السلفية في اليمن.. من الدعوة إلى الحزب (5)

بحسب مصدر مسئول في حركة النهضة في الجنوب- تردّد في السماح بذكر اسمه لصاحب هذه الدراسة – فإن إعلان حركة النهضة في الجنوب أعلن عنه رسمياً في 4 مارس / آذار 2011م، باسم حركة شباب النهضة ابتداءً، ثمّ تحول (الشباب) إلى قطاع في الحركة، وصار الإبقاء على اسم الحركة على نحو عام..

وبذلك يمكن استنتاج أن الإعلان عن الحركة لم يأت كرد ّفعل مباشر للخلاف مع اتحاد الرشاد السلفي -كما يعتقد البعض، وإن كان من الواضح أنّ ذلك عمّق الاتجاه أكثر نحو الاستقلال بالحركة والانفصال عن الاتحاد – بل تزامن مع انطلاقة ربيع الثورة اليمنية في الشمال والجنوب، ولذلك جاءت الأهداف متناغمة مع لحن الثورة وأنشودتها المتمثلة في التحرّر من الاستبداد، والتوق نحو التحرّر والانعتاق وإن كان مفهوم ذلك لدى بعض أبناء الجنوب – ومنهم حركة النهضة- مختلفاً عن الاتجاه الغالب في البلاد شمالاً وجنوباً. وقد سبقت الإشارة إلى أن ثمّة احتجاجاً سلفياً متعدّد الوجوه سبق إعلان الملتقى السلفي العام الذي انبثق عنه الإعلان عن اتحاد الرشاد، غير أن ما أعقب الإعلان عن الاتحاد كان أكثر جلبة ونزاعاً في الإطار السلفي بكل فصائله، ومن هنا فإن بعض ممثلي الجنوب من المنتمين في أغلبيتهم إلى إطار جمعية الإحسان، لم يرق لهم خطاب الاتحاد، واتهموا اللجنة التحضيرية بعدم إيلاء القضية الجنوبية ما تستأهله من الاهتمام وتقديم المعالجة الجادة. بل صرّح السيّد صالح يسلم قدار رئيس حركة النهضة السلفية الجنوبية في يافع وأبين أن أبرز خلاف مع اتحاد الرشاد السلفي هو الموقف من القضية الجنوبية، حيث يرى موقف الرشاد غير مختلف عن موقف النظام السابق ( حوار مع رئيس حركة النهضة السلفية الجنوبية في يافع وأبين، صحيفة أخبار اليوم (اليمنية)(حاوره: نايف زين)، 21 حزيران/يونيو 2012م).

وقد سبق هؤلاء إلى مثل هذا المسلك بسنوات الشيخ حسين عمر محفوظ بن شعيب بعض أبرز الوجوه السلفية التي كانت تنضوي يوماً في إطار جمعية الحكمة بصنعاء، ولكنه آثر – فيما يبدو- بعد انتقاله إلى عدن العمل المستقل ولكن في إطار الاتجاه الفكري السلفي، وعلى خلفية المعاناة التي لاقاها من النظام السياسي في صنعاء بتهمة الارتباط بجماعات عنف، فيظهر أنّه أراد الانتقام من الجميع حيث غدا أشهر خطيب للحراك الجنوبي الانفصالي وداعية باسم (الشرع) للانفصال الذي يقوده علي سالم البيض.

وحيث لم تعمل الحركة – حتى الآن- على توفير المصادر والأدبيات المتعارف عليها لحصول الباحثين وسواهم على أبرز الأفكار والمعالم المميزة لخط الحركة، ورغم وعد المصدر المسئول المشار إليه آنفاً بموافاة صاحب الدراسة بكل ما صدر عنها، غير أن ذلك لم يتحقق – حتى كتابة هذه السطور بعد أيام من ذلك الموعد- فليس أمام الباحث – ولو مؤقتاً- سوى الاعتماد على تصريح المصدر المسئول ذاته، حيث يلخّص أهداف الحركة في الأهداف الرئيسة التالية:

التجديد في الفكر السلفي ( أي الانتقال به من الخيري إلى العمل العام ومنه السياسي والثوري).
تبني الخيار الثوري السلمي بهدف إسقاط النظام (السابق) ومنظومته الاستبدادية العسكرية والقبلية وشبكة الفساد .

تبني القضية الجنوبية مع رفع خيار الدولة المدنية بمفهومها الإسلامي.

وواضح مدى النزعة (التجديدية) التي يتسم بها الخطاب النهضوي النظري هنالك، بل يمكن وصف ذلك بالتمرّد على الخطاب السلفي العام بكل فصائله، خاصة إذا ركّزنا على عدم تحرّجه من المناداة بـ( الدولة المدنية) وإن شدّد على مفهومها الإسلامي، لكن المفارقة هنا أنّه رغم حرصه على أنه رغم ذلك يصرّ على الوصف بـ(الحركة) ويبدي تحرّجه من الوصف بـ(الحزب)! وفي حوار صحفي (الكتروني) مع الأمين العام المساعد للحركة الناطق الرسمي باسمها السيّد علي الأحمدي في 25 مارس 2012م، ورد فيه التأكيد على استبعاد أن تتحول الحركة إلى حزب سياسي على غرار حزب الرشاد في المرحلة الراهنة!

وفيما يتصل بخطاب الحركة نحو ما يُعرف بـ( القضية الجنوبية)، أكّد الأحمدي في حواره على خيار الانفصال عن الدولة المركزية في الشمال، مشيراً إلى مشاركة حركته في حوار القاهرة مع كبرى الفصائل الجنوبية المعروفة بـ(الحراك الجنوبي) بشأن الموقف من الوحدة اليمنية، وبرأيه أن مسألتي الوحدة أو الانفصال أمر خاضع لمقياس المصالح والمفاسد، ولا علاقة لها بالفتوى. ويتحدث في شأن الوحدة بمفردات الحراك الانفصالي ( الضم – الإلحاق – الفيد)، مصرّحاً بأن الوحدة اليمنية الاندماجية التي تمت في 1990م انتهت في حرب 1994م، كما يقرّ بتسمية الجنوب العربي للمحافظات الجنوبية، ولكنه لاينفي يمنيته كما ينادي بذلك بعض متطرفي الحراك الانفصالي الجنوبي، ويعد اليمنية في إطار الجنوبية( يمني ولكن جنوبي). وعن الموقف من مؤتمر الحوار الوطني أرجع الأحمدي ذلك إلى تفاهم الفصائل الجنوبية، وذلك على خلاف تصريح رئيس الحركة السيّد صالح يسلم قدار الذي رحب بفكرة الحوار الوطني ولكنه اشترط أن يكون برعاية دولية بين طرفين (شمالي وجنوبي)( راجع: حوار رئيس حركة النهضة في الجنوب، مرجع سابق). وحين سئل الأحمدي عن التدخل الإيراني في الجنوب، أبدى تخوفه من أيّ تدخل إيراني في الجنوب لكنه أعرب عن تشككه في أخبار من هذا القبيل يراد بها تشويه نضال أبناء الجنوب، وقال :” نسمع جعجعة ولا نرى شيعة”.

وصرّح بإيمانه بالديمقراطية، داعياً كل طائفة أن تشكّل لها حزباً، مرادفاً بين التهديد بالصوملة و(اليمننة).

أما عن وجود الحركة الجغرافي والاجتماعي فيقول الأحمدي إن للحركة فروعاً ستة، لكنها لاتزال منحصرة في عدن وما جاورها، ولعله يشير بذلك إلى (لحج وأبين ويافع والضالع)، وأقرّ بأن الحركة لم تصل الحركة بعد إلى حضرموت، لكنه وعد بتحقيق ذلك في المستقبل القريب. أما أولوية الحركة فبحسب الأحمدي ستعمل على توسيع قاعدتها، وإعادة هيكلتها، إلى جانب التنسيق الحثيث مع بقية الفصائل الجنوبية تجاه الاستحقاقات المرتقبة (راجع: حوار الأمين العام المساعد لحركة النهضة في الجنوب والناطق باسمها علي الأحمدي مع صفحة عدن تجمعنا، 25آذار/ مارس 2012م).

وفي ضوء ما تقدّم من الواضح أن جمعية الإحسان وبضمنها اتحاد الرشاد سيواجهان تحدّيات عدّة في المستقبل القريب والمتوسّط، لاسيما في المحافظات الجنوبية، وما لم يفلح مؤتمر الحوار الوطني في امتصاص غضب الشارع الجنوبي، وبضمنه حركة النهضة السلفية هناك، ويقدّم معالجات حقيقية وجادة عاجلة فإن كل الجهود التي بنتها الجمعية عبر العقدين الماضيين ستذهب هباء، وسيشكّل الانفصال- لاقدّر الله– كابوساً مزعجاً، سواء على مستوى جمعية الإحسان أم الحكمة أم على مستوى العمل الإسلامي بصورة عامة .

خلاصة:

وحاصل القول بأن أهم مايميز القوى السلفية في علاقاتها مع القوى الخارجية هو التراوح بين التبعية السياسية لأنظمة شهيرة في المنطقة عبر شخصيات (دينية) تقليدية مقرّبة من صانع القرار هنالك، كحال السلفية الماضوية وما يدور في فلكها على نحو مباشر أو غير مباشر، وبين التأثر الفكري والمسلك العملي باستثناء التبريز في الممارسة السياسية لجمعيات خيرية خارجية كحال جمعية الحكمة اليمانية الخيرية، وبين التأثر الفكري والسياسي بأحزاب وجماعات وشخصيات خارجية كحال جمعية الإحسان الخيرية، واتحاد الرشاد السلفي تبعاً لها. ولذلك تأثيره على عملية التحوّل السياسي التي تشهدها اليمن، حيث يسهم بعضها في محاولة إعاقته كحال السلفية الماضوية، نظراً لارتباطها بجهات إقليمية لاتخفي تحفظها إن لم يكن انزعاجها من عملية التحول تلك. وإذا استثنينا – ويصعب الاستثناء العملي هنا بما لايخلو من تجوّز- بعض الشخصيات القيادية ذات التأثير في مسار جمعية الحكمة اليمانية ورسم خارطة حركتها وتفاعلها؛ فإن اتجاه أغلب أفرادها كان ولايزال مع عملية التحوّل السياسي في البلاد.

أمّا خيار جمعية الإحسان فلم يدع مجالاً للشك بأنه مع عملية التحوّل تلك، ووجود فرد أو بعض أفراد محدودي التأثير على مسار الجمعية لايغيّر من سلامة ذلك الاستنتاج. ولاشك أن لذلك التباين في الموقف من عملية التحوّل الكلية في البلاد تأثيره السلبي في علاقة كل جماعة من تلك الجماعات ببعضها، حيث أسهم في تشرذمها، وتبادل الاتهامات بين أطرافها. ولقد كان يردّد الراحل الشيخ مقبل بن هادي الوادعي لخصومه من جمعية الحكمة بأنه قد اشتراهم عبد الرحمن عبد الخالق بدنانيره، فيرد عليه الشيخ محمّد المهدي بأنه قد اشترى فصيل الشيخ الوادعي ربيع بن هادي المدخلي بريالاته! كما أحدث ذلك تأثيراً يتراوح بين الإيجابية والسلبية، فيما يتعلق بالقوى السياسية الأخرى على الساحة الوطنية، فمن من زاوية الإيجابية دفع ذلك بعض تلك القوى إلى التأثر الإيجابي بما جرى ويجري في بعض دول الربيع العربي كحال اتحاد الرشاد السلفي -على سبيل المثال- الذي لم يخف إعجابه وتأثره بحزب النور السلفي في مصر، وهو ما دفعه لإعلان حزب سياسي غدا مسجّلاً ضمن قيد الأحزاب السياسية اليمنية. أمّا التأثير السلبي فيتمثل في علاقة بعض تلك القوى السلفية بالقوى السياسية الأخرى، من حيث إصرار خطاب السلفية الماضوية وما في حكمها على البقاء في خانة التثبيط والتخذيل لمسار الثورة والاصطفاف مع النظام السياسي السابق، ضد خصومه من شباب الثورة، والأحزاب السياسية المناصرة لها( أحزاب اللقاء المشترك).

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية