«النخبة الإسفنجية» والشرق الأوسط الجديد!‏

بخارطة ملطخة بالدماء، وقلوب موجوعة، ومدن مدمرة، وملايين النازحين ؛ يدخل العرب ‏السنة الجديدة آملين فقط إيقاف النزيف عند هذا الحد وتجنب السقوط نحو الهاوية السحيقة التي ‏تتراءى أمامهم على مرمى حجر.‏

أقول العرب وفي ذهني العراق وسوريا أولاً. وماذا يكون العرب من دون سوريا والعراق ‏وبجانبهما لبنان واليمن، ومصر المعلقة بين السماء والأرض.‏

مع نهاية الحرب الباردة بداية التسعينيات ظن الجميع وبعض الظن إثم أن المنطقة ‏العربية ستجد طريقها نحو التكامل والتوحد وفتح آفاق العصر للعرب دولاً وشعوباً بعد ‏تحررهم من حالة الاستقطاب الثنائي العالمي الذي استمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ‏وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي.‏

حينها ترافق التبشير بالمجتمع المدني مع برنامج الإصلاحات الاقتصادية. الحملة التبشيرية ‏الأولى «المجتمع المدني» جاءت بعد تناسل منظمات المجتمع المدني ؛ حيث تم تحويل ‏الميزانيات المرصودة لمكافحة الشيوعية لدى دول الغرب إلى دعم منظمات المجتمع المدني ‏في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط. وتحولت هذه المنظمات إلى كيانات فندقية فوقية تستهلك ‏الأموال المرصودة من دون أن تتجذر في المجتمع وتنزرع في أرضيته وتؤثر في فئاته.‏

الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية جاءت كحزمة مفروضة من الخارج من قبل الحكومة ‏الأمريكية والمنظمات الدولية التي تعمل كواجهة للنظام العالمي المهيمن «البنك الدولي، ‏صندوق النقد الدولي». وقد كانت اليمن جزءاً من هذا البرنامج المُعَلّبْ ؛ واندفعت البيادق إلى ‏الخصخصة في بلد لم تنجز فية البنية التحتية بعد ؛ ولم تتواجد فيه الدولة حتى يتم التعلل ‏بضرورة تحجيم دورها.‏

بعد هذا التجريب بعشرين عاماً ظهر أحد مُنَظري النظام العالمي فرنسيس فوكوياما ليقر في ‏كتابه «بناء الدولة» بأن هذه الإصلاحات الليبرالية الاقتصادية التي طبقت قد تركت كثيراً من ‏دول العالم الثالث في وضع أسوأ بكثير مما كانت ستكون عليه فيما لو تجنبت هذه ‏‏«الإصلاحات». وعزا ذلك إلى «خلل مفهوماتي!!» حيث لم يدرك المنادون بتقليص دور ‏الدولة اقتصادياً إلى ضرورة تقويتها في جوانب أخرى !!‏

في نهاية عقد «الإصلاحات» الاقتصادية الليبرالية، افتتح القرن الواحد والعشرين بلغز ‏الإرهاب الكبير الذي لا زال غامضاً وبلا حل حتى اللحظة، بعد أن تحول إلى مِعْوَل لتدمير ‏البلدان العربية، ومفتاح لتمديد وتثبيت وترسيخ الهيمنة الخارجية على المنطقة تحت غطاء ‏الحرب العالمية لمكافحة الإرهاب.‏

لم يخلق الإرهاب من العدم. صحيح أن لدينا ثقافة حاضنة للتطرف ومولدة للعنف. غير أنها ‏مفردة واحدة في سلسلة العوامل المنتجة للإرهاب، وأهمها استثمار الهيمنة الدولية لثقافة ‏التطرف ورعايتها وتفريخ الإرهابيين واستخدامهم برعاية أجهزة المخابرات؛ من أيام ‏‏«الجهاد» الأفغاني وحتى زرقاوي العراق والقاعدة في اليمن وجزيرة العرب.‏

كشف الإرهاب وجود بيئة منتجة له تتمثل بالديكتاتوريات والفقر والبطالة وانسداد آفاق ‏المستقبل أمام الشباب وشيوع ثقافة الموت والقتل والجهل. وبدلاً من معالجة الجذور ذهبوا فقط ‏مع حلفائهم المحليين نحو الحل الأمني والطائرات من دون طيار لممارسة القتل خارج نطاق ‏القضاء.‏

لابد من إدراك حجم التأثير الخارجي في كل الأحداث التي مرت وتمر بها البلدان العربية. ‏المسألة ليست نظرية المؤامرة، ولكن إدراك موضوعي لعامل خارجي أصبح متغولاً ومتفوقاً ‏على العامل الداخلي ومتجاوزاً لتأثيراته. وهذه الهيمنة الأمريكية أساساً والغربية عموماً، ‏وحلفها الإقليمي النفطي المرتبط بها كاثوليكياً لا تنطلق من خارج الواقع وإنما من خلاله، ‏تنطلق من الواقع الموضوعي لتقسره على تحويل مجراه في مسارها ومصالحها وأجنداتها.‏

ما الذي يحدث في سوريا والعراق واليمن ولبنان ومصر وليبيا وتونس !!؟.‏
لقد تمكنوا من تحويل الثورات الشعبية وحُلمْ التغيير إلى كابوس. في العراق تحولت ‏الفيدرالية والأقاليم إلى دمار وحرب طائفية حصدت فقط خلال عام 2013 ثمانية آلاف عراقي ‏حسب إحصائيات الأمم المتحدة،ولم يتمكن العراق من الاستقرار في ظل الاحتلالين غير ‏المنظورين «الأمريكي، والإيراني» ولم تنفعه مضخة إمكانات ذاتية تجاوزت الـ700 تريليون ‏دولار منذ عام 2003 وحتى نهاية 2013.‏

في اليمن يندفع الواهمون نحو الحل النظري «الدولة الاتحادية والفيدرالية والأقاليم» ‏متغافلين تماماً المعطيات المصاحبة لحوارهم وتنظيراتهم، والتي يتجرعها اليمنيون طوال ‏عامين على شاكلة تفجيرات وغياب لهيبة الدولة وتأجج حرب طائفية مذهبية، واختلالات ‏وخراب أدى إلى خسارة مايقارب من سبعة مليارات دولار نتيجة لتعطيل أنبوب النفط وغيرها ‏من الموبقات التي لا يأبهون لها ولا تدخل ضمن حساباتهم.‏

في كتابه البديع قال فوكوياما إن عدم أخذ المعطيات الأخرى في الاعتبار وخصوصاً غياب ‏الإطار المؤسساتي الملائم قد أدى إلى دخول هذه البلدان في أوضاع سيئة مفتوحة على كل ‏الاحتمالات.‏

الآن تذهب «النخبة الإسفنجية» للتجريب باليمن في نظام أقاليم فيدرالية بمضمون تفتيتي ‏ومضاد للهوية اليمنية ؛ فيما كانت الفيدراليات في كل تجاربها التاريخية خطوة إلى الأمام ‏لخلق فرص أكثر للاندماج والتلاحم، يذهبون إلى الفيدرالية التقسيمية في ظل دولة سائحة ‏ورخوة، يذهبون إلى فيدرالية يتعاطى مشروع وثيقتها مع اليمنيين كشعوب متعددة ؛ حيث ‏تكرِّم بنعمر بتحديد أسباب الانتقال من إقليم إلى آخر : بالعمل والإقامة والتملك … بدلاً من أن ‏يقر المواطنة ابتداءً وكما هو معمول في الفيدراليات المتقدمة كأمريكا وألمانيا وروسيا ؛ حيث ‏المواطنة والمساواة والكرامة أولاً وأخيراً حق مكفول لجميع المواطنين.‏

في روسيا شنت الدولة الاتحادية حرباً شعواء على جمهورية مستقلة ضمن جمهورياتها ‏المستقلة المكونة للاتحاد .. فهل كانت في هذه اللحظة دولة مركزية أم اتحادية !؟.‏

كانت دولة فقط. دولة وكفى، ذلك أن الدولة مسؤوليتها حماية وحدة البلاد وأمنها واستقرارها ‏سواء كانت مركزية، أو حتى اتحاداً لجمهوريات مستقلة.‏
فما بال دولتنا الآن واثنان من وزرائها يكتبان ويتحدثان عن «الاحتلال اليمني للجنوب» ‏وهم أعضاء في الحكومة التي يرأسها جنوبي!‏

غير مصنف