حضرموت.. الهوية المفترى عليها

حضرموت.. الهوية المفترى عليها

من المعروف اليوم أن ” الهوية الوطنية ” للدولة الحديثة يمكن أن تصنع بوسائل متعددة، ويمكنها ان تترسخ في وجدان شعب ما لتمثل في آخر المطاف هويته الوطنية التي ينتمي اليها وتعبر عنه ويعبر عنها في المقابل. ولدينا على المستوى العربي حالات عديدة ناجحة صنعت فيها ” هويات وطنية ” من لا شئ..

فترعرعت وكبرت وتجذرت في حضن الدولة حتى باتت هوية لهذا الشعب العربي أو ذاك خلال مرحلة زمنية محددة، في حين أن هذه الهوية لم يكن لها وجود قبل نشؤ دولتها التي صنعتها بوسائل العصر الحديث. ولا اعتقد انني بحاجة للحديث عن امثلة لهذه النوعية الناجحة من الهويات، لأن امامنا نماذج حية لها تشخص امامنا جلية في أغلبية الدول عربية.

وفي المرحلة المباشرة التي تلت نيل الاستقلال في الجنوب، اجتمع الذين امسكوا بالسلطة ” منفردين ” في اجتماع لهم لمناقشة اسم الدولة وهويتها في الجنوب !.. ومع وجود تيارات قومية جارفة في تلك المرحلة تسعى للوحدة العربية بشكل عام وتقدس مفهومها حتى العبادة.. ومع وجود عناصر قيادية من ” الجمهورية العربية اليمنية ” في تنظيم الجبهة القومية رجح هؤلاء كفة تسمية الدولة بمسمى ” جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية “.. في حين أن تسمية الدولة بمسى ” جمهورية الجنوب العربي الشعبية ” .. أو ” جمهورية حضرموت الشعبية ” على سبيل المثال، ما كان له أن يكون ” عائقا ” أمام أحلام الوحدة الوردية بمفهومها الأصيل على الصعيد الأيدلوجي أو على صعيد التجسيد الواقعي لها في لحظة الاقتراب منها بجدية.

لكنني اعتقد جازما، أن اختيار تلك التسمية أي ” جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية ” انما كان الغرض منه فتح طريق واحد فقط لمفهوم الوحدة، وهو مفهوم الوحدة اليمنية، والذي ينتهي بنا إلى ” صنعاء ” أو إلى هذه ( الوحدة – النكبة ) أو ” الوحلة ” كما يطلق عليها حاليا على المستوى الجماهيري في الجنوب !.. اي ان طريق وحدة الضم والالحاق الذي ينتهي بمحطة الاحتلال وهي المرحلة التي يعشها الجنوب حاليا، كانت معدة سلفا ومخطط لها بدقة، وكانت اولى خطواتها الصاق ” هوية اليمن “.. كهوية سياسية بتلك الدولة الوليدة كختم لا يسمح بعد ذلك لمفهوم الوحدة ان يسلك طريقا آخر خلاف الطريق إلى ” صنعاء “.. وقد كان ذلك مع الأسف الشديد بالطريقة التي شاهدناها وعايشناها وعاصرنا ولازلنا ندفع ثمن الافتكاك منها غاليا وباهضا وعالي الكلفة حتى يومنا هذا.

فلو قدر للقومين حتى بتيار اليسار بينهم في تلك المرحلة تسمية الدولة بحضرموت، لكان وضعنا اليوم حتى في ظل الوحدة مع صنعاء ولو بنفس الطريقة التي تمت بها ايسر الف مرة من الناحية القانونية للمطالبة بفك الارتباط منها والاستقلال ! على اعتبار ان الجنوب في هذه الحالة سوف يتجاوز ” خديعة ” تحويل المسى الجغرافي إلى هوية سياسية لدولته كما حدث.

شخصيا كان – ولازال – لي رأي عبرت عنه في لقاءات عديدة مع اصدقاء في اكثر من مناسبة فيما يخص تسمية الدولة الجنوبية القادمة انشاء الله، وكان لي تعاطف كبير جدا مع ” الهوية الحضرمية “.. وقد ترددت في اختيار التوقيت المناسب للحديث عن ذلك، بما يضمن عدم تأويله في غير محله، إلى ان رأيت ان الحديث عنه ” الآن ” هو التوقيت الأنسب والأفضل، لأن حضرموت ضربت اروع الأمثلة في النضال من اجل ” الجنوب المستقل ” يوم ان قامت قيامة الجنوب يوم 13 يناير الماضي فقامت حضرموت كما لم تقم في تاريخها من قبل نصرة لهذه القضية الوطنية العادلة وللجنوب ككل.. فاثبتت حضرموت انها كبيرة امام من ارادوا لها ان تكون صغيرة بمشاريع سقطت سقوطا مدويا في ذلك اليوم، ولهذا السبب قررت ان اكتب عما انا مقتنع به اليوم بالذات، حتى لا يقال انني استعطف حضرموت بما اكتب !

في تقديري الشخصي ان على ” الجنوب ” بمفهومه السياسي للدولة العربية المحتلة، دينا كبيرا لـ” حضرموت الهوية السياسية التاريخية ” لا بد من سداده بأريحية، وقناعة تامة، وضمير انساني وحس سياسي ايضا، ويتمثل هذا الدين في عقد العزم الجماعي، على تسمية الدولة القادمة في الجنوب المستقل ” بدولة أو جمهورية حضرموت “.. على اعتبار ان ” حضرموت ” هي الهوية العربية التاريخية الوحيدة التي لازالت بلا دولة ! وهي الهوية التاريخة الوحيدة التي افترت عليها الدولة الوطنية الحديثة، وعلى اعتبار ان حضرموت هي الهوية ” الأعرق ” في مختلف مناطق الجنوب، وذات المساحة الجغرافية الأكبر، وهي المنطقة الأكثر اهمية على مختلف المستويات، وهي التي تبادلت الهجرة مع مناطق جنوبية اخرى كيافع وشبوة وابين على سبيل المثال اكثر من غيرها من مناطق الجنوب.

ومن جانب آخر.. يتميز ” الحضرمي ” بخصائص انسانية في ثقافته واسلوب حياته، تجعله اكثر مقدرة على التماهي مع متطلبات ” الدولة المدنية الحديثة ” والانخراط فيها، بما يجعله جزء فاعل في بنيتها باتجاه تقوية وتعزيز قوانينيها وبناء مؤسساتها اكثر من غيره !.. ان الحضرمي باختصار من النوعية التي ” تبني ” ولا ” تهدم “.. والتي ” ترعى ” ولا ” تبدد “.. والتي تحترم القانون ولا تضرب به عرض الحائط، والحضرمي هو الشخصية القبلية العربية الوحيدة التي يمكنها ان تؤلب الدولة على القبيلة وليس العكس كما هي عادة ” القبيلي ” دائما !.

ان تقدير معنى وقيمة حضرموت ” الانسان ” كعقلية وثقافة.. وحضرموت كهوية في دولة الجنوب المستقلة، يمثل في وجهة نظري الشخصية ” كلمة السر ” و ” مفتاح النجاح ” لهذه الدولة ان هي ارادت ان تكون دولة بالفعل.. وما على الذي يشكك في ذلك سوى تتبع المحطات الحضارية التي يقيمها الحضرمي في اي بقعة يحط فيها رحاله، فحتى الدين الاسلامي الحنيف شهد عبر التاجر الحضرمي انتشارا واسعا في بقاع الأرض اكثر مما قام بنشره ” السيف ” !

ان التقدير الذي ننشده بعقلية واعية وواقعية شديدة وحس وطني يتجاوز الذات ونرجسيتها، يدرك ان الانتصار لحضرموت وهويتها وتاريخها وثقافتها، هو انتصار للجنوب اولا وهو قبل ذلك وبعده (( واجب جنوبي بامتياز )).. كما ان الانتصار لجميع ما ذكرت يعني الانتصار لملايين المهاجرين من اخواننا في مختلف اصقاع الارض وفتح الطريق اماهم للعودة إلى وطنهم الأم للمشاركة في بناء دولته المدنية الحديثة، كما يعني في المقابل فتح الباب امام ” رأس المال ” الحضرمي للعودة إلى ارضه آمنا – مطمئنا لتواجده على خلاف امتناعه عن العودة في مرحلة ” وحدة الاحتلال “… و الأهم ان هوية لنا ستكون مختلفة ولكنها غير مصطنعه في هذه المرة.

* قيادي حراكي
* الموضوع يعبر عن وجهة نظر صاحبه