الثلاثاء 11 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • الهجمات الحوثية ووهم الردع بالصدمة

الهجمات الحوثية ووهم الردع بالصدمة

الهجمات الحوثية ووهم الردع بالصدمة

يدرك الحوثيون أن المتغيرات في الساحة الوطنية، سياسيًا وعسكريًا، باتت تستكمل جاهزيتها نحو حرب تحرير شاملة، وتوجهه نحو التصعيد لا يعتبره مغامرة أو توجهًا مبنيًا على قدرات تفرض انتصارًا جديدًا له، بقدر ما يريد منها إقناع أعدائه بقدرته على إلحاق الهزيمة بهم في حال قرروا جميعًا حربه.

إنه يحاول أن يهاجم كي يمنحه الهجوم إمكانية ردع لحرب قادمة قد تشكل نهايته.

فالوضع الداخلي، على كل المستويات في اليمن، لا يحدد له خيار النصر الحاسم، ولا الظرف الإقليمي ولا الدولي في صالحه.

ولكن ما الذي يدفعه نحو مهاجمة المدن الرئيسية التي تضم أهم ثلاث قوى عسكرية رئيسية في البلد؟

إن ذلك، في نظري، يرجع إلى خطأ استراتيجي في الحسابات وقع فيه، وفق استراتيجية يمكن تسميتها «الردع بالصدمة» أو الردع بالحرب لتفادي ما هو أعظم.

فهو لا يحتاج في كل مرة إلى خوض معركة واسعة حتى يثبت وجوده، وإنما يكفيه أحيانًا أن يوجه ضربة إلى مكان مهم، أو مدينة ذات قيمة عسكرية واقتصادية، ليعيد خصومه إلى طاولة الحسابات من جديد. فاستهداف مأرب أو المخا أو حضرموت، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية حجم الضرر الذي أحدثته الضربة، وإنما من زاوية الرسالة التي أراد الحوثي إيصالها: نحن قادرون على الوصول إلى العمق، ونستطيع أن نجعل أي تحرك عسكري ضدنا مكلفًا.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة هذه الاستراتيجية؛ لأن الحرب في هذه الحالة لا تعود حرب جبهات فقط، وإنما تصبح حرب إرادات. الحوثي يحاول أن يجعل الخصم يفكر في تكلفة الحرب قبل أن يفكر في نتائجها، وأن يدفعه إلى التساؤل: ماذا سيحدث لمدننا ومناطقنا إذا تحركنا عسكريًا؟ وهل نحن مستعدون لتحمل الرد؟

وهذه إحدى أهم وظائف الردع في الفكر العسكري: أن تجعل الخصم يتراجع عن الفعل قبل أن يبدأه، لأنه يعتقد أن كلفته ستكون أكبر من المكاسب التي يمكن أن يحققها.

لكنني أرى في الحالة الحوثية فارقًا مهمًا بين الردع العسكري بالمعنى التقليدي، وبين استخدام القوة لإحداث الصدمة والخوف. فالردع العسكري يقوم أساسًا على امتلاك قدرة حقيقية يمكن استخدامها عند الضرورة، وعلى إقناع الخصم بأن هذه القدرة ستُستخدم بصورة مؤثرة.

أما عندما يصبح استهداف المدن والمناطق المدنية وسيلة أساسية لبث الخوف وإرباك المجتمع، فإننا نقترب من نمط آخر من استخدام القوة، تتحول فيه الضربة من أداة عسكرية إلى أداة نفسية، يأمل من خلالها حدوث متغير لصالحه، ويكون هدفها التأثير على القيادة السياسية والعسكرية في إعادة حسابات المعركة والفرضيات التي ستنتج عنها.

ما يعني إعادة الوضع، رغم التصعيد المتعمد، إلى ما كان عليه، لكي يتم، تحت ضغط الجاهزية الحوثية المزعومة، التراجع عن خيار التحرك العسكري الشامل.

وهذا ليس جديدًا تمامًا على السلوك الحوثي. فمنذ مراحل تمدده وسيطرته على المدن والقرى اليمنية، كان الحوثي يعتمد استراتيجية الصدمة التي يحدثها بين القبائل عقب تفجيره بيت هذا الشيخ، أو اعتقاله، أو قتله؛ فقد تحقق له بالترهيب الجزئي طواعية جماعية سلّمت له السيطرة كقوة أمر واقع، من باب تفادي المواجهة معها.

فالهدف لم يكن دائمًا تحقيق نصر عسكري مباشر، وإنما كسر إرادة المقاومة وإقناع الآخرين بأن أفضل خيار أمامهم هو التسليم بالأمر الواقع.

وهنا أجد أن هناك تشابهًا واضحًا بين طريقة استخدام القوة في الداخل اليمني، وبين الطريقة التي يحاول الحوثي من خلالها إدارة الصراع مع المملكة العربية السعودية. في الحالتين، هناك اعتماد على الصدمة أكثر من الاعتماد على حجم العملية نفسها. حادثة محدودة يمكن أن تحمل رسالة أكبر بكثير من حجمها، لأن المقصود ليس الشخص أو المكان الذي استُهدف فقط، وإنما كل من يشاهد ويدرك الرسالة: إذا كان هذا قد حدث هنا، فمن الممكن أن يحدث في مكان آخر.

وهذا ما يحدث بالفعل؛ يعتمد على الصدمة والمباغتة للإيحاء بقوته، وبأن له رصيدًا من السلاح يخوله لخوض المعركة في أكثر من جبهة.

وأنا أعتبر هذا النوع من الاستراتيجية في هذا التوقيت غباءً؛ لأنه يتغافل عن المعطيات على الأرض، بما فيها من تحالفات سياسية وإقليمية كبيرة تحشره في زاوية الحرب التي تتشكل منها نهايته. لكن يبقى الهجوم بهذه الطريقة هو الورقة الأخيرة التي يظن أنها ستكون كفيلة بردع أي تحرك تجاهه.

وكما قلت، إنه اليوم يفكر بعقلية انتحارية أكثر منها استراتيجية؛ لأن هجماته جمعت الصف ووحدة القرار أكثر من أي وقت مضى، وفتحت أمام القيادة طريق الحرب الذي لا رجعة عنه.

ودمتم بخير