أبو محمد الحسن الهمداني: العالم اليمني الموسوعي الذي اكتشف الجاذبية الأرضية

  د. أحمد محمد الأصبحي

أبو محمد الحسن الهمداني: العالم اليمني الموسوعي الذي اكتشف الجاذبية الأرضية قبل 12 قرناً


قليلون هم الذين يحيطون علماً بشخصية لسان اليمن العالم الموسوعي أبي محمد الحسن ‏الهمداني ، والاقل منهم من وقف على حضوره الابداعي، والموسوعي في الثقافة العربية. ‏

من احدثكم عنه مضى عليه اكثر من الف عام، ولم يكن أحد ابرز رواد عصره فحسب، بل ‏مثل فكراً علمياً متقدماً لعلوم اشتغل بها عالمنا الحديث والمعاصر.. فلقد قال بكروية الارض، ‏وتحدث عن خطوط الطول والعرض، وعن الجاذبية الارضية، وبحث في علم الاراضة ‏‏(الجيولوجيا) واستخراج المعادن، وتحدث عن سرعة الصوت والضوء، واكتشف الاكسجين ‏ودلل على وجوده معملياً.. وكتب في الجغرافيا الوصفية، وفي التاريخ والانساب، والآثار، ‏والفلك، والنجوم، فضلاً عن تفقهه في الدين وفي الادب العربي شعره ونثره ونقده .. واليه يعود ‏الفضل في إزاحة الستار عن القلم الحميري والمساند الدهرية التي القى عليها اضواء كاشفة ‏خلدها بالقيد والتبجيل في حينه، مايسر على المستشرقين في العصور المتأخرة فك رموز القلم ‏المسند واكتشاف الصلة الوثيقة بينه وبين الخطوط اللحيانية والثمودية والصفوية، والتي ‏انتشرت في الاردن وبادية الشام والاطراف الشمالية للجزيرة العربية.لقد نبغ عالمنا الهمداني ‏من بين معاطن الابل، وقوافل الجمالة وتخرج في مدرسة العصامية، وعركتة المعاناة، وشحذ ‏التحدي همته، ولم يحل البعير بينه وبين أن يصبح عالماً وفيلسوفاً.. فلقد جعل من جمله وسيلة ‏معرفية جاب بها جزيرة العرب، وجال مع ابيه منذ نعومة اظفاره في الاقطار، وتنقل بين ‏صنعاء وصعدة ومكة والعراق والشام عبر بوابتها التاريخية معان.‏

وبالقدر الذي تحمل عالمنا الاهوال واوذي في فكره، وعلمه، وحورب في حياته، وتعرضت ‏كتبه بعد مماته للحرق والاتلاف فإن شهرته كانت قد طبقت الآفاق، ودخلت كتبه الاندلس، ‏واهتم بها امراؤها، وحفظ له الاندلسيون 23عنواناً.. وقال عنه القاضي صاعد بن الحسن ‏الأندلسي – قاضي طليطلة، وجدت بخط امير الاندلس الحكم المستنصر بالله الناصر ‏عبدالرحمن الأموي ان ابا محمد الهمداني توفى بسجن صنعاء في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.‏

ووصفه علي بن الحسن القفطي الشيباني المتوفى عام 646 ه في كتابة انباء الرواة في انباء ‏النحاة بأنه نادرة زمانه وفاضل أوانه الكبير القدر، الرفيع الذكر، وصاحب الكتب الجليلة، ‏والمؤلفات الجميلة، لو قال قائل: إنه لم تخرج اليمن مثله لم يزل لأن المنجم من اهلها لاحظ له ‏في الطب، والطبيب لايد له في الفقه، والفقيه لايد له في علم العربية وأيام العرب وأنسابها، ‏وأشعارها، وهو قد جمع هذه الانواع كلها وزاد عليها.‏

وإذاً فنحن بإزاء عالم فذ يقتضي منا الوقوف على شيء من سيرته قبل الحديث عن فكره ‏الموسوعي، وتفكيره العلمي المتقدم، فهو أبو محمد الحسن بن احمد بن يعقوب بن يوسف بن ‏داود بن سليمان الارحبي البكيلي ويستدل من المقالة العاشرة من كتابه سرائر الحكمة، انه ولد ‏بصنعاء يوم الاربعاء 19صفر سنة 280ه أي حوالي 893م وكان أهله يقطنون في الاصل ‏خراب المراشي من قضاء برط في الجزء الاعلى من مساقط جوف معين يجمع سكانها بين ‏عيشة التبدي والتحضر، وقد انتقل جده داود وابنه يوسف الى الرحبة شمال صنعاء ثم سكن ‏يوسف صنعاء، وسكن فيها اولاده من بعده.‏

ويوافق مولد الحسن الهمداني سنة خروج الامام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين من الرس ‏في أرض الحجاز الى اليمن في خرجته الاولى بدعوة من بني فطيمة من خولان صعدة، وذلك ‏إبان خلافة المعتضد العباسي الذي كان عامله على صنعاء علي بن حسين المعروف بجفتم.‏

ويذكر الحسن الهمداني في المقالة العاشرة المذكور أنه منذ بلغ السابعة من عمره، بدأ يحادث ‏النفس بالاسفار، وكان ابوه رحالة، كما كان لأجداده بصر بالإبل منذ أن كانوا في شرق اليمن ‏ولما تركوا البداوة، واستقروا بصنعاء اشتغلوا بالجمالة، والبعض منهم عني بالصناعات ‏كالتعدين، وقد كان لذلك اثره في صقل شخصيته.‏

وفي الخامسة عشرة من عمره استقر مع أهله في صعدة، وشارك أهله في الجمالة، ولما بلغ ‏سن الخامسة والعشرين، رتحل الى مكة المكرمة طلباً للعلم، فقد كانت إذ ذلك من مراكز العلم، ‏ويؤمها كثير من علماء البلدان الاسلامية لاداء فريضة الحج أو للمجاورة، فتسنى للحسن ‏الهمداني أن يجاور فيها اكثر من ست سنوات، وأن يجلس الى العلماء ويروي عنهم، وتفتحت ‏له آفاق المعرفة، وانفتح له باب نفيس من المنطق فازداد منه، وانكشط عنه كثير من الجهل ‏واتسعت بسطته في العلم، فعلم شيئاً من علم الاخبار، وكتب صدراً من الحديث والفقه ورواه، ‏ومال إلى مذهب الجماعة كما قال ذلك بنفسه في المقالة العاشرة، وتصدر للتدريس.‏

وكانت له صلة بعلماء العراق، فقد صحب أهل زمانه من العلماء وراسلهم وكاتبهم، وممن ‏عاشرهم من العلماء أبوبكر محمد بن القاسم بن بشارالانباري، وهو احد عيون العلماء باللغة ‏واشعار العرب، وايامها والذي كان يختلف بين صنعاء وبغداد وكاتب الهمداني ابا عمرو ‏النحوي صاحب ثعلب وابا عبدالله الحسين بن خالويه وكان الهمداني يعتد بأقوال شيخه أبي ‏نصر محمد بن عبدالله اليهري الحميري في كل مايورده من أخبار اليمن وانساب أهله ومن اشهر ‏مشايخه محمد بن عبدالله الاوساني الحميري، وكأن الهمداني يتلقى معارفه عن رواة وعلماء ‏واناس من أهل قطره وعمن يتوسم فيه المعرفة من الاقطار الأخرى وقد اكثر النقل عن ‏‏«بطليموس»، بل لخص كتابه في مقدمة «صفة جزيرة العرب» وتأثر كثيراً ببعض الآراء ‏الواردة في تلك الكتب المترجمة عن اليونانية والفارسية والهندية التي وصلت الى صنعاء حين ‏كان وزراء الدولة العباسية في صنعاء من البرامكة وغيرهم ممن كانت لهم صلة بالابناء وهم ‏بقايا الفرس.‏

ولدى عودته من مكة المكرمة في حوالى سنة 311ه اقتنى الكثير من الكتب، كدواوين الشعر ‏ومؤلفات ابن الكلبي في الانساب وغيرها،، ونزل في مدينة صعدة مرة اخرى وكانت إذ ذاك ‏كورة بلاد خولان وقاعدة أئمة الزيدية، ومحطة هامة على طريق التجارة الممتدة من أقصى ‏جنوب اليمن عبر مكة الى بلاد الشام، ونقطة تجمع الحج من مختلف الجهات اليمنية، وكان قد ‏توفر لمدينة صعدة استقرار نسبي خلال فترات الهادي وابنيه من بعده، المرتضى، والناصر، ‏وادى ذلك الى استقطاب كثير من االعلماء والادباء والشعراء وطلاب العلم والتجار من داخل ‏اليمن وخارجها، ونجم عن ذلك قيام حركة أدبية وفكرية، ونشاط تجاري، وقد افاد الحسن ‏الهمداني من فنون العلم، وأسهم من جانبه بنصيب وافر ولاسيما في علوم الاخبار والانساب ‏والشعر، اذ لم تكن صعدة قبل ذلك من المدن التي رحل اليها اصحاب الحديث كصنعاء ‏وبالتالي لم تنتشر أخبارها، وقل وقوف النسابة على انسابها، وقبائلها وبطونها من خولان، ‏فكان للهمداني باع طويل في هذا الحقل، مما زاد من مكانته العلمية بين اهل صعدة واستحوذ ‏على رضا القبائل من خولان وما جاورها من همدان وحمير، الامر الذي اوغر صدور شانئيه ‏وجره الى حلبة الصراع السياسي الذي صدر الى صعدة انعكاساً لما ابتليت به حاضرتا دولتي ‏الخلافة الأموية والعباسية، فما كان له من بد الا ان ينظم قصيدته الدامغة تحت وطأة الخطأ ‏المتبادل، ودفع الثمن سجوناً ومطاردات لجزئية دفع اليها دفعاً، وظلت تلاحقه مدى حياته وبعد ‏مماته ، ولم تشفع له علومه وغزارة معارفه بقدر مازادت من اوار الحقد عليه، لكنه كان أقوى ‏من كل التحديات واستطاع ان يتجاوزها حين آثر اعتزال مدينتي صعدة وصنعاء وما سادهما ‏آنذاك من أسباب الفتن القائمة على التمذهب السياسي الذي كان كل واحد من دعاته يريد ان ‏يفرضه على الناس ولو بشفار السيوف.‏

ولازم مدينة ريدة التي قضى فيها بقية حياته وسط رهط من اللغويين، منصرفاً انصرافاً كلياً ‏الى التأليف الغزير، حيث كتب فيها كتاب «الاكليل» باجزائه العشرة، والذي يعتبر موسوعة ‏الحضارة اليمنية القديمة، وصنف من بعده كتابه «صفة جزيرة العرب»، وغيرهما من ‏المؤلفات.‏

وقد أورد القاضي المحقق محمد بن علي الاكوع الحوالي ، قائمة بمؤلفات الهمداني وهي:‏
‏- الاكليل عشرة أجزاء (ظهر منها أربعة أجزاء 10،8،2،1).‏
‏- السير والاخبار (مفقود).‏
‏- صفة جزيرة العرب.‏
‏- المسالك والممالك اليمنية (مفقود).‏
‏- االيعسوب (مفقود) (وهو في فقه الصيد وحلاله وحرامه، والأثر الوارد فيه، وكيفية الصيد، ‏وعمل العرب فيه وغريب ذلك نحوه، والشعر فيه).‏
‏6- الأيام(مفقود).‏
‏7- سرائر الحكمة (طبعت منه المقالة العاشرة).‏
‏8- الزيج (مفقود).‏
‏9- توحيد الزيج (مفقود).‏
‏10- القوى في الطب (مفقود).‏
‏11- الحيوان (مفقود).‏
‏12- المطالع والمطارح (توجد نسخة منه في مكتبة الاسكندرية).‏
‏13- الجوهرتان العتيقتان المائعتان من الصفراء والبيضاء (مطبوع).‏
‏14- الحرث والحيلة (مفقود).‏
‏15- مفاخر اليمن ووقائعها (مفقود).‏
‏16- أخبار الأبل (مفقود).‏
‏17- اخبار الاوفياء.‏
‏18- اسماء الشهور والايام (مفقود).‏
‏19- الدامغة وتتكون من 600 بيت (مطبوع).‏
‏20- تفسير الدامغة (مطبوع).‏
‏21- ديوان شعر الهمداني (مفقود) ويروى انه يقع في ستة مجلدات على رأي ابن خالويه).‏
‏22- الوشي المرقوم (مفقود).‏
من هذه التوطئة وعوداً على بدء يمكننا ان نقرأ الحضور الابداعي والموسوعي للحسن ‏الهمداني في النقاط التالية:‏

كروية الارض:‏
كان الهمداني في طليعة القائلين بكروية الارض ذكر ذلك في كتابه «صفة جزيرة العرب» ‏بقوله:‏
‏«اعلم أن الارض ليست بمسطحة ولا ببساط مستوى الوسط والاطراف ولكنها مقببة، وذلك ‏التقبب لا يبين مع السعة إنما يبين تقبيبها بقياساتها الى اجزاء الفلك، فيقطع منها افق كل قوم ‏على خلاف مايقطع عليه افق الآخرين طولاً وعرضاً في جميع العمران، ولذلك يظهر على ‏اهل الجنوب كواكب لايراها اهل الشمال ويظهر على اهل الشمال مالايراه اهل الجنوب ‏ويكون عند هؤلاء نجوم ابدية الظهور والمسير حول القطب وهي عند اولئك تظهر وتغيب ‏وسأضع لك في ذلك مقياساً بيناً للعامة، من ذلك ان ارتفاع سهيل بصنعاء، وما سامتها اذا حلق ‏زيادة على عشرين درجة، وارتفاعه بالحجاز قرب العشر، وهو بالعراق لايرى الا على خط ‏الأفق ولا يرى بأرض الشمال، وهنا لاتغيب (بنات نعش)، وهي تغيب على المواضع التي ‏يرى فيها سهيل، فهذه شهادة العرض، واما شهادة الطول فتفاوت اوقات البدء الكسوفات، ‏ووسطها وانجلائها على خط فيما بين المشرق والمغرب، فمن كان بلده اقرب الى المشرق ‏كانت ساعات هذه الاوقات من اول الليل والنهار اكثر ومن كان بلده اقرب الى المغرب كانت ‏ساعات هذه الاوقات من آخر الليل، وآخر النهار منكوساً الى اولها اكثر ، فذلك دليل على ‏تدوير موضع المساكن والارض وان دوائر الافق متخالفة في جميع بقاع العامر، ولو كان ‏سطح الارض صفيحة، لكان منظر سهيل وبنات نعش واحداً».‏

الجاذبية الارضية
جاء في كتاب «الجوهرتين العتيقتين المائعتين من الصفراء والبيضاء» للهمداني في سياق ‏حديثه عن الارض وما يرتبط بها من اركان ومياه وهواء قوله: فمن كان تحتها – تحت ‏الارض- فهو في الثبات في قامته كمن فوقها، ومسقطه وقدمه الى سطحها الاسفل كمسقطه الى ‏سطحها الاعلى وكثبات قدمه عليها فهي بمنزلة حجر المغناطيس الذي تجذب قواه الحديد الى ‏كل جانب، فأما ماكان فوقه. فان قوته وقوة الارض تجتمعان على جذبه، وما دار به، فالارض ‏اغلب عليه وماكان بينه وبين الارض فإنه اغلب عليه اذا كان الحديد مثلاً يسر اجزاء الحجر ، ‏والارض اغلب عليه بالجذب، لان القهر من هذه الحجارة لايرفع العلاة ولا سفلة ‏الحداد.ويتضح من هذا النص اكتشاف الهمداني لحقيقة ان الكرة الارضية تجذب الاجسام في ‏كل جهاتها، وهذا الجذب انما هو قوة طبيعية مركزة في الارض، وتترك حول الارض مجالاً ‏فعالاً اشبه بذلك المجال الذي تتمتع به القطعة المغناطيسية .‏
ولولا هذه الخاصية لكانت كروية الارض ودورانها سببين اساسيين في طيران ماعلى سطح ‏الارض من كائنات ومحيطات واشياء غير ملتصقة بها طبيعياً.‏
لقد ربط الهمداني الخاصية بالارض، ولم يقل بالنص ان الاجسام تجذب بعضها البعض، وهو ‏المفهوم الذي يشكل اساس قانون «نيوتن»، للجاذبية الارضية.‏
لقد كانت محاولة الهمداني في فيزياء آلية سقوط الاجسام الى الارض محاولة مبكرة نجحت ‏في طرق التقنين الذي انجزه لاحقاً. ‏

سرعة الصوت والضوء:‏
لقد كان الهمداني أول من فرق بين سرعتي الصوت والضوء، ويتضح ذلك من ملاحظته ‏الدقيقة وتطبيقه العملي الذي وصف به الظاهرة على جبل تخلي (جبل مسور حجة)، قال بعد ‏ذكر ارتفاع الجبل، وتكاثف السحاب: «فإذا وقع فيه لامعةالبرق، وتبعها صوت الرعد عجلاً ‏على قدر بعد العين من البرق، ومثال ذلك إذا كنت في بعض السهول، وكان منك على مدى ‏البصر من يضرب بصاقور (فاس كبير) في حجر، أو بفأس في شجر، فنظرت إلى وقفة ‏الفأس، لم يتأد إليك صوتها إلاّ عند الضربة الثانية، وصوت الضربة الثانية إلا عند وقوع ‏الضربة الثالثة.‏

غاز الاكسجين وظاهرة الإحتراق:‏
للهمداني فضل كبير في اكتشاف غاز الاكسجين الذي أطلق عليه أسم النسيم، وأنه ضروري ‏للتنفس والاحتراق، وقدم لذلك ملاحظات وأجرى عدداً من التجارب، وعززها بالأدلة والشواهد ‏العملية، باسلوب علمي سبق ما توصل إليه لافوازييه بثمانية قرون.‏

ففي الجزء الثامن من كتاب الاكليل، وفي باب القبوريات اعترض الهمداني على خبر مفاده ‏ان رجلين دخلا مغارة، وامضيا فيها وقتاً طويلاً، وهما يحملان شمعة يستدلان بها على رؤية ‏الطريق المتعرجة العميقة.. واخذ يسرد تفاصيل الخبر في خمس صفحات، انهاها باعتراض ‏علمي قال فيه: «… هذا الحديث فيه زيادة لا تمكن، لأنهم ذكروا المسلك في المغارة، ثم ‏دخولهم منها الى هوة، وابيات، فقل بها النسيم، ويعجز بها التنفس، ويموت فيها السراج.. ومن ‏طباع النفس، وطباع السراج ان يحييا ما اتصلا بالنسيم، فاذا ما انقطع في مثل هذه المغارات ‏العميقة، والخروق المستطيلة لا يثبت فيها روح ولا سراج».‏

ودعم اعتراضه السابق بسوق امثلة تجريبية معاشة، فقال: «… ومن ذلك خرق قلعة ضهر، ‏وهو مستطيل جداً، ويقول الناس فيه مال عظيم، وقد دخله جماعة بالمصابيح والشمع، احدهم ‏ابو محجن بن طريف غلام آل يعفر، وكان اميراً يطلب ما فيه ضنين، فلما تغلغلوا حصرت ‏السرج في موضع انقطاع النسيم ثم طفئت، واخذ حاملها بالكظم فنكصوا».‏

هم يرون ان الجن اطفأت السرج وليس كذلك، ولعلّ هذا الخرق لا شيء فيه، واذا بلغت ‏السرج موضع انقطاع النسيم نشص التهاب النار اللاحقة للهواء، اذ هو مجانس لعنصرها.‏

ويقدم الهمداني الدليل الثاني بقوله: «والدليل على ذلك انك لو اخذت سراجاً، وملأته زيتاً ‏صافياً او سليطاً وصيرت فيه ذبالة جديدة، والقيته على ظهر مستوى السطح، ثم قلبت على ‏السراج مكباً لا خلل فيه، وطينت على ما يتخلل من النسيم من بين خروقها، ووجه السطح ‏لمات السراج مكباً اذا انقطع عنه النسيم».‏

وقدم دليلاً ثالثاً من الشواهد اليومية في حياة الناس بقوله: «ومن ذلك ان التنور تسجر ‏للهريس، والفرني، والمشوي من الحملان والجواذب، ويكثر جمرها، فاذا ختم عليها طفئت ‏النار، ورجع الجمر فحماً، ولم يبق النضج الا بالتهر (البخر) فاذا فتحت لم تجد ناراً، ولم تجد ‏الا حرارة التهر الواصلة من الجدار واسفل التنور».‏

والى ابعد من ظاهرة الاحتراق، تحدث الهمداني كذلك عن ظاهرة القابلية المرتبطة بها، وقد ‏اورد نصاً في هذا الاتجاه في كتاب الجوهرتين العتيقتين جاء فيه:«واما ما يقبل النار، فإنه ‏متفاضل في القبول على قدر ما فيه من اجزاء النار، كالحراق يقبل القادحة التي لا يقبلها غيره، ‏والكرة التي تقبل داخل الزند، ثم الكرسفة التي تقبل شعلة السراج عن بعد من محاذاته، ‏والكبريت والنفط، ثم بعد ذلك الحلفاء، واليراع، والسلخت من الحطب، ثم الجزل حتى يبلغ ‏الدوح، وكذلك اشياء اخرى لا تقبل النار قبول الحطب، اذ ليس فيها من اجزاء النار ما فيه، ‏ولكن قبول صدقه كالحجر الذي يصير نوره، والحجر الذي يصير حديداً، والحجر الذي يصير ‏اسرباً ومرتكاً وفضة، والطين الذي يصير فخاراً، واخر يصير حجراً مثل الاجر المحترق» ‏ويقول كذلك: «ويقبل الماء النار عن حاجز، وتقبل النار الهواء وتقوى به لاتصالهما، ولا تبقى ‏في موضع لا هواء فيه» ولقد كرس الهمداني لعلاقة قابلية ولا قابلية المادة بالاحتراق احدى ‏عشرة لفظة في مقطع صغير، فضلاً عن ايراده لفظة التصيير الملتصقة بالقابلية خمس مرات.‏

وهكذا تظهر لنا النصوص المذكورة آنفاً ظفر الهمداني بالاستقصاء والبرهان بشكل حاسم ‏على علاقة الهواء بالاحتراق، وبالتنفس قبل ظهور اية نظرية مماثلة في اوروبا بنحو ثمانية ‏قرون.‏

الاراضة والتعدين:‏
والاراضة يقصد بها علوم الارض المعنية بدراسة طبقاتها من حيث مراحلها التاريخية او ‏ترسبات موادها المختلفة، ودراسة المناجم، وانواع المعادن والاحجار، والحركات الارضية ‏والتضاريس، وعلم البحار.‏

ويبلغ عدد هذه الفروع نحواً من 24 فرعاً، ويرى بعض الباحثين ان ما صنعه العرب في ‏العصر الوسيط يمكن اعتباره البداية العلمية لاثنين وعشرين فرعاً من علوم الارض، واما ‏الجيولوجيا التصويرية والهندسية فهما من منجزات العصر الحديث.‏

فبالعلم جابر بن حيان يبدأ تاريخ الكيمياء التجريبية، وتاريخ المعادن والتعدين، والاحجار ‏الكريمة، وتتالى من بعده الرواد في حقل الاراضة، ومنهم الكندي والرازي والطرسوسي ‏والجلدكي، والحسن الهمداني- موضوع البحث- والذي صور ما تكتنز به ارض اليمن من ‏المعادن الثمينة ببيت الشعر في قصيدته الدامغة:‏
وأنفس جوهر للارض فينا.. معادنه غنائم غانمينا
وقال في شرح هذا البيت: ان باليمن من المعادن ما افترق في غيرها فمن ذلك الذهب، ‏والفضة والحديد والجزع والبقران والبلور.‏

وقد خص المعادن والتعدين بشيء من التفصيل في مؤلفه المتميز الجوهرتين العتيقتين، ‏وجعله في 57 باباً، ويعد الاول من نوعه ككتاب مفصل، يصل الينا من العصور الوسطى، ‏وهو بمثابة كتاب علمي في المعادن والكيمياء ودليل علمي في صنعة سك النقود، ويعنى بصفة ‏رئيسية بصنعة الذهب والفضة، ابتداء من استخراجهما من مناجمهما ومروراً بتنقيتهما ‏وضبط عيارهما، والطلاء والتلحيم بهما، وانتهاء بسك النقود منهما.‏

ومما يتميز به ويخالف به علماء عصره، جزمه بأن الذهب لا يأتي الا من معدنه، ولا تأتي ‏الفضة الا من معدنها، وليس من معدن آخر، ولا يستعمل الاكسير في سبيل تحويل المادة، ‏وانما تستخلص المعادن من خاماتها بالتنقية.‏

ويختلف كتابه عن مؤلفات الكيمياء الاخرى في اسلوبه، وذلك ان الامر عنده يتعلق بعمليات ‏فنية كيميائية يصفها في كتابه بدقة، خلافاً لما ينظر اليها عند الاخرين كطقس يمارس ‏باستعمال لغة سرية بما فيها الاسماء التي ترمز لتلك المعادن.‏
فالهمداني يبدو في كتابه هذا عالماً دقيق الملاحظة استقى معلوماته من اهل الخبرة والمعرفة، ‏وممن اعترف اتباعهم بتفوقهم، وبغزارة علمهم ودقة معارفهم.‏

وتعتبر عائلة الهمداني مصدراً، فأبوه امده بمعلومات قيمة عن تنظيف الذهب، وكان جده ‏الأعلى مسؤولاً لدى الدولة، وعنه اخذ خبرة عن كيفية اختبار الذهب، كما استقى الهدماني ‏معلوماته من اصحاب المهنة انفسهم، وخاصة من ضارب لسكة في صنعاء، ومن ضاربها في ‏صعدة ابي اسماعي ابراهيم بن محمد بن عبد الرحمن، وقد امده بأخبار عن معادن الذهب ‏الافريقية وعن تاريخ دار السكة في صنعاء، وعلّمه كيف يحسب عيار الذهب، وكان الهمداني ‏يرجع الى الحرفيين، كل في صنعته، فقد امده الصائغ احمد بن ابي رمادة بمعلومات عن معدن ‏الفضة في منجم الرضراض، وحدثه ابو الحسن الذي كان يشتغل بالتعدين عن معادن الماس، ‏واخرون امدوه بمعلومات عن تكوين الذهب، ومنهم عمال التعدين انفسهم ممن يتحدثون ‏العربية بفصاحة، او الفرس الذي كانوا يشتغلون بالفضة.‏

وكان الهمداني موضوعياً في مصادره فهو يقارنها ببعضها، ويعرض الآراء المختلفة ‏المتعلقة بأمر واحد.‏

ولقد خالف البيروني، وابن سينا في كونه ليس عدواً للكيمياء بمفهومها القديم، فهو لا يذمها، ‏وانما يسميها بتسميتها الصحيحة، اذ انها تعنى في الواقع بتقليد الطبيعة، وان الذهب والمعادن ‏والاخرى تنظف بالمواد نفسها وتتأثر جميعها بالطبيعة.‏

ولم تقتصر ابداعات الهمداني على العلوم البحتة فحسب، بل شملت كذلك تناولاتها لكثير من ‏العلوم الاجتماعية، وما اتصل بها من علوم العرب من الشعر والنثر والبيان والايام والانساب ‏والسير والاخبار، وتفرد بقراءة خط المسند، وعقد المقارنة بين قواعد الكتابة في المسند وبينها ‏في العربية.‏

ورائده في هذه العلوم تحري الدقة، والتمحيص، وتقديم الدليل العلمي على رأيه في ما يرجح ‏او يثبت او يدحض، نلاحظ ذلك في جميع كتبه، ومباحثه ومن ذلك ما اسس عليه كتاب الاكليل ‏الذي توقف فيه عند قضايا كثيرة جغرافية، وعمرانية وتاريخية ولغوية وادبية، واخبارية ‏وانساب، ما جعله بحق دائرة معارف، وسفراً لا نظير له.. فهو لم يتخل عن تحري الدقة حتى ‏في اكثر المباحث اختلافاً لمبحث الانساب، حيث يورد اقوال النساب واختلافهم في اي نسب ‏مما يتطرق اليه الاختلاف ثم يرجح احداها، ويدعمها بالحجة والبرهان المقنع بكلمة موجزة ‏بحيث لا يظهر ان هناك تحيزاً او ميلاً بدون دليل او شبه دليل.‏

وهو يتمتع بالقدرة على الوصف الدقيق لما يكتب عنه، ومن ذلك على سبيل المثال قيامه ‏بوصف قصر غمدان على لسان ابن شرية: «كان للغرفة اربعة ابواب قبالة الصبا والدبور ‏والشمال والجنوب، و عند كل منها تمثال لاسد من نحاس، فاذا هبت الريح من الارياح زأر ‏ذلك التمثال الذي هو قبالة ذلك الباب، فان تناوحت الارواح جميعاً زأرت جميعاً.‏

ويتابع الهمداني وصف القصر من الداخل بدقة متناهية، تجعل القارئ يتصور القصر ماثلاً ‏امامه، وهو ما قد يمكن رساماً ماهراً من اعادة رسم لوحة مجسمة لهذا القصر، وفقاً لهذا ‏الوصف.‏

والخبر الذي يورده الهمداني، يخضعه للعقل والمنطق، فهو يقوم برواية الرواية كما سمعها، ‏ويورد الخبر كما تتناقله السنة الناس، ثم يعطي حكمه على امكانية صحتها، محكماً المنطق ‏والعقل، ومثال ذلك ما يدعيه بعض الناس من ان الجن والشياطين هي التي بنت قصر سلحين، ‏فهو يدحض هذا الادعاء وينفي القول من ان ذلك مكتوب في نقش مساند اليمن، مستنداً الى ‏معلوماته التاريخية، والى اسلوبه الاقناعي كقوله: «ولا يمكن ان تكون الجن كتبت هذا لعلتين، ‏الاولى انهم ذكروا انهم بنوا سلحين في سبع وسبعين سنة، ولم يكن بين موت سليمان، وصدر ‏ملكة سبأ عنه الا سبع سنين بقول المكثر، وعند موته رفعت الجن ايديها من الخدمة، وقبضت ‏رباقها من ملك السحرة، والثانية قول علقمة يذكر ان الناس بنوها لا الجن:‏
ابعد سلحين لا عين ولا اثر
ام بعد بينون يبني الناس ابياتا

ويقول الهمداني في الجزء الثامن من كتاب الاكليل «وقد اكثر الناس في بناء الجن لقصور ‏اليمن، فما ذلك الا من زيادات الناس في الاحاديث».‏

وفي موضع آخر من نفس الكتاب يقول الهمداني كذلك: «والعرب ينسبون كل مستطرف من ‏البناء الى سليمان بن داود عليه السلام، كما ينسبون كل قديم الى عاد».‏

وحيث روى الهمداني عن ابن هشام الكلبي، عن الرائي قصة الرجل الذي عاش اكثر من ‏ستمائة سنة، عقب على ذلك بقوله: هذا حديث فيه حيف.‏
ورأينا من قبل كيف كان يحرر الحقائق العلمية من الغموض والابهام والخزعبلات التي ‏حاكتها الروايات والأخبار التي تفتقر الى الموضوعية والدقة العلمية، ويسوق لابراز حقائق ‏الامور الحجج العلمية والتجريبية كما في موضوع اثبات حاجة النفس والسراج الى النسيم.‏

وكثيراً ما يستخدم الهمداني لفظة قيل ويقال، عندما يقف على موضوع غير بين الملامح، ثم ‏انه يذهب الى تعزيز معلوماته ورفدها بالشواهد من الكتاب والسنة والشعر والأمثال والرواة ‏المعروفين.‏

وعلى أساس من هذا الاسلوب العلمي تأتي اسهامات الهمداني، وآثاره وكتاباته في العلوم ‏الأدبية والاجتماعية ففي مجال الادب: شهد القرن الرابع الهجري بداية حركة شعرية واسعة، ‏والتي اخذت تغذيها تنافسات وصراعات سياسية ومذهبية وقيام الدويلات التي استقطبت في ‏خصوماتها الشعراء، واغدقت عليهم الاعطيات وعلى سائر الادباء والكتاب الذين ذهبوا ‏يمتدحون فضائل دول ويذمون أخُر، ويدافعون عن حكام، ويهجون آخرين، وينتصرون لهذا ‏المذهب او ذاك، وكادت اليمن بتاريخها العريق، وشمائل اهلها وفضلهم على امتهم، وعلى ‏نصرة الاسلام، تنسى، بل لقد تجرأ البعض عليها بالنكران والجحود، فما كان من الهمداني الا ‏ان رشح نفسه لخوض معركة ادبية وفكرية وسياسية، دفاعاً عن اليمن ومجدها الحضاري، ‏ونبل فضائلها وعظيم مكارمها، وقام بجهد خلاق في التاريخ لأنسابها وتبيان آثارها، ومآثر ‏حضارتها وآدابها وسائر فنونها.‏

ولقد تسبب الذين اجترحوا السيئات في حق اليمن وأهلها بارتفاع حمىّ الغيرة لدى الهمداني، ‏ما جعله يحيد في بعض التعبيرات عن اسلوبه العلمي المعهود، ولعله كان مضطراً تحت وطأة ‏الظلم ان يعمد الى الجهر المضاد بنفس ما جهر به المتطاولون على اليمن من سوء القول، فقد ‏اشتهرت له قصيدة الدامغة والتي مطلعها:‏
ألا يا دار هلا تنطقينا
فإنا سائلون ومخبرونا

وهي تقترب من ستمائة بيت، رد فيها على قصيدة للكميت بن زيد الاسدي، في المفاخرة ‏والمفاضلة بين القبائل الشمالية والجنوبية، ثم ما لبث تحت وطأة خلافه مع الامام الناصر ان ‏قام بشرح الدامغة دفاعاً عن احساب قومه، متحملاً في ذلك عنت العداوة والسجن، صائناً لسانه ‏في كل الأحوال عن كل الاقذاع. والله يعفو عن من قد اتى زللا.‏

ولقد قدم الحسين بن خالويه (ت 370ه) من حلب الى اليمن، واقام بمدينة ذمار يجمع ديوان ‏شعر للحسن الهمداني، ويذكر السيوطي في البغية، ان هذا الديوان يقع في ستة مجلدات، ونجد ‏نماذج كثيرة من شعره في كتاب الاكليل، كما اورد المحقق محمد علي الاكوع قصيدة مطولة ‏للهمداني في مقدمة الاكليل بعنوان قصيدة الجار.‏

من جهة اخرى لفت الهمداني الانظار الى الكاتب البليغ بشر بن ابي كبار البلوي (ت بعد ‏‏202 ه/ 807 م)، حيث اورد له احدى عشرة رسالة من رسائله، ووصفه بأنه كان من ابلغ ‏الناس، وكانت بلاغته تتهادى في البلاد، وكان له فيه مأخذ لم يسبقه اليه احد، وبأن له قدرة ‏عجيبة على استحضار ما يشاء من آيات القرآن، والسيرة النبوية متى يشاء، ودون اجهاد، وانه ‏كان صاحب اسلوب متفرد في الكتابة الفنية وليس هناك من يحاكيه في «حسن اختلاس ‏القرآن»، فقد جعل النص القرآني جزءاً اصيلاً من رسائله، وليس من يضاهيه من كتاب النثر ‏العربي حتى اواخر القرن الرابع الهجري في نصاعة الاسلوب، بل انه يمثل قمة رفيعة في ‏النثر العربي، ونموذجاً عربياً سابقاً للجاحظ، كما يمثل اسلوبه عملاً متقدماً ملحوظاً في بناء ‏الرسالة النثرية على عبدالحميد الكاتب.‏

وتفرد الهمداني بأولوية التعريف بخط المسند، وقد خصص لحروف المسند باباً في الجزء ‏العاشر من الاكليل، وعقد مقارنة بين قواعد الكتابة في المسند، وبينها في العربية في ما يخص ‏حذف الالف اذا وقعت في وسط الحروف «الرحمن» ويفسر بعض الكلمات الحميرية الواردة ‏في المساند فيقول ان التسلبي التجمع، والمسلبي المجمع بلغة حمير، في شرحه لاحد ‏النصوص.‏
وقد اورد ابياتاً من الشعر بالحميرية مثل:‏
إني انا القيل الى شرح
حصنت غمدان بمنهمات
وأورد ابياتاً بلغة عربية وبخط المسند:‏
شحرار قصر العلا المنيف
اسه تبّع ينوف
يسكنه القيل ذي معاهر
تخر قدامه الانوف

وقد قدم الهمداني خدمة جليلة لليمن ولأمته وللبشرية جمعاء بالتعريف بالمواطن التاريخية ‏لقلم المسند الذي فك رموزه، وذكر محافد اليمن قصورها واسدادها وهياكلها وآثارها، ووصفها ‏وصفاً شيقاً وعلى حقيقتها الماثلة لذلك التاريخ المضمخ بأمجاد تلك الحضارة، وابرز باعتزاز ‏طبيعة نظام الحكم في اليمن، القائم على الاختيار والانتخاب الذي تؤيده الشورى المشار اليها ‏في سورة النمل لقصة ملكة سبأ مع سليمان.‏

وبرع الهمداني في الجغرافيا الوصفية، وعُدَّ من فحول الجغرافيين الذين تضلعوا من هذا ‏العلم، ونقبوا في غرائبه ونوادره، فقد كتب في هذا العلم عن رؤية ومعرفة في كتابه صفة ‏جزيرة العرب، في ما يخص جزيرته، وكتب عن غيرها من خلال ما قرأ ونقل عن غيره، ‏وسجل في كتابه هذا جغرافية وصفية للطبيعة والسكان، فذكر طبائع سكان جزيرة العرب، ‏وذكر مساكن هذه الجزيرة، ومسالكها مياهها وجبالها ومراعيها وأوديتها، ونسبة كل موضع ‏منها الى سكانه، ومالكه على حد الاختصار، وعلى كم تجزأ هذه الجزيرة من جزء بلدي، ‏وفرق عملي، وصقع سلطاني، وجانب فلوي، وحيز بدوي، وحدد بخطوط الطول والعرض ‏موقع جزيرة العرب، وذكر اطوال مدن العرب المشهورة وعروضها.‏

وبعد:‏
فلعل في ما تقدم عرضه -على ما فيه من ايجاز- ما هو كاف لرسم صورة تقريبية لابرز ‏ملامح فكر هذا العالم الموسوعي وآثاره العلمية والادبية.‏

ومن المناسب ان نختم الموضوع بالحديث -وان بايماءة سريعة- عن الاطار الزمني، ‏والمضمون الفكري والثقافي للعصر الذي عاش فيه الهمداني، لما لها من انعكاس على فكره ‏وموسوعيته.‏
ففضلاً عما تم التطرق اليه في سيرة الهمداني، عن اسرته ومجتمعه وحياة الترحال، وطلب ‏العلم في مكة ومن اخذ منهم من العلماء او قرأ لهم، فإن الهمداني ينتمي الى فترة زمنية شكلت ‏العصر الذهبي للثقافة العربية وازدهار العمران، واتاحت مجالاً رحباً امام الفكر الذي احتوى ‏في احشائه شؤون الدين ومقاصده، وظروف المجتمع والحضارات الاخرى، وادرك ان النقل لا ‏يلغي العقل، كما لا يلغي العقل النقل، وان اي تناقض بينهما ينفي الحضارة.. مما وسم ذلك ‏العصر بقوة الفكر والابداع والاثراء الذي لا مثيل له في الفقه ومذاهبه، والكلام ومدارسه، ‏والفلسفة وتياراتها، والسياسة وفروقها، والتعددية الدينية بمللها ونحلها، والتمايزات القومية ‏بلغاتها وخصوصياتها وفي الفنون والآداب، وفي الانفتاح على مختلف الثقافات والحضارات، ‏اذ تيسر للعقل العربي الاسلامي ان يؤدي دوراً حضارياً ريادياً، وان يرتقي الى المستوى الذي ‏يمكن من البحث عن الحكمة فهي ضالته، وانى وجدها فهو احق بها، وطلب العلم في شرع الله ‏فريضة على كل مسلم ومسلمة، حتى وان بعدت الشقة فطلبه قائم ولو بالصين، وهذا ما جعل ‏العقل العربي الاسلامي قادراً على التحرر من الخوف على دينه وعربيته ان تغزوهما علوم ‏الاخرين ومصطلحاتهم، فإن العربية بالاسلام لغة الحضارة الانسانية جمعاء وهي من ثم قادرة ‏على استيعاب المصطلحات واحتوائها في احشائها، بل ان مما يسجل بمداد الفخار، دور ‏الحضارة العربية الاسلامية في صونها للملكية الفكرية لما ترجمه علماؤها من كتب الاقدمين ‏وحضارتهم، وانقاذ ما اوشك ان يندثر من العلوم التي آلت حضارتهم الى الزوال، فحققت بذلك ‏الجهد الرائع تواصلاً حضارياً خدمت فيه البشرية على مر العصور، هذا فضلاً عما ارسته من ‏سلوك اخلاقي، وامانة علمية ومنهجية في البحث العلمي صارت تقليداً يلتزم به العلماء ‏والباحثون في مختلف العلوم في عصرنا.‏

لقد عاش الهمداني في ذلك العصر الذي اظهر نمطاً من العلماء والمفكرين الذين عاشوا الدين ‏والدنيا، وابدعوا علمياً وفكرياً، من اصحاب معادلة الطبيب الفيلسوف، الفقيه، المثقف، العالم ‏المكلف بتعمير الكون، امثال الكندي وابن حيان، وابن سينا، والغزالي، وابن رشد، وابن زهر، ‏والبيروني والرازي وابن النفيس، وابن باجه وابن طفيل، وثابت ابن قرة، وابن القف وابو ‏القاسم الزهراوي، وابن البيطار وابن ابي اصيبعه، وابن الهيثم وغيرهم من علماء الدين ‏ورجال العلم في العصر العربي الاسلامي الوسيط، اولئك الذي رأوا ان النقل حافز لاكتشاف ‏الكون، لانهم يمتلكون فكرة وكما يقول الامام علي كرم الله وجهه: «من كانت له فكرة ففي كل ‏شيء له عبرة..»، وكذلك كان الهمداني واحداً من اصحاب تلك المعادلة، وعلماً من اعلام ‏الامة، ورائداً بين العلماء الافذاذ، يمتلك فكرة.. وله في كل علم باع وعبرة.‏

المصادر والمراجع:‏
‏1- الاكليل الجزء العاشر – تحقيق محمد الخطيب القاهرة 1368ه.‏
‏2- الاكليل الجزء الثاني – تحقيق محمد علي الاكوع القاهرة 1966م.‏
‏3- الاكليل الجزء الثامن – تحقيق محمد علي الاكوع دمشق 1979م.‏
‏4- الاكليل الجزء الاول – تحقيق محمد علي الاكوع القاهرة 1963م.‏
‏5- صفة جزيرة العرب، ط/1 مكتبة الارشاد – صنعاء.‏
‏6- كتاب الجوهرتين العتيقتين حققه وقدم له د. كريستوفر تول اشرف على طبعه وترجم ‏الدراسة د. يوسف محمد عبدالله ط/2 1985م.‏
‏7- الهمداني لسان اليمن: دراسات في ذاكرة الالفية تحقيق د. يوسف محمد عبدالله جامعة ‏صنعاء 1407ه – 1968م.. شركة دار التنوير للطباعة والنشر بيروت – لبنان.‏
‏8- د. يوسف محمد الله: ترجمة الهمداني صياغة جديدة انظر الهمداني لسان اليمن (المرجع ‏السابق).‏
‏9- هاشم الايوبي: الهمداني واللغة والواقع انظر الهمداني لسان اليمن (المرجع السابق).‏
‏10- القاضي محمد علي الاكوع: لسان اليمن الهمداني.. انظر الهمداني لسان اليمن (مرجع ‏سابق).‏
‏11- محمود صغيري: الهمداني، مصادره وآفاقه العلمية، مركز الدراسات والبحوث اليمني ‏‏1981م.‏

‏* عضو مجلس الشورى، باحث وكاتب
* نشرت هذه المادة في صحيفة “26سبتمبر” أكتوبر 2008.