حصاد مياه الأمطار وحصن عفار: الإبداع الهندسي اليمني القديم

حصاد مياه الأمطار وحصن عفار: الإبداع الهندسي اليمني القديم
حصار عفار في حجة ومياه الأمطار نموذج الإبداع الهندسي اليمني القديم (فيسبوك)

صالح السحيقي يسلط الضوء على حصاد مياه الأمطار  وحصن عفار: الإبداع الهندسي اليمني القديم


مسجد حصن عفار في محافظة حجة منصوب فوق قمم الجبال، وفي هذا المكان المرتفع لا مجال للحصول على المياه إلا من الأمطار الموسمية، ولأجل حصاد مياه الأمطار لابد من وجود مستوعبات كبيرة لجر المياه إلى داخلها بطريقة هندسية معينة تتواءم مع تضاريس الجبل وتنفذ جدرانها على أسس هندسية صحيحة تقاوم ضغط المياه وتمنع تسريبها إلى الخارج.

سبق وأن شرحنا كيفية تشييد خزانات حصاد مياه الأمطار في أكثر من مقال وبالتفصيل، ولكن تظل بعض الخصوصيات الفنية لكل نوع منها ومن المهم التطرق إليها لتوضيح مقدار الإتقان في العمل ومحاكاة أسس التصميم الهندسي كما لو كان اليوم..

في هذا المكان المرتفع ذات الحواف الصخرية الصلبة من الصعب النحت في الصخور بمساحات كبيرة لعمل مستوعب مائي كبير يفي بالغرض، ولكن يمكن تنفيذ ذلك بطريقة أخرى.

في أحد الجهات من الحصن ثمة مجاري سيول تهبط من فوق الصخور العالية نسبيا عن قمة الحصن وممكن الإستفادة منها جرها داخل وعاء وإعادة استخدامها.

في هذا المكان وقف خبراء البناء والهندسة القدامى وفكروا كثيرا ثم رسموا مخطط حسي للخزان المستقبلي.. الفكرة تقوم على أساس بناء ثلاثة جدران من فوق مستوى الأرضية من جهات ثلاث بينما تعمل الصخور البارزة في الجهة الرابعة جدار طبيعي أصم لإقفال محيط الخزان المستقبلي.

الجدران الخارجية كما هو ملاحظ بالصورة صممت لمحاكاة قوة ضغط المياه الكبيرة من الداخل في ذلك الزمان وكأن الهندسة وقوانينها كانت معروفة لديهم فتم حساب عرض الجدار وتشكيل الأساس من الأسفل بالعرض المناسب ثم بناء الجدار الداخلي من الأحجار المهندمة جيدا في الجهات الثلاثة حيث أرضية الخزان منحدرة قليلا ومن المهم انتهاء قمة الجدران في منسوب واحد ثم تلبيسها من الداخل بطبقة سميكة من مادة القضاض لمنع نفاذ المياة إلى الخارج..

على بعد خطوات مدروسة تقام أساسات الجدار الخارجي والبناء بالأحجار المهندمة الصلبة وصولا بالارتفاع إلى مساواة الجدار الداخلي ليتكون خندق بين الجدارين الداخلي والخارجي.. هذا الخندق يعباء بردميات مختارة من الطين والرمل على طبقات وصولا إلى القمة حيث يتم عمل طبقة سميكة من عجين الطين المخلوط بالتبن كمادة مانعة لتاكل مكونات ردميات الوسط وكثير من الاحيان يتم الرص بالحجر المدعم بالقصاص بين الجدارين.

الجهة المقابلة من الصخور تربط جيدا بالجدران الحجر وتشكيل درجات بناء حجر للهبوط الى قعر الخزان بأحكام وتلبيسها بمادة القضاض بشكل جيد وتهذيب مجاري السيول النازلة إلى البركة وعمل صفايات دائرية أو مربعة قبل دخول المياة الخزان لتصفيتها من الشوائب، ولا ينسى البناءون من عمل مفيض للمياه الزائدة بطريقة هندسية غاية بالاتقان تسمح بخروج المياه بعيدا عن جسم الخزان دون أحداث أي نحت خارجي، وهكذا ينتهي العمل ويصبح الخزان جاهزا للاستخدام.

عند هطول الأمطار يمتلئ بالمياه دون أن تنهار الجدران وتدخل اليه المياه نظيفة بدون شوائب لأن الصفايات عند مدخله تعمل بإتقان.

العمل الهندسي قبل آلاف السنين في بلاد اليمن القديم لم يكن عشوائيا وكان مدروسا إنشائيا ومكانيا وينفذ على أسس هندسية مخطط لها مسبقا.

مثل هذه الأعمال لا شك كان لها مدارس تناظر جامعات اليوم تتوارثها الأجيال وتعمل بها.. إنه اليمن القديم وحضارته العريقة.

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية