للسلام منطق.. وللحرب آخر

للسلام منطق.. وللحرب آخر
ياسين سعيد نعمان

سفير اليمن في بريطانيا الدكتور ياسين سعيد نعمان يكتب: للسلام منطق.. وللحرب منطق مختلف – آخر


عندما تفرض عليك الحرب، حارب بأدوات الحرب ومنطق الحرب، لا بأدوات ومنطق السلام..
فرض الحوثيون الحرب على اليمن في ظرف كان السلام فيه معروضاً على طاولة بحجم اليمن، قلبوا طاولة السلام، ونصبوا عوضاً عن ذلك منصة الحرب وشيدوا مذبح الفتنة.

حاربت الحكومة الشرعية بأدوات وخطاب ومنطق السلام، وظلت تعبئ نفسها وأنصارها للسلام.. وبين خطاب السلام وحاجة الحرب للحشد والتعبئة يكمن سر المشكلة. وكانت كلما انتصرت في جبهة رفع الآخرون في وجهها كرت ” السلام”.. وعندما تنكسر في أخرى تتراقص أجراس الاستسلام من كل حدب وصوب عوضاً عن السلام.
الحوثيون قرروا الحرب، وظلوا يعبئون أنفسهم ومن معهم للحرب بأدوات الحرب وضجيجها.
هناك فرق كبير بين من يجهز نفسه للحرب.. ومن يعد نفسه للسلام..
الحرب لها لغتها وأدواتها وآلياتها..
والسلام له خطابه وأدواته وآلياته..
لا يستوي أبداً أن تحارب بأدوات ومنطق السلام.

ندرك وجاهة الذين يهتفون بإسم السلام، لكنهم لا يحرصون كثيراً على نبالة دعوتهم، ويعرضونها لامتحان المصداقية الصعب حينما يتجاهلون في نداءاتهم الطرف الذي أشعل الحرب، وقلب الطاولة على السلام منذ البداية.

وهم بذلك لا يصنعون أكثر من أنهم يخلخلون جبهة المتمسك بالسلام بالمزيد من الضغوط والمزيد من الوعود بسلام لن ينتج غير معادلة سياسية عمودها الانقلاب الذي أنتج الكارثة والذي يغيب للاسف في نداءات السلام.

لا يهتم العالم كثيراً بنبل السلام حينما يشعل المفسدون الحروب، وحتى حينما تصدمه المأساة الانسانية بعد ذلك، لأنه يحتفظ في ذاكرته بتجارب تاريخية للحروب التي يفجرها البغاة والمفسدون والارهابيون في وجه الأمم.

والعالم يرى ضرورة تأديب هؤلاء، ولا يرى سبباً في أن يقحم السلام عند مواجهتهم، فحينما يشعلون الحروب لا مناص من مواجهتهم وهزيمتهم، وإلا فإن المواجهة المدللة بالدعوة للسلام لن تكون سوى سبباً في خوض حروب تؤدي إلى خسائر لا مبرر لها، فالوضع الطبيعي هو ردعهم لا مكافأتهم.

ذهب “تشمبرلن” رئيس وزراء بريطانيا عام 1938 إلى ميونخ يحمل مشروع سلام مع “هتلر”، وكان الجميع يعرفون أن “هتلر” يعد ألمانيا لحرب انتقام شاملة، وكان كل ما عمله ازاء مبادرة السلام البريطانية هو أنه وهب “تشمبرلن”ورقة ضمان عدم اعتداء شكلية، لم تصمد أمام نزعة هتلر العدوانية.

كان لا بد من إخراج بريطانيا وحلفائها الأوربيين من حفرة ” السلام” التي ارادوا أن يواجهوا منها “هتلر”.

قررت بريطانيا بقيادة “تشرشل”مواجهة هتلر وحيدة بعد اجتياحه هولندا وبلجيكا ولكسمبورج وفرنسا واعتذار الرئيس الأمريكي روزفلت عن تقديم المساعدة بسبب أنه محايد في الصراع الأوربي، ورأى الاستراتيجيون يومها أن هتلر لم ينتصر على أوروبا إلا لأنه قرر أن يحارب وقررت هي ان تتمسك بالسلام. واختلف الوضع بعدئذ عندما قررت أن تحارب.

عادت زوجة تشرشل من قداس الكنيسة ذات صباح أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد اجتاح الالمان باريس، فقالت له “ان الواعظ في الكنيسة يخاطب المؤمنين ويدعوهم إلى السلام “، فغضب تشرشل، وقال لها ” كان يجب ان تقولي له أن يخجل من نفسه بتحقير بيت الله بمثل هذا الخطاب، إن ما تحتاجه بريطانيا في مواجهة هتلر شيئ مختلف”.

السلام قيمة نبيلة في حياة الأمم، ويسجل التاريخ أن اليمنيين في تأريخهم الحديث كانوا أكثر وفاء لهذه الحقيقة عندما تحاوروا، وفوتوا الفتنة، وحاصروا نزعة الغلبة بمنطق التفاهم الوطني..لكن الذين خانوا هذا الجهد العظيم وفتكوا بهذا المسار السلمي التاريخي، ليسوا في وضع يؤهلهم للتعاطي مع هذه القيمة النبيلة.. ولن يفلحوا.

  • صفحة الكاتب

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية