الإثنين 3 أغسطس 2026

عن محيط صنعاء ومزاجه السياسي

عن محيط صنعاء ومزاجه السياسي

على مستوى الشمال في العهد الجمهوري راجت هذه المقولة: بكيل تخطط، ومذحج وحمير تنفذ، وحاشد تحكم في نهاية المطاف!

وبالنظر إلى "بكيل" الواسعة، هناك زعامات بارعة في هندسة الخطط من زمن الدعام بن أرحب على طريقة الألمان: اجتاحوا أوروبا مرتين، ثم تأتي حصّادة الإنجليز.

هذه مقدمة لا علاقة لها بهذه المقاربات التي سأضيفها ـ هنا ـ ضمن تأملات عابرة داخل مجتمع السياسة والحكم، متوغلاً بين تضاريس محافظة صنعاء؛ لأن مقولات: حاشد وبكيل، أو زيدي/ شافعي سنة/ شيعة، ليست فعّالة كلما اقتربت القرى أكثر من تخوم العاصمة.

يهيمن المكان على فضاء مدينة سام بشكل كامل، ثم... وفي اللحظات الحاسمة يقول كلمته على نحوٍ ضافٍ وأكثر ترجيحاً لصالح الدولة الذين يتركزون هم في القلب منها!

قبائل محافظة صنعاء ميّالون إلى السياسة أكثر منهم إلى التحيزات الثقافية بأنساقها التقليدية ذات الطوابع المرتبطة بالمذهبية أو الحزبية شديدة الانغلاق عديمة الفهم.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، جاء إلى صنعاء شاب قادم من مساجد الشام (صعدة وسفيان)، ونصّب نفسه إماماً اعتماداً على كثافة الدروس التي ألقاها بشكل يومي في مسجد قبة المهدي، وعلى المبالغة الزائدة في التدين وصحة الوضوء.

حرّم عبدالله بن الحسن الغناء على أهل صنعاء، وفرض على نساء المدينة التغطية الكاملة بالستارة، وهاجم المخالفين له بشدة مثل أي شاب متدين حليق الشنب كثيف اللحية كما يصفه المؤرخون.

بدا غريباً للغاية لدى سكان صنعاء وأحيائها العريقة، ومنبوذاً عند محيطها لدرجة أنه هاجم الإسماعيلية في همدان والحيمة، ونكل بهم، بل وأخفاهم من الوجود.

ثم لما جاء الخريف ذهب إلى وادي ظهر، وكانت العناقيد دانية: فقطفت همدان نهايته بسهولة داخل دار الحَجَر.

أجهزت عليه قبيلة همدان ومن معه، ولم ينجو منهم إلا وزيره "يحيى - حميد الدين" (جد الإمام يحيى الذي بات يُعرف بعد حادثة دار الحجر بـ يحيى الحِذق).

كان المطلوب رقم 2 لهمدان لأنه الذي نفّذ الحملات، ولكن في ربكة الهجوم تصرف الوزير بذكاء، حيث رمى جنبيته الثمينة وسط جوقة المهاجمين، فانقضوا يتهازرون عليها، وهو فلت من أيديهم، فسموه أهل صنعاء يحيى الحِذق الذي أنقذ نفسه بهذه المكيدة.. وهمدان يعشقون الجنابي ذات القبضة العريضة ويموتون على نصال الحضارم.

عموماً كان معظم همدان يومها إسماعيلية ـ لأسباب سياسية ـ ثم قلبت بعد كمين دار الحجر ــ لظروف سياسية ــ إلى زيدية!

والراجح تاريخياً: أن قبائل محيط صنعاء هم أكثر من يجيد البرعة السياسية، حيث أن تبدل القناعات قد ينقلب بين ليلة وضحاها، وهي أسهل لديهم من تبديل الكوت في مواسم القِطاف، وإلا فهي أصعب من الفولاذ!

كانوا في زمن المنصور حسين زيدية إذ كانت الأوضاع ملتهبة ومتأججة، ثم لما هدأت واستقرت الأمور في زمن عياله: المهدي عباس والمنصور علي والمتوكل والمهدي عبدالله، تحولت المدينة وارتدت مع محيطها معطف السُنة.

وداخل هذه التلوينات والمناخ المتنوع وانتقالاته الناعمة، حكمت قبائل محيط صنعاء اليمن بالشوكاني قاضي قضاة الثلاثة الأخيرين، وصاحب كلمة الفصل والنفوذ الأول ــ قرابة خمسون عاماً في النصف الأول من القرن الـ 19.

بعد سنوات طردت صنعاء الأتراك والمتنازعين على الإمامة، ونصبت محسن معيض من بني الحارث رئيساً ــ الذي وصفه الشاعر القارة في قصيدته الشهيرة ضاعت الصعبة على الخلفاء بقوله:

وامير المؤمنين معيض

شاربه قالوا طويل وعريض

مجعلي لا اله إلا الله!

محيط صنعاء هو المجتمع الوحيد الذي كسّر الأنساق كلها، وزاحم بني هاشم في الحكم!

.. وأنا أراهم حكموا عبر "بنو يعفر"، ثم لما هاجت رياح الشمال انحنحوا لموجة الهادي حتى عبرت، وعندما جاءت رياح الجنوب اندفعوا مع علي ابن الفضل وأعادوا الهادي إلى صعدة.

ثم بعد فترة نصبت همدان وسنحان الحاشديتين علي محمد الصليحي ملكاً وألبسته التاج. لكن ــ بعد ذلك ــ عندما شعرت أروى بالخطر على العرش منهم وهم رجالها، أخذت زوجها (الملك المكرم) وحمّمت ركبه في دمت وركنته في جبلة: اقعد هنا!

سأختصر الزمن وأضغط تقريب الصورة: كان المحيط اشتراكياً أيضاً (يوم الوحدة)، لكن "البيض" ــ ربما ــ لم يتقن معهم البرعة الحارثية! وكان علي عبدالله صالح أبرع من الجميع: يجيد كل البرعات، ولكن على رؤوس الثعابين!


*من صفحة الكاتب على فيسبوك