عندما يكون التآمر من خارج الحدود!!

ما الذى جعل علي سالم البيض يتراجع عن قرار اعتزال العمل السياسي ؟ ومن هي الجهة التى اقنعته بالعدول عن ذلك القرار بعد أيام من تأكيده لصحيفة فاينانشينال البريطانية أن اعتزاله العمل السياسي قد جاء بعد فشل كل محاولاته في الوصول مع القيادات الجنوبية الأخرى إلى اتفاق على برنامج عمل مشترك تنتظم في إطاره مسارات الثورة التى يخوضها أبناء الجنوب ضد (المحتلين) داعياً من شاركوه هذا الفشل أن يتركوا الفرصة للشباب؛ لأنهم حسب قوله الأحق والأجدر بقيادة الثورة؟

والمثير في هذا الأمر أنه وبعد كل ما قيل في وسائل الإعلام بما فيها المُقرّبة من البيض نفسه عن قرارالاعتزال أن يُطل هذا السياسي العجوز من على قناته التى تبث من الضاحية الجنوبية في بيروت ليكذّب جملة وتفصيلاً إقدامه على تلك الخطوة قائلاً: كيف له أن يتخلى عن أبناء شعبه الذي يخوض نضالاً ضارياً ضد من أسماها (قوة الاحتلال)؟ وموجهاً من خلال حديثه العديد من الرسائل التى أفرط فيها في استخدام مفهوم (الحقوق الجنوبية) إلى درجة بدا فيها الرجل على أعتاب الانتحار الذاتي والمتدرّج.

وإذا ما توقفنا أمام ما ورد في حديث البيض الأخير وبالذات ما يتصل منه بمسألة العقوبات التى قد يتخذها مجلس الأمن الدولي عليه بوصفه أحد مُعرقلي التسوية السياسية أو في جانب علاقاته بإيران وتعاطفه مع الحوثيين أو حتى فيما يرتبط بموقفه من مؤتمر الحوار وتحريضه على أبناء القوات المسلحة والأمن فسنجد قطعاً أن البيض قد تراجع عن قراراه اعتزال العمل السياسي تحت إلحاح طرف إقليمي يسعى إلى خلط الأوراق والإخلال بالتوازن في اليمن عن طريق دعم الحوثيين في الشمال والتيار الانفصالي في الجنوب وهو مالم ينكره علي سالم البيض عند إجابته عن سؤال حول علاقته بإيران والتي وإن أنكرت تدخُّلها في الشأن اليمني إلا أنها من تحرص على الدوام على ألاّ تقدم إجابة مُقنعة حين يُطلب منها رفع يدها عن اليمن وآخر الشواهد على ذلك ما صدر عن طهران الأسبوع الماضي من رد فعل متشنّج على تصريحات الرئيس عبدربه منصور هادي فيما يتصل بدعم إيران للحراك الانفصالي في الجنوب والحوثيين في الشمال وهو ما يصح معه القول بأن اليمن أصبح مجالاً جاذباً لفيروسات الاختراق الخارجي والذى يضعه أمام احتمالات التقسيم والتشظّي بحيث يصبح من المؤكد أن علي سالم البيض أو عبد الرحمن الجفري أو حسن باعوم أو عبد الملك الحوثي ليسوا سوى أدوات محلية لمشاريع اقليمية ودولية تسعى إلى فرض أجندتها في المنطقة وفقاً لما يخدم مصالحها ومطامعها التوسعية وليس اليمن سوى حلقة من حلقات هذا المخطط الذى بُدِئ تنفيذه بتقسيم السودان إلى دولتين (شمال وجنوب) وتقسيم العراق عبر مشروع انفصال إقليم كردستان وصولاً إلى ليبيا التى أضحت عُرضة للتقسيم والتفتيت إلى “كنتونات” تتصارع على البقاء والثروه.

تقول العرب شر البلية ما يضحك وفي حالة علي سالم البيض ورهانه على إعادة تمزيق اليمن أكثر من بلية ولكن البلية الكبرى أن يظهر وهو من بلغ مبلغاً من العمر بتلك السذاجة السياسية التى لازمته في حديثه الأخير كُله لقناة عدن لايف التابعة له والذى أبدى فيه تمسُّكه بكل خياراته ومواقفه وتحالفاته داخلياً وخارجياً من منطلق أن معركته لم تنتهِ مع من يحتلون الجنوب؛ بل إنه من حاول أن يداري فكرة التراجع عن قراراه باعتزال العمل السياسي بمطالبته مجلس الأمن بتبنّي مبادرة بشأن الجنوب تسمح له بحق تقرير المصير على غرار تجربة جنوب السودان ومهما بدا حديث البيض ساذجاً ومخادعاً ومزيفاً لحقائق التاريخ والجغرافيا, فإنه الذي كشف عن أن الرجل بات ينفّذ مخططاً تآمرياً لتفتيت اليمن وقد بدا واضحاً في قوله إن حساباته ورهاناته وارتباطاته بشباب الثورة في الجنوب هي التي تمنعه من إحداث أي انقلاب في مساره السياسي والاستراتيجي قبل أن يستعيد الجنوب دولته واستقلاله وقراره السيادي.

وأمام ذلك لابد وأن نعترف بأن هناك جماعات وقوى في الداخل والخارج تريد إحراق اليمن وأخرى ترغب في تفتيته إلى ولايات ومشيخات ودويلات جهوية ومذهبية, كما أن هناك مخططات تتحرك على الارض في الشمال والجنوب لها أذنابها وعيونها وأرجلها تهدف إلى تمزيق هذا البلد وتحويله إلى وصفة جاهزة يمكن تصديرها إلى البلدان العربية الأخرى وحيال ذلك صار لزاماً على كل القوى الوطنية التحرك بسرعة نحو بلورة تكتل وطني يقف إلى جانب الحكومة في مواجهة دعوات الانفصال والانعزال والمؤامرات التى تُحاك ضد هذا البلد من خلال ثالوث (القاعدة والحراك والحوثي) حيث أن مثل هذا التكتُّل الوطني هو القادر وحده على ممارسة دوره في سد كل الثغرات التى تتسلل منها موجات الاختراق الخارجي خصوصاً بعد أن تأكد الجميع أن مناعة اليمن الداخلية صارت ضعيفة نتيجة هشاشة مؤسسات الدولة واختلال التماسك الاجتماعي وتغيُّر قواعد اللعبة السياسية.

ومن الناحية النظرية تبدو الخيارات المتاحة امام النخبة الحاكمة محدودة إذ لم يعد من الممكن الصمت حيال الانتهاكات والممارسات الخاطئة لمليشيات الحراك والتى صارت تعمل في نسق واحد مع تنظيم القاعدة في نشر الفوضى والعدوان على أفراد الجيش والأمن وزعزعة الاستقرار والسلم الاجتماعي في مختلف المحافظات الجنوبية إذ لا بد وأن تستشعر هذه القوى أنه لا يمكن لها الاستمرار في تجاوزاتها وعبثها وابتزازها للدولة بعد أن جرى استيعاب كل المطالب العادلة لأبناء الجنوب من خلال الحوار الوطني الذى خرج بخارطة طريق تكرّس لقيم العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية والشراكة في الثروة والسلطة, بل لابد لقيادات مثل هذه المكونات أن تعي تماماً أن أي دولة تحترم نفسها لا يمكن لها أن تقبل بأن تتشكل فيها بؤر داخلية تكون امتداداً لمشاريع خارجية كما هو حال مكونات الحراك الجنوبي التى حان الوقت لكي تتوقف عن أفعالها السوداوية والاستعلائية وممارساتها الفوضوية والعابثة وما دون ذلك فمن واجب الدولة ردعها وإعادتها إلى جادة الصواب وما ينطبق على الحراك ينطبق ايضاً على جماعة الحوثي التى تصورت أنه بمجرد حصولها على كميات من الاسلحة ودعم طرف اقليمي فإن ذلك هو ما سيُمكّنها من تغيير المعادلات التى يُبنى عليها النظام العام والدولة القائمة وإعلان نفسها دولةً داخل الدولة.

وما يعنينا في هذه اللحظة الحاسمة هو أن ندرك ما يخطط لنا وطبيعة ما يجري حولنا وما الذى ينبغي أن نقوم به في مواجهة تصاعد عمليات العنف والتى وصلت إلى مستويات قياسية وايجاد مخرج مناسب للسيطرة على الوضع الامني والتعجيل من تحقيق المصالحة الوطنية وفتح صفحة جديدة للمستقبل نتجاوز بها الاوضاع القائمة وإحلال أوضاع جديدة تعمل على تحصين الجبهة الداخلية وذلك لن يتحقق دون استشعار الجميع, إننا أمام مرحلة ملتبسة تتساوى فيها معايير الهدم والبناء وإن هذا الالتباس ماكان له أن يحدث لولا جدلية التقاسم والمحاصصة التى جعلت كل طرف يركز على ما سيحصل عليه من الغنيمة بل إننا أحوج ما يكون في أيام اليمن الدامية التى نعيشها إلى استعادة قيم الانتماء للوطن وتكريسها في كل تصرفاتنا وأفعالنا بمدلولها العام والشامل آخذين بعين الاعتبار أن هذه القيم ليست أوراقاً ثبوتية أو بطاقات هوية نحتفظ بها في جيوبنا, نبرزها عند الحاجة ونخفيها وقت ما نشاء, أو أنها تلك الابتسامات الصفراء والباهته التى يطلقها بعض المسؤولين أمام الكاميرات أو الشعارات الجوفاء والفارغة من المحتوى والتى يتبارى بها بعض السياسيين في القنوات الفضائية ولكنها سلوك تعبر عنها التضحية من أجل هذا الوطن وتغليبها على ما دونها من المصالح.

ومن الواقعية في نهاية المطاف أن نُقر بأننا قد أخطأنا جميعاً بحق هذا الوطن وقُدناه إلى تجارب مريرة دفعنا ثمنها غالياً ولا نريد أن نكررها؛ لأننا إذا ما فعلنا ذلك فإن الطوفان سوف يجرفنا جميعاً ولن تستطيع كل جبال اليمن أن تعصمنا من الغرق.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية