاهل الأسباب الخاصة الداخلية والخارجية التي ساهمت بإيجاد الظاهرة.

أصبحنا اليوم أمام أمر واقع يجب أن نتعامل مع تحدياته بمسؤولية وطنية وإنسانية قبل أن تلتهم أنياب الصراع الطائفي تفاحة ربيع الثورة ونصبح بدون وطن.