الشعائر التوحيدية بين حضارة سبأ ورسالة الإسلام

الشعائر التوحيدية بين حضارة سبأ ورسالة الإسلام
علي البكالي

علي البكالي يكتب: الشعائر التوحيدية بين حضارة سبأ ورسالة الإسلام


الأمة اليمانية في الحقيقة مصدر التوحيد والدين كله، ففيها أوائل الأنبياء والرسل أجمعين، فهي وارثة ديانة نوح -عليه السلام- وفيها أول نبي بعد نوح هو نبي الله هود بن عابر، وهو الأب الأعلى لكل اليمنيين.

وفي الأمة اليمنية بعث الله عدداً من الأنبياء والرسل من بني قحطان، منهم نبي الله إدريس، وذو القرنين، وصالح، ويونس، وشعيب، وإلياس، وذا الكفل، وقد أنشد شاعر اليمن حسان بن ثابت أمام الرسول عليه الصلاة والسلام خبرهم فأجازه على ذلك إذ قال:

فَنَحنُ بَنو قَحطانُ وَالمُلكُ وَالعُلا
وَمِنّا نَبِيُّ اللَهِ هودُ الأَحابِرِ

وَإِدريسُ ما إِن كانَ في الناسِ مِثلُهُ
وَلا مِثلُ ذي القَرنَينِ أَبناءِ عابِرِ

وَصالِحُ وَالمَرحومُ يونُسُ بَعدَما
أَلاتَ بِهِ حوتٌ بِأَخلَبَ زاخِرِ

شُعَيبٌ وَإِلياسُ وَذو الكَفلِ كُلُّهُم
يَمانونَ قَد فازوا بِطيبِ السَرائِرِ

ولقد كان الدين في اليمن القديم يمثل محور الحياة كلها، فقد ربط اليمنيون القدماء كل مجريات حياتهم بالإله، وكانوا يعتقدون بأنه معهم في كل تفاصيل حياتهم، في الحرب والسلم، وليست المعابد سوى مكان التعبد للإله، وهو إله واحد لا يتجسد، وليس له نظائر وأشباه، فلم يجسد أجدادنا العظماء الإله المعبود بأي شكل كما فعلت الأمم الأخرى، كالتجسيد بتمثال منحوت أو صنم، فالديانة اليمينة في الأصل لم تكن كالديانات الوثنية التي تصور الإله بأشكال بشرية أو حيوانية، كما لم تكن تؤمن بتعدد الآلهة، وإنما كان تعدد الصفات (إله الشمس وإله القمر وإله النجوم) تعبيرا عن تمظهرات الإله الواحد ذي الصفات المتعددة، تماما كما وصفها القرآن الكريم.

أما مجمل الاعتقاد فهو قائم على فكرة الإله الأوحد القادر الرزاق، واهب الكمال كله من الحياة والرزق، والقادر على سلبه، وكانت أهم إشارة للإله في النقوش السبئية هي كلمة (ر ث د)، وهي رمز الحماية والحفظ والعناية الإلهية التي تُكتب على نقوش التقْدِمات والقرابين.

وفي بعض النقوش كانت تحل محل إشارة الحماية (رث د) رمز “الهلال والقرص” الذي تم تجسيده بشكل قرون الثور التي تشبه شكل الهلال، أو بشكل حرف الخاء المسند التي عادة ما يرمز بها للقداسة، وتوضع على المعابد كمعالم مرتفعة، وهو الرمز الذي نقل لاحقاً إلى المآذن الإسلامية، فصارت تحمل رمز الهلال والنجمة.

ولقد كانت أمتنا اليمنية العظيمة أول أمة تبتني المعابد وبيوت الصلاة والعبادة، على وجه الأرض، وهي أول أمة سنت الشعائر التعبدية، وأول من وضع التشريع وقوانين الحلال والحرام، ولم يسبقها أحد من الأمم ولا الأديان، بل إننا نجد كل الأديان السماوية تقتبس من الشعائر والتشريعات الدينية لحضارة سبأ وتبع، بما في ذلك رسالة الإسلام وشعائرها، فقد أطلق قدماء اليمنيين على المعابد لفظة “حرم” و”محرم”، بمعنى المكان المقدس، أو المخصص للعبادة المقدسة، وهو المصطلح الذي أطلق على البيت الحرام بعد بنائه.

وسن أجدادنا العظماء قانوناً دينياً للتعامل مع المعابد، فحرموا ممارسة أي شيء فيها غير العبادة، وحرموا دخولها بملابس متسخة، أو بدون طهارة، كما حرموا على النساء من دخولها خلال فترة الحيض، وهي ذاتها التشريعات التي توارثتها الأديان السماوية في تقديس أماكن العبادة، وكيفية الاستعداد للصلاة بالطهارة والوضوء، وقد أمر القرآن الكريم المسلمين بالوضوء، وبأخذ زينتهم عند كل مسجد، كما حرم على المرأة الحائض الصلاة، وهو ذاته القانون الذي كان سائداً في الشعائر التعبدية في حضارة سبأ وتبع منذ الألف الرابع ق.م.

ومن الواضح جداً أن المعابد التي انتشرت في مصر وبابل وأشور ولدى الفينيقيين كانت منقولة عن المعابد اليمنية، فقد كان قدماء الفراعنة يطلقون على أرض سبأ (بلاد بوينت) وهي تعني الأرض المقدسة، وكانوا يأتون إلى اليمن لشراء البخور واللبان المقدس الذي كان يستخدم لتطيب المعابد ودور العبادة.

وقد ابتنى ملوك سبأ وتبع معابد على طول طرق التجارة بين سبأ والشام، كما ابتنوا معابد في المدن الرئيسة ومعابد خارجها، فكانت المعابد الموجودة خارج المدن، تُستخدم من قبل التجار والقبائل الرحالة، أما المعابد الموجودة داخل المدن فكانت مخصصة لأداء الشعائر من ساكني المدن.

ولقد كان لآبائنا العظماء طقوس تعبدية كطقوس الحج والعمرة، فكانوا يطوفون حول محرم أوام كما يطوف الحجيج حول الكعبة، وكان عدد الطواف حول معبد أوام سبعاً، يعقبه اعتراف بالذنوب، وتقديم القرابين والأضاحي، وغالبا ما تكون الأضاحي من حيوانات مفضلة للإله، وهي الوعلان، والغنم والخراف والثيران، وكان تقديم القرابين لطلب غفران الذنوب، أو لشكر لله تعالى أملا في الرحمة والرزق، وهذا يتطابق كلياً مع شعائر الحج ومقاصده في الإسلام، كما يتطابق مع التوجيهات القرآنية الخاصة بالحج، كالأمر بالاستغفار، والأمر بالنحر والتضحية بالهدي من الأنعام، مما ليس فيه عيب.

ومن الواضح أنه كانت تقام أفراح دينية موسمية، بعد انقضاء شعيرة الحج والطواف، حيث كان لملوك سبأ والتبابعة سلطة دينية في تلك المواسم الفرائحية الدينية، إذ يترأس الملك المهرجانات الدينية، ويشرف على العمليات في المعبد، وكان اليمنيون يحافظون على عباداتهم الموسمية عن طريق الاشتراك في المهرجانات الدينية، وكانت بمثابة الشعائر الجماعية كصلاة العيد في الإسلام.

ومن الشعائر التي نقلت إلى الإسلام عن الحضارة اليمنية القديمة شعيرة صلاة الاستسقاء، فقد كان لأجدادنا العظماء شعيرتان في العام يقيمونها إذا انحبس المطر، في الخريف والربيع، حيث ينهضون للصلاة والدعاء طلبا للسقيا، وكانوا يسمونها “سقي خرف ودثا” أي “سقي الخريف والربيع” وإن أنعم عليهم الله بالمطر، قدموا القرابين شكرا وحمداً لأفضاله عليهم.

ومن التشريعات التي سنها ملوك الحضارة السبئية وملوك التبابعة عقوبة قتل القاتل حداً بالسيف، وعقوبة الدية في الخطأ، حيث وجد في نص سبئي يعود للقرن الثامن ق.م، أمر قبيلة أحد المجرمين بدفع مئتين من العملة لخزينة المعبد لقاء دم مقتول، كما منعت القوانين السبئية أصحاب الحق من ذوي المقتول أخذ حقهم بأياديهم، وفرضت عليهم عقوبات إذا ما قاموا بذلك، فالعقوبة من اختصاص قاضي المعبد ومجلس الحكم، وكانت عقوبة الفساد العام وإفساد النظام ونشر الفوضى أو الخيانة العظمى للدولة هي القتل، والقرار النهائي والأخير ليس بيد القاضي، بل بيد رأس الدولة، ومن حق الملك العفو، حيث وردت نصوص عن عفو يصدره الملوك تجاه الآخرين، مع اشتراط الملك أن يقدم المعفو عنه قربانا في المعبد، وأن يسأل الله أن يغفر له تعديه على النظام، وهو يشبه حد الحرابة في الإسلام.

كما كشفت النقوش الأثرية عن قوانين سبئية وحميرية تحرم وتمنع وأد البنات، وهو ما يتطابق كلياً مع تعاليم الإسلام التي حرمت وأدَ البنات، وهي عادة كان البدو من الأعراب يمارسونها مخافة العار، وقد حرمتها دولة سبأ، واعتبرتها جريمة إنسانية، وجاء الإسلام ليؤكد على ذلك.

وكشفت النقوش -أيضا- عن قوانين الزكاة، والتي كانت تسمى “واجب”، ومقاديرها العشر ونصف العشر، وكان الذين يتهربون من دفعها يعاقبون بخمسين جلدة في مكان عام.

وكان السبئيون يفرقون بين الزكاة والضرائب، فقد سجلوا القوانين الخاصة بالزراعة والتجارة، على صخور كبيرة الحجم، فإذا كانت ذات علاقة بالتجارة فإنّها تُوضع على مداخل الأسواق، أمّا إذا ارتبطت بالزكاة والمزروعات فإنها كانت توضع في المعابد.

بهذه الحقائق التاريخية يتضح بيقين تام أن رسالة الإسلام الخاتمة هي التوثيق المقدس للتوحيد اليمني الخالص، وأنها تعبر عن الروح اليمنية المؤمنة بالله الواحد، المتصالحة مع تعاليم الوحي عبر تاريخ البشرية، وأنها تمثل الحلقة الأخيرة في سلم التطور الروحي للأمة اليمنية المقدسة، فهي الأمة التي لم تسجد لصنم قط عبر ما يزيد على سبعة آلاف عام،

بخلاف قريش التي عبدت الأصنام في جوف الكعبة، وجادلت في عبادتهم ربنا سبحانه وتعالى فقالت: “إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى”، فالأمة اليمنية هي التي أخذت شرائع الله وشعائره عبر تاريخها الطويل مخلدة بذلك أروع وأطول وأصدق علاقة روحية بين الإنسان والخالق الأوحد سبحانه.

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية