في تعدُّد الأقاليم يكمُن الحلُّ السليم (خارطة فيدرالية)

في تعدُّد الأقاليم يكمُن الحلُّ السليم (خارطة فيدرالية)

لا يختلف اثنان على أن الحوار الوطني الشامل الذي بدأت أولى جلساته بالانعقاد هو المخرج الآمن ل(يمن الحكمة والإيمان) إلى برِّ الأمان، وأن نجاحه هو نجاح للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، إذ تتوقف على توافُق كافة أطراف الحوار معالجة كافة القضايا العالقة منذ استعادة الوحدة المُباركة قبل أكثر من عقدين زمنيين، كما أن نجاحه يعني حصول التوافق التام على دستور دولة اليمن الجديد وعلى شكل هذه الدولة وبما يضمن ما ننشده من مواطنة متساوية.

ولأن أغلبيَّة عددية من اليمنيين يعدُّون الوحدة الاندماجيَّة من الثوابت الوطنيَّة التي لا تقبل الجدل مع ما قد يترتب على استمرار هذا النمط الاندماجي السائد من استمرار مفاسد ما قبل خروج الشباب إلى الساحات مطالبين بإسقاط النظام، ولأن من اليمنيين من ينادون –بالمُقابل- بفكِّ الارتباط ما بين شمال الوطن وجنوبه وشقِّ جسد الوطن إلى شطرين مع ما قد يترتَّب على ذلك من نشوب حروب بين القُوى المتباينة الرُّوى داخل كل شطر، فإن هذا التبايُن التام بين الرُّؤيتين المتباينتين حول نمط النظام يقتضي –بحسب معطيات المرحلة الراهنة- تقديم بعض التنازلات إسهامًا من كلِّ طرف من ذينك الطرفين في تضييق الهوِّة بين تينك الرُّؤيتين، لا سيما إذا أخذنا على كِلتا الرُّؤيتين وسواهما بعض المآخذ التي يمكن إجمالها في الآتي:

سلبيَّات فكِّ الارتباط:

إن فكَّ الارتباط والعودة إلى نظامين شطريين شموليين –بعد أن انتشرت الأيدلوجيات الشديدة التبايُن في مختلف محافظات الشمال والجنوب- سيقوم –دون شكِّ- على استراتيجيَّة الإقصاءات المُتبادلة وربَّما التصفيات على خلفيَّات سياسيَّة أيدلوجيَّة، فلا يلبث ذلك الاستبداد الشمولي المُباد أن يُعاد، ولا يلبث أن ينشب –على إثره- صراع فكريٍّ أيدلوجيٍّ عنيف داخل كل قُطر على حدة، ثمَّ لا يلبث ذلك الصراع أن يتطوَّر –بفعل دعم كلِّ شطر للقوى السياسية الموالية أو المُجانسة له داخل الشطر الآخر- إلى مصادمات شطريَّة مسلَّحة على أوسع نِطاق مُلحقة من الدمار في البنيَّة التحتيَّة وفي مستوى معيشة مواطني الشطرين ما لا يُطاق، وربما بلغ النظامان –بفعل الصراع الداخلي والاحتراب الشطري- حالة من الضعف تتيح لمراكز القُوى –أيًّا كانت مُنطلقاتها- فُرص التمرُّد على مركزية السلطة الشطرية وإعلان نفسها كيانات سياسية مستقلة، فإذا الوطن اليمني –بعد أن كان كيانًا سياسيًّا قويًّا- قد آل بفعل هذا الخطأ التاريخي الفظيع- إلى كيانات سياسية متعددة هزيلة تفتقر إلى الحدِّ الأدنى من الاستقرار، فلا يلبث أن ينطبق على القائمين عليها قول ابن رشيق القيرواني –رحمة الله عليه-:

مما يزهِّدُني في أرضِ أندلسٍ ألقابُ معتضدٍ فيها ومعتمدِ

ألْقَابُ مَمْلَكَةٍ في غَير مَوْضِعِها كَالْهِرِّ يَحْكِي انْتِفَاخًا صَوْلَة الأسَدِ

سلبيَّات الوضع الاندماجي الراهن:

لا يستطيع أحد أن يُنكر أن الوحدة اليمنية ظلت إلى يوم إعلانها بل وإلى ما بعد إعلانها حلم كافة اليمنيين شماليين وجنوبيين، بيد أن خطأ النظام السابق في انتهاج سياسة الاستحواذ والإقصاء والهرولة نحو الثراء بكل ما ترتب عليها من اختلال ميزان العدالة الاجتماعية والافتقار إلى الحدِّ الأدنى من المواطنة المتساوية قد خيَّب آمال كافة اليمنيين بوحدتهم وأحال ما كانوا يعتبرونه قبل تحققه حلمًا بعيد المنال كابوسًا يثير نقمة الجنوب على الشمال، لأن تلك السياسة المغلوطة التي أديرت بها البلاد وتجرَّع مرارتها العباد لأكثر من عقدين زمنيين كانت عامل تقويض للوحدة في نفوس ملايين المواطنين المنتقصة مواطنتهم المُساءة معاملتهم، فإذا هم –على حدِّ قول البردُّوني- (منفيون في اليمنِ)، وذلك هو ما أوصل من كانوا أكثر من غيرهم تعطُّشًا للوحدة الاندماجية إلى قناعة تامَّة بفشلها، حتى لقد تكرَّس في نفوس نسبة من المواطنين الجنوبيين اليأس من جدوى أيَّة جهود ستُبذل لتصحيح مسارها ورائدهم في ذلك قول الشاعر:

عجوزٌ ترجّى أن تكون فتيّةً وقد غارت العينان واحدودب الظهرُ

تدسّ إلى العطّار سلعة أهلها ولن يصلح العطّار ما أفسد الدّهرُ

وبالرغم من أن ثورة التغيير –بإسقاطها النظام السياسي الذي أساء إلى المُنجز الوحدوي بممارساته الخاطئة- قد فتحت الباب واسعًا أمام مساعي إصلاح مسار الوحدة الاندماجية، فليس بمستبعد أن تستعيد -من خلال جهدهم الثوري الدؤوب ورقابتهم الصارمة على أداء سلطات الدولة- وهجها وبريقها كما لو كان قد استعيد تحقيقها من جديد، لكن عدم توافُُر إجماع القُوى السياسية لا سيما بعض النُّخب الجنوبية على هذا العمل وعدم التفافها حول هذا الأمل يجعل الفشل في إمكانيَّة تصحيح مسار الوحدة أمرًا واردا، وهذا أدعى للاجتهاد في محاولة إيجاد نمط حكم جديد علَّنا نستعيد من خلاله السعادة لليمن السعيد.

سلبيَّات الفيدرالية الشطريَّة:

وإذا كنَّا قد سلَّمنا –حرصًا على تطبيق مبدأ التوافق- بإمكانية فشل مشروع تصحيح مسار الوحدة الاندماجية بالرغم من أنها تحظى بأغلبيَّة عدديَّة وبقدر كبير من الجماهيريَّة، فإن من باب أولى التخوُّف الشديد من نمط الفيدرالية الشطريَّة الذي لا يتعدَّى كونه مطلبًا مقصورًا على الأقليَّة، إذ أن من المنطقيِّ جدًّا جدًّا جدًّا التحفُّظ الشديد على هذا النمط الذي لا ينظر إليه مُعظم المراقبين السياسيين أكثر من كونه خُطوة تمهيديَّة للانتقال إلى وضع التشطير الذي سبق لنا وأن اعتبرناه وضعًا أكثر من خطير.

https://nashwannews.com/ar/secontna/uploads/old/dir2/images2/2013/3/3/1/1363894075.jpg

أفضلية الفيدرالية المتعددة الأقاليم

إن كلَّ نمط من الثلاثة الأنماط السابقة له من الخُصوم بقدر ما له من الأنصار، فضلاً عن أن ما نتوقَّعه لبعضها من الأخطار بات في حُكم المعلوم، ومن هذا المُنطلق فإن جُلَّ آمالنا بدأت تتعلق بنمط الفيدرالية ذات الأقاليم المتعددة الذي باتت كثير من الشرائح الاجتماعية –بمختلف ميولاتها وتوجُّهاتها- تسوق الحديث حوله وتردده، ولست متجاوزًا الحقائق على الأرض إن جزمت أن هذا النمط قد بات يُمثل القاسم المُشترك بين مختلف القوى السياسية وأنه أضحى الخيار المقبول بشكل معقول، وليس أدل على ما أقول من أن كل ما تنشره الصحف والمواقع من تسريبات غير مُؤكدة عن تقسيم البلاد إلى عدة أقاليم تُقابل من مختلف القراء وغير القراء بقدر كبير من الاقتناع والرضا، إذ لم ألحظ من ملاحظات أيِّ قارئ من القراء على تلك التسريبات مُلاحظة أبعد من الاعتراض الطفيف والهادئ النبرة على ما يخص إقليمه من التقسيم الذي لا يتطلَّب تداركه سوى شيء من التأخير أو التقديم.

وإذا كان من سلبيات نمط وحدتنا الاندماجية –بفعل ما رافقها من أخطاء سياسية وأخطاء إدارية ممارساتيَّة- خلق روح التواكل على مستوى الأفراد وعلى مستوى المناطق والمحافظات التي جَعلت بعض الأفراد الأقلَّ إبداعًا والأشحَّ عطاءً –في ظل عدم تكافؤ الفرص- يتسلَّقون على أكتاف غيرهم ويبنون أمجادًا غير مُستحقة، مثلما جعلت بعض المناطق والمحافظات المستهلِكة التي هي –وفق معايير التنمية الحقَّة- في حُكم المُتفرِّجة مُجرَّد طفيليات في أجساد المحافظات أو المناطق المنتجة، وإذا كان الأمر كذلك على الأقل في تجربتنا التي تسبب النظام السابق في إفشالها، فإن لنمط الفيدرالية ذات الأقاليم المتعددة إيجابيَّات عديدة يأتي في صدارتها خلق روح التنافس الشريف على مستوى الأقاليم وعلى مستوى الأفراد بشكل مُعتاد، الأمر الذي سيُسهم بلا مراء في تحسين مستوى الأداء ويُضاعف فرص الإنتاج والعطاء، فضلاً عمَّا ستمثله خصوصيَّة سنِّ القوانين الاستثمارية المحلية التشجيعية من عامل جذب واستقطاب للاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية، لما من شأنه التسريع بوتائر التنمية، وبذلك يكون نمط الفيدرالية المتعددة الأقاليم هو الحلُّ لكلِّ ما هو حاصل من المشكلات ولما يتوقَّع أن يحصُل منها في المُستقبل.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية