الأحد 26 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • صخرتان وقادح زناد.. من وحي الأحداث الراهنة

صخرتان وقادح زناد.. من وحي الأحداث الراهنة

صخرتان وقادح زناد.. من وحي الأحداث الراهنة

اشتهر اليونانيون القدماء برحلاتهم البحرية وطالما أطلق عليهم "أسياد البحار" وهو ما انعكس في أساطيرهم الأدبية، ومنها ما ورد في في ملحمة الأوديسة لهوميروس، في قصة صخرتي "سيلا وشريبديس"، 

وتروي حسبما هو مشاع عبر الانترنت، حكاية عبور البطل أوديسيوس بسفينته في ممر مائي شديد الضيق والخطورة، تحيط به من الجانبين صخرتان مرعبتان؛ الأولى شاهقة يسكن في كهفها المظلم الوحش "سيلا" ذو الرؤوس الستة الذي ينقض فجأة ليخطف البحارة، والثانية تخفي التنين "شريبديس" الذي يتجسد كفم عملاق يبتلع مياه البحر صانعاً دوامة بحرية هائلة تسحب السفن بالكامل إلى قاع الجحيم. وجد أوديسيوس نفسه أمام معضلة قيادية أليمة؛ فإما أن يقترب من الدوامة فيخسر سفينته وكل رجاله، أو يقترب من صخرة الوحش سيلا فيضحي بستة من رجاله لينجو بالباقين، فاختار مجبراً تجرع "أخف الضررين" والتضحية بالبحارة لتعبر السفينة.

يداك أوكتا وفوك نفخ

ربما أرادت إيران تحويل مضيقي هرمز وباب المندب إلى ما يشابه هذا الممر الاسطوري المرعب في ملحمة الأوديسة، فبعد أن فشلت في تحمّل نتائج سياستها التدميرية في المنطقة، ومواجهة تحديات الحرب الأمريكية عليها خلال حربي الثمانية أيام والأربعين يوما، سعت طهران إلى تحويل هذه الممرات المائية الحيوية إلى ورقة ضغط استراتيجية وساحة ابتزاز دولي، حيث عملت ولا تزال على وضع العالم في ذات حيرة أوديسيوس: إما القبول بـ "سيلا الإيرانية" التي تمارس القرصنة الانتقائية، واستهداف الناقلات، لفرض ضريبة خوف مستمرة، أو مواجهة "شريبديس" المتمثلة في تهديدها الدائم بإغلاق المضائق وتفجير حرب إقليمية شاملة تبتلع الاقتصاد العالمي.

وهنا تجلت المفارقة وانقلب السحر على الساحر؛ ففي حين كان هدفها تحويل مضيقي هرمز وباب المندب إلى ما يشابه حكاية الصخرتين فيما يتعلق بالسفن التجارية المارة عبر مضيق هرمز، كان أن مصير سفنها هو من ذاق نتيجة هذا التصرف حين فرضت الإرادة والإدارة الأمريكية الحصار على موانئها، وهنا يتجسد المثل العربي "يداك أَوْكَتَا وَفُوكَ نَفَخَ" في أنصع صوره؛ فطهران هي من ربطت عقدة الحصار بيديها، وهي من نفخت في كير الفوضى البحرية لتجد نفسها في نهاية المطاف محاصرةً بذات العواصف التي صنعتها.

قادح زناد

ومع تزايد الهجمات العسكرية وحدة الضغوط والعزلة المفروضتَين عليها، حاولت إيران تحويل المعركة لاستفزاز المملكة العربية السعودية ونقل الحرب إليها، ومحاولة استدراجها وجرّها لصدام عسكري مباشر رغبة منها في تصهير الأزمات وتعقيدها-، وذلك بعد أن التزمت المملكة بتفاهماتها الدبلوماسية الأخيرة مع طهران والتزمت بأعلى درجات الحكمة ورغبة صادقة في تصفير المشاكل وتثبيت استقرار المنطقة؛ إلا أن إيران، باندفاعها الأيديولوجي وسلوكها الميليشياوي، أثبتت مجددا أنها لا ترى في الاتفاقيات سوى مناورات تكتيكية لتخفيف الضغوط الدولية عنها.

هنا لجأت إلى استخدام ذراعها الحوثي كـ "قادح زناد" مستعد لإشعال الحرائق وتهديد جيرانه والعالم عند أول منعطف سياسي يخدم مصالح طهران الخاصة، دون أن يلتفت إلى ما قد يتجرعه الشعب اليمني من كلفة إنسانية وتدميرية نتيجة هذه التبعية والتخادم والارتهان للمصالح والقرار الإيراني.

ذكرت وكالة رويترز في تقرير صدر عنها مؤخرا أن طيران ماهان نقل في رحلة ال13 من يوليو خبراء ومعدات أسلحة إيرانية، بعد أن كانت نقلت وفد حوثي إلى طهران قبله بعشرة أيام بحجة العزاء في مقتل خامنئي.

واجهت الحكومة الشرعية في اليمن هذه الخطوة بمنتهى الحسم، وفي حين كان يراهن الإيرانيون على تدخل الطيران الحربي السعودي واستهداف طائرتها لنقل المواجهة معها حصل ما لم يكن في الحسبان، هو أن اليمن قد استعادت زمام المبادرة وتفاجأ الجميع بالطيران الحربي اليمني يحمي سيادة الأجواء اليمنية بكل بسالة، وحين فشلت الخطوة والخطة، لم يكن أمام الحوثيين إلا أن يعلنوا – كما تم تلقينهم في طهران خلال رحلة العزاء – عن حصار موانئ المملكة العربية السعودية للتغطية على انكسار خطة الجسر الجوي الإيراني إما لنقل المعركة إلى المملكة أو لنقل الخبراء والمعدات الإيرانية للحوثيين الذين طالما تم تقييد أنشطتهم في هذا الجانب، وهو ما حاول الحوثيون نفيه بحجة فك الحصار، ككذبة متجددة في إطار تاريخهم الكاذب؛ ابتداءً من تكوينهم ومعتقدهم وصولاً إلى ممارساتهم، كأطول كذبة في التاريخ استمرأها أصحابها واستمروا فيها حتى صدقوها وحولوها إلى قضية ويريدون من العالم تصديقها.

مربط الفرس

أمام هذا الانكسار الفاضح لمشروع الجسر الجوي الإيراني، لم يجد الحوثيون مفرا من العودة إلى استفزازاتهم عبر إعلانهم الساذج عن "حصار موانئ المملكة العربية السعودية"، واستهداف المطارات وغيرها، هذا التهديد العبثي لأمن المنطقة، يضعنا اليوم أمام حقيقة واحدة لا تقبل التأجيل: وهي أن مربط الفرس في صياغة الحل الحقيقي واستعادة استقرار الإقليم، ليس مجرد رصد الهجمات والرد عليها، ولكن يكمن في الانتقال إلى استراتيجية "الهجوم وإعادة توجيه المعركة نحو صنعاء، فلم يعد هناك متسع للتعايش مع أطول كذبة في التاريخ؛ ذلك أن حماقات الحوثيين الأخيرة يجب أن تُترجم إلى قرار حاسم وقاطع بتحريك كافة الجبهات العسكرية، وتجميع قوى الشرعية والتحالف لاقتلاع الانقلاب الحوثي من جذوره، وقطع إصبع طهران عن زناد المشاكل والأزمات بخاصرة الجزيرة العربية وعمقها الاستراتيجي.

الخلاصة: الصخرتان الأهم

تذكر مصادر الأدب العربي ما يعرف بصخرة الجواء او "صخرة النصلة" والتي كان يربط الفارس عنترة بن شداد تحتها فرسه لتشهد على الوفاء والحب والسلام، ففي حين تبدو للناظر من الخارج منقسمة بشق عمودي يفصل بين جزأيها، إلا أنها في الحقيقة تظل كتلة صخرية صلبة واحدة، لم تسقط أو تؤثر فيها تغيرات الطبيعة منذ زمن بعيد، وهذا ما يمكنني إسقاطه على عمق وطبيعة العلاقة الوثيقة والوطيدة بين البلدين، فرغم وجود الحدود السياسية والتقسيمات الجغرافية الظاهرية، إلا أن البلدين يظلان كتلة استراتيجية واحدة وجدار صد أشم لا يقبل التجزئة، وما يمس أمن الرياض يتأهب له السلاح في اليمن، وما يهدد استقرار اليمن ينهض له الأشقاء في المملكة..


فهل ستكون المضائق المائية وخطوط الملاحة هي ساحة الرد الوحيدة بعد أن فشلت معركة الأجواء، أم أن هذا التحالف المصيري والالتحام الاستراتيجي، سيؤدي إلى إشعال الأرض تحت أقدام الميليشيا المرتهنة لإيران، وقطع دابر الفتنة من أساسها واقتلاع أسباب المشاكل من جذورها، وذلك حتى تتحول صنعاء من وكر للخبراء الإيرانيين إلى منطلق لاستعادة الدولة وعودة الشرعية ومؤسساتها، والملاذ الآمن لعودة ملايين النازحين والمشردين ومن ضمنهم القيادة والحكومة، إلى ديارهم بكرامة وأمان، وهناك، فوق جبال صنعاء المحررة وأراضيها المطهرة يأتي الجواب من اليمن على سؤال الشاعر إبراهيم ناجي في قصيدته صخرة الملتقى إذ يقول:

سَأَلْتُكِ يَا صَخْرَةَ المُلْتَقَى ... مَتَى يَجْمَعُ الدَّهْرُ مَا فَرَّقَا؟

ويكون لسان حال اليمنيين من بعد هذا الشتات قوله :

ويا صخرةَ العهد أُبْتُ إليكِ

وقد مَزَّقَ الشملَ ما مزقَا..