مابعد الانفصال.. نظرة عن قرب

إذا كان هناك تقييم موضوعي ومنصف للإجراءات التي اتخذها الرئيس هادي لاستعادة الجنوب مكانته الطبيعية كشريك فعلي للشمال في الثروة والسلطة، وكذا لحزمة المعالجات الجاري وضعها في مؤتمر الحوار الوطني لحل القضية الجنوبية، فإن التنفيذ الكامل دون أي التفاف أو انتقاء لتلك الإجراءات والمعالجات من شأنه تلبية غالبية مطالب وآمال أبناء الجنوب، بتصحيح الاختلالات التي حدثت، وانهاء معانات آلاف الجنوبيين جراء الظلم الذي لحق بهم بسبب الممارسات الخاطئة والغير قانونية من القائمين على الوحدة .

وعليه كان من المفترض أن يتم التعاطي مع هذا التوجه بايجابية من قبل قوى الحراك المختلفة اذا كانت فعلا تولي أي اهتمام بمصالح المواطنين في الجنوب، لكن للأسف الشديد ماحدث كان خلاف ذلك، فقد أبدت غالبية قيادات الحراك رفضاَ مطلقاً لتلك المعالجات، وتخندقت وراء مطلب استعادة دولة الجنوب السابقة دون أي اكتراث للتداعيات الخطيرة التي قد تلحق بالوطن جراء إصرارها على إجهاض ووأد الحل السلمي للازمة حتى وأن كان منصفاً ويلبي غالبية مطالب أبناء الجنوب .

رفض قيادات الحراك لتلك المعالجات قد يكون مفهوماً لتعارضها مع مصالحها الشخصية والحزبية ومع الأجندات والمشاريع الخارجية المشبوهة المرتبطة بها، لكن الامر الغريب أنه ورغم وضوح الأسباب الحقيقية لرفض تلك القيادات، الا أن الكثير من أنصار الحراك يتغاضون عن ذلك حتى مع استياءهم المتصاعد من فشل قادتهم في حل خلافاتهم البينية وعجزهم عن الاتفاق على قيادة موحدة للحراك .

اللافت في الأمر هو تأييد غالبية أنصار الحراك لذلك الموقف الرافض للحوار ومخرجاته المتوقعة، بل أن الأمر الأكثر غرابه من وجهة نظري يتمثل في إبداء الكثير من أنصار الحراك مواقف أكثر تشددا في رفض بقاء الوحدة الوطنية ولانجد في منشوراتهم وتعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية عند الحديث عن الإخطار والتحديات المتوقعة في حال الانفصال سوى مواقف انفعالية غريبة يؤكدون فيها على أن الجنوبيين قد حسموا أمرهم في استعادة دولتهم، وأن المهم عندهم هو الانفصال عن الشمال قبل أي شيء آخر ومهما كان الثمن .

في المقابل يعرب الكثير من أبناء تعز والبيضاء وصعدة وصنعاء ومحافظات أخرى عن تفهمهم للأسباب التي أدت بالبعض للمطالبة بالانفصال منها إدراكهم للوضع الاقتصادي الصعب الذي عانى منه أبناء الجنوب بصورة مضاعفة عن غيرهم بسبب اعتمادهم قبل الوحدة على الدولة بشكل كامل في توفير احتياجاتهم الأساسية، وكذا الوضع البائس والواقع المحبط الذي يعيشه اليمنيين حالياً، مماجعل البعض يأمل في أن يكون قيام دولة في الجنوب المخرج من هذا الواقع ليس للجنوبيين فقط وإنما لأبناء الشمال أيضا، كما كان عليه الوضع قبل الوحدة، اضافة إلى اعتقاد غالبية المتعاطفين مع الحراك في الجنوب والشمال أن المطالبة بالانفصال لاتعدو عن كونها تكتيك مرحلي من قيادات الحراك للضغط على النظام في صنعاء بهدف الحصول منه على اكبر قدر من التنازلات .

الأسباب السالفة الذكر كانت وراء تفهم كثير من المواطنين في الشمال لمطالبة البعض بالانفصال، لكن الأمر يبدو مختلفاً بشأن تعنت أنصار الحراك من مؤتمر الحوار والحلول المطروحة، فمن الصعب أن نجد في الشمال أو حتى في الجنوب من الغير منضوين في الحراك، من يتفهم مثل هذا الموقف المتعنت، فالمفترض أن يعطي هؤلاء فرصة للجهود الحالية الرامية لحل القضية الجنوبية خاصة أن من شأن تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار تحقيق مطالب أبناء الجنوب واليمنيين عموماً بإنصاف الجنوب وإقامة دولة مدنية حديثة قادرة على توفير الاحتياجات الرئيسية للمواطنين خاصة مايتعلق بالامن والغذاء.

-وبالمثل لا اعتقد أن هناك من قد يتفهم اللا مبالاة والاستخفاف الذي يبديه أنصار الحراك تجاه الأخطار المحدقة باليمن جنوبه قبل شماله في حال الانفصال لاقدر الله، لانه من غير المنطقي التعامل مع قضية مصيرية كهذه بمثل هذا المنطق، فمهما كانت الأخطاء والشعور بالظلم والإحباط، لكنه لن يكون مبررا للانتحار والقفز إلى المجهول، وأجزم من الان أن بعض الاخوة المتشددين في الحراك سيعلقون على هذا الكلام بالقول ننتحر أفضل من بقاء الوحدة معكم !!، طبعاً لهولاء الحق في اختيار مصيرهم، لكن في الوقت ذاته ليس من حق بضعة آلاف تحديد مصير 25مليون يمني .

-كما أن على أنصار الحراك ان يعيدوا التفكير في الصورة المثالية لدولة الجنوب التي يروج لها قادة الحراك في حال الانفصال عن الشمال لأنها في الحقيقة صورة خيالية خادعة ومجافية للواقع ومليئة بالأوهام والاحلام الوردية التي من الصعب تحقيقها على ارض الواقع على الأقل خلال العقدين القادمين، فواهم من يعتقد أنه بمجرد الانفصال عن الشمال ستنتهى معاناته وستحل جميع مشاكله وبالذات الاقتصادية منها، لأن كبر مساحة الجنوب وتنوع ثرواته الطبيعية وقلة عدد سكانه سيجعل الجنوب في مصاف دول الخليج، لن تكون ذات جدوى أذا لم يصاحبها استقرار أمني في الجنوب وهدوء على حدوده، وهذا امر مشكوك فيه، كما أنه واهم من يعتقد أن الجنوب سيكون دولة اتحادية ديمقراطية تحترم الحريات وتصون حقوق الانسان، التي يتحدث عنها الحراك في ادبياته، وذلك لسبب بسيط كون العقليات الحالية التي تقود الحراك غير مؤهلة للقيام بهذه المهمة و…، وسأتناول ذلك بالتفصيل لاحقاً .

شخصيا لا تخالجني ذرة شك واحدة في الوضع الكارثي الذي سيجد اليمنيون أنفسهم فيه في حال وقع الانفصال سواء تم عبر القوة ومايسمى الكفاح المسلح أو عبر مفاوضات ثنائية ندية للاتفاق على إجراءات مايسمى فك الارتباط كما يريده البيض، أو حتى عبر فترة انتقالية يتبعها تقرير مصير كما يريده العطاس وعلي ناصر ومحمد علي احمد، قناعتي بذلك ليست ناجمة عن عاطفة أو مصلحة وانما مستمدة من مجموعة من المؤشرات والدلائل والشواهد التاريخية التي تساعد في استشراف الملامح الاولية لما يمكن ان تصل اليه الاوضاع في البلاد في حال عودة التشطير.

مؤشرات مقلقة :
يستطيع المتابع لفعاليات الحراك في الفترة الأخيرة ملاحظة مجموعة من الأحداث والتطورات السلبية كتجذر الخلافات بين مكونات الحراك المختلفة وتفاقم حدة الصراع على الزعامة ومحاولات الهيمنة على نشاط وتمثيل الحراك وحالات الاشتباك المتكررة بين أنصار البيض وأنصار باعوم في الضالع وعدن وشبوة والمكلا ولغة التهديد والوعيد والتخوين السائدة بين التيارين واتهامات العمالة وشكلية التصالح والتسامح الذي لم يتحقق منه سوى شعار براق لكنه للأسف أجوف خالي من أي مضمون، وكلها مؤشرات تدل على وجود خطب ما في مسيرة الحراك.

– قد يقلل البعض من أهمية هذه الخلافات كونها ليست جديدة ومعروفة للجميع، لكن في اعتقادي أن قدم خلافات الحراك لايقلل من خطورتها بل على العكس يشير الفشل طوال السنوات الماضية في معالجتها وتجاوزها على أنها خلافات عصية على الحل، وتنذر بوقوع كارثة قادمة في حال تم الذهاب إلى الانفصال دون معالجتها بشكل جذري وشامل، ولعل ما يشير إلى ذلك ماشهدته فعالية أكتوبر الماضية من قتل لأحد عناصر الحراك بطريقة وحشية وكذا اتهام باعوم الضمني للبيض بالوقوف وراء محاولة اغتياله.
– كما أن هناك من سيقول أن الأمر المهم بالنسبة لهم في الحراك هو اتفاق وتوحد قادتهم خلف هدف واحد وهو الانفصال، وهذا أمر خطير كونه يعني أن مايجمع قادة الحراك سينتهي بمجرد قيام دولة الجنوب ولن تبقى سوى خلافاتهم والصراع على الزعامة والسلطة، فإذا كان الخلاف على المنصة وتنظيم الفعاليات قد وصل إلى حد القتل والاعتداء الجسدي على بعض القيادات كما حصل لناصر النوبة في فعالية التصالح والتسامح، فكيف سيكون عليه الحال عندما يكون الصراع على السلطة والحكم؟ خاصة مع تفشي المظاهر المسلحة بين أنصار الحراك بصورة غير مبررة خلال الفعاليات السلمية، والتي كان آخر ضحاياها أحد عناصر الحراك في لحج عندما انفجرت به قنبلة كانت بحوزته أثناء توجهه إلى عدن لحضور فعالية اكتوبر.

مفاوضات ندية خارج اليمن بديلا عن مؤتمر الحوار الوطني :
– لاتبعث المؤشرات الأولية المتعلقة بحل القضية الجنوبية بصورة صحيحة بعيدا عن الابتزاز والمزايدات والأجندات المشبوهة على التفاؤل، فياسين سعيد نعمان ومن خلفه الحزب الاشتراكي متمسكين إلى حد الان بموقفهم الرافض لفيدرالية الاقاليم ويصرون على فيدرالية الاقليمين، في حين يواصل محمد علي أحمد ابتزازه للرئيس هادي ويؤكد من عدن تمسكه بحق تقرير المصير واستعادة دولتهم بل والتلويح بالانضمام إلى الشارع والتخلي عن الحوار، وهو موقف يقترب في ظاهره من موقف العطاس وعلي ناصر وقيادات أخرى تدعم فيدرالية الاقليمين وفترة انتقالية لخمس سنوات يتم خلالها إعادة بناء مؤسسات الدولة الجنوبية بحيث تكون قابلة للحياة، يتم بعدها إجراء استفتاء تقرير مصير في الجنوب.

-بدوره طالب علي سالم البيض في حواره الأخير مع قناة سكاي نيوز عربية دول الخليج بتقديم مبادرة لحل القضية الجنوبية، طبعاً هدف البيض من المفاوضات مع الشمال برعاية اقليمية ودولية تحقيق انفصال ناعم كما حصل في السودان وتشيكوسلوفاكيا، كل ذلك يرجح عرقلة قوى الحراك المختلفة لأي معالجات يقرها مؤتمر الحوار لحل القضية الجنوبية لا تنسجم مع المواقف السابقة، بل وستدفع تلك القوى بالوضع في الجنوب نحو مزيد من التأزم، الامر الذي قد يدفع من وجهة نظر الحراك القوى الاقليمية والدولية للتعاطي الايجابي مع مطالبها المتعلقة بإجراء مفاوضات ندية مع الشمال خارج اليمن.

-في حال افترضنا جدلاً بفشل الرئيس هادي ومخرجات الحوار في حلحلة الوضع في الجنوب وسحب البساط من تحت أقدام الحراك ونجح الأخير في إقناع القوى الإقليمية والدولية برؤيته ودفعها للضغط على صنعاء للتفاوض خارج اليمن كما يقترحه تقرير مجموعة الأزمات الدولية الأخير، في هذه الحالة هناك عشرات الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات مثل : من سيمثل الشمال والجنوب في المفاوضات؟ وماهى القضايا التي سيتم التفاوض بشأنها؟ وكم ستستغرق؟ وهل يعني ذلك أن الانفصال أصبح حتمياً وآمنا؟ هل الذهاب إلى تلك المفاوضات سيؤدي إلى الانفصال عن الشمال أم أن هناك سيناريوهات أخرى؟ وهل الشمال سيتخلى بهذه البساطة عن الوحدة؟ ومن هو الطرف الذي ستكون حججه ومبرراته أكثر إقناعا؟ ولمصلحة أي من الفريقين ستصب عوامل التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي؟ وماهى فرص نجاح المفاوضات؟ كل ذلك وغيره من الأسئلة ستكون محور الحلقة الثانية بأذن الله .يتبع

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية