الأمم المتحدة تكشف أرقاماً صادمة بشان الوضع الإنساني في اليمن

كشفت الأمم المتحدة في أحدث تقرير لها حول اليمن عن أرقام صادمة بشأن المعاناة الإنسانية، وأشار أن أكثر من 22 مليون شخص، أي ما يقارب نصف سكان البلاد، ما زالوا بحاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية العاجلة، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية وتستمر تداعيات الصراع المسلح وانهيار الخدمات الأساسية، مما يضع البلاد على حافة كارثة إنسانية جديدة مع تصاعد حدة التوترات السياسية والإقليمية.
وأشار التقرير إلى أن النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر من هذه الأزمة، حيث يحتجن إلى الدعم بشكل غير متناسب مقارنة بالرجال، خاصة في ظل الظروف القاسية التي تعيشها الأسر اليمنية التي باتت تفتقر إلى المقومات الأساسية للحياة.
ويوضح التقرير الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان والذي اطلع نشوان نيوز على نسخة منه، أن الأوضاع الإنسانية في اليمن لم تشهد أي تحسن يذكر خلال الأشهر الأخيرة، بل إنها ساءت بفعل عدة عوامل متداخلة. فقد أدى الصراع الإقليمي إلى تقييد إمدادات الوقود ورفع أسعار المواد الغذائية، وهو ما تزامن مع صدمات مناخية متلاحقة ونقص مزمن في التمويل المخصص للقطاعات الإنسانية الحيوية. وأوضح التقرير أن أكثر من 18 مليون شخص يعانون من جوع حاد، وأن أسرتين من بين كل ثلاث أسر يمنية تضطران إلى تفتيت وجبات طعامها اليومية بسبب انعدام القدرة الشرائية.
ويكشف تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان أن 5.5 مليون امرأة في سن الإنجاب بحاجة ماسة للمساعدة الإنسانية، من بينهن أكثر من 765 ألف امرأة حامل. وأثار التقرير إنذاراً خطيراً بشأن وضع الرعاية الصحية، إذ أشار إلى أن أكثر من 80% من النساء الحوامل يفتقرن إلى خدمات الصحة الإنجابية المنقذة للحياة، أو لا يحصلن عليها سوى بشكل محدود للغاية.
كما كشف عن أن مرفقاً صحياً واحداً فقط من بين كل خمسة مرافق عاملة يقدم خدمات صحة الأم والطفل، مما أدى إلى مأساة إنسانية حقيقية تتمثل في وفاة ثلاث نساء يومياً بسبب مضاعفات الحمل أو أثناء الولادة، في مشهد يعكس انهيار النظام الصحي الذي يدق ناقوس الخطر.
ولم تتوقف معاناة النساء عند هذا الحد، بل كشف التقرير أن 6.2 مليون امرأة وفتاة معرضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، في ظل غياب شبه تام للخدمات اللازمة للاستجابة لهذا النوع من العنف. وأكد أن أكثر من 90% من المناطق المستهدفة تفتقر إلى آليات الحماية والوقاية. وأبرز التقرير أن الناجيات اللواتي لا يحصلن على الدعم النفسي والاجتماعي والإحالات الطبية والقانونية، يواجهن عواقب جسدية ونفسية واجتماعية قد تهدد حياتهن على المدى الطويل، خاصة مع انهيار خيارات الإيواء الرسمية وغير الرسمية، مما يعرض الفتيات بشكل أكبر لخطر زواج الأطفال والاتجار بالبشر والتسول القسري وعمالة الأطفال.
وفي سياق الجهود الإنسانية المبذولة لتخفيف هذه الآلام، وثّق التقرير تدخلات صندوق الأمم المتحدة للسكان خلال الفترة بين أبريل ويونيو 2026. ففي مجال الصحة الإنجابية، تمكنت فرق الصندوق من الوصول إلى أكثر من 103 آلاف امرأة وفتاة بخدمات صحية منقذة للحياة، ودعمت أكثر من 8,200 ولادة آمنة، شملت 1,400 عملية قيصرية طارئة. كما واصل الصندوق دعم 26 مرفقاً صحياً لتوفير رعاية التوليد وحديثي الولادة، ونشر 72 قابلة مجتمعية في المناطق المحرومة والمتأثرة بالصراع لخدمة أكثر من 21,100 امرأة.
وفي ملف الحماية من العنف، استفادت أكثر من 9,000 امرأة من خدمات إدارة الحالات الشاملة المدعومة من الصندوق في تسع محافظات، وشمل ذلك الدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة القانونية. وساهمت أربعة مراكز إيواء في توفير مأوى آمن للناجيات، مع تقديم تدريبات مهنية وحياتية لنحو 1,100 مستفيدة، بالإضافة إلى تقديم خدمات الصحة النفسية لنحو 35,000 فرد عبر ستة مراكز متخصصة. ولم يغفل التقرير الجهود المجتمعية للحد من الممارسات الضارة، حيث تم تنفيذ حوارات مجتمعية واسعة عبر شبكة "شاحمات" الإقليمية التي تضم أكثر من 200 من القادة الدينيين، بهدف مكافحة تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية وزواج الأطفال، بالإضافة إلى تدريب 60 محامياً وقاضياً لمعالجة العراقيل أمام حصول النساء على العدالة.
وعلى صعيد الشباب، أشار التقرير إلى أن الصندوق نجح في الوصول إلى أكثر من 55,100 شاب وشابة عبر مراكز التدريب والعيادات الصديقة للشباب في عدن وحضرموت وتعز، عبر شبكة مثقفين شباب مكونة من 60 عضواً نجحت في إشراك أكثر من 50,000 شاب في توعية صحية ونفسية حيوية، مما يعزز آمال بناء جيل أكثر وعياً.
أما فيما يتعلق بآلية الاستجابة السريعة، فقد تمكنت، بقيادة صندوق الأمم المتحدة للسكان وبدعم من الاتحاد الأوروبي، من تقديم إغاثة طارئة لنحو 55,000 شخص في 35 مديرية، استجابةً للنزوح والأزمات المناخية والصراع، وتمكنت الفرق من إغاثة 41,500 فرد آخرين في الساحل الغربي وتعز ومأرب وأبين وحضرموت، متجاوزة بذلك تحديات الوصول والأمن.
وفي خضم هذه الجهود، تظل العقبة الأكبر أمام استمرار هذه العمليات المنقذة للحياة هي شح التمويل. وكشف التقرير عن فجوة تمويلية خطيرة، حيث يحتاج صندوق الأمم المتحدة للسكان 71.9 مليون دولار أمريكي لعام 2026 لمواصلة دعم النساء والفتيات، إلا أنه لم يتلق سوى 12.8 مليون دولار فقط، مما يترك فجوة تمويلية تصل إلى 59.1 مليون دولار، أي ما نسبته 82% من الاحتياجات. وبسبب هذه الفجوة، يجري تركيز العمل حالياً على المناطق التي تديرها حكومة اليمن، حيث تبلغ الاحتياجات الإنسانية 38 مليون دولار، ورغم تقديم الاتحاد الأوروبي 3.5 مليون يورو وحكومة آيسلندا 322 ألف دولار، إلا أن هذه المبالغ لا تغطي إلا جزءاً بسيطاً من الاحتياجات المتزايدة.
واختتم التقرير بشهادة مؤثرة لإحدى الناجيات من العنف، وهي "فاطمة"، حامل وتبلغ من العمر 20 عاماً من محافظة المهرة، حيث قالت: "عندما دخلت المساحة الآمنة، شعرت بشيء لم أشعر به منذ زمن طويل. ولأول مرة، أصغي إلى أحدهم دون إصدار أحكام". وتعكس هذه الشهادة البسيطة عمق الأزمة التي تعيشها النساء اليمنيات، ومدى حاجتهن ليس فقط للمساعدة المادية، بل لأماكن آمنة ترمم كرامتهن وتعيد لهن الأمل في بلد يئن تحت وطأة الصراع والانهيار.





