الأربعاء 12 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • من معركة تيك توك إلى حرب الذكاء الاصطناعي: هل تصبح ميتا ورقة أمريكا الرابحة ضد الصين؟

من معركة تيك توك إلى حرب الذكاء الاصطناعي: هل تصبح ميتا ورقة أمريكا الرابحة ضد الصين؟

من معركة تيك توك إلى حرب الذكاء الاصطناعي: هل تصبح ميتا ورقة أمريكا الرابحة ضد الصين؟

على عكس الشركات الأمريكية الأخرى، التي بدأت السنوات الأخيرة من خلال نماذج مغلقة، كانت شركة ميتا استثناءً حين قررت أن تمضي في تطوير النماذج مفتوحة الأوزان، لكنها ربما أحست بالتأخر عن OpenAI وGoogle، لتتجه لاحقاً نحو نماذج مغلقة، وأخيراً تعود إلى عالم مفتوح الأوزان، وكأنها تقول: كنتُ على حق في البداية. لكن هل ستلحق بالصين؟ وهل يكفي نشر نموذج مفتوح الأوزان، أم تحتاج ميتا إلى قاعدة واسعة في استخدامه؟

خلال اليومين الأخيرين، انشغل عالم المطورين بإعلان ميتا عن Muse Glimmer ميوز جليمر، وهو نموذج مفتوح الأوزان يضم 30 مليار معامل، ومُرخص بموجب رخصة Apache 2.0، ومُصمم خصيصاً لتشغيل وكلاء محليين دائمي التشغيل. وهو، كما تقول الشركة، مُحسّن لحلقة الوكيل الدائمة التشغيل، واستدعاء الأدوات بصورة موثوقة، وحلقات المهام طويلة الأمد، واستعادة المسار عند فشل الاستدعاءات، كما صُمم للنشر المحلي وتحقيق توازن بين الإمكانيات وقيود الذاكرة والحوسبة على الأجهزة الشخصية.

لكن هذا التطور لم يكن الأهم، بل كان مقال مارك زوكربيرغ «المستقبل للجميع»، الذي كشف أن المسألة تتعدى فكرة إطلاق نموذج مفتوح الأوزان، وأوضح أن المعركة المقبلة هي على مستقبل الذكاء الاصطناعي نفسه، ومن يملك مفاتيحه، ومن يستطيع الوصول إليه.

زوكربيرغ يرى أن حصر الذكاء الاصطناعي المتقدم في عدد قليل من الشركات ليس الطريق الصحيح، محذراً من أن العالم يتجه نحو مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي أكثر قوة وتأثيراً، ولذلك يجب أن تكون هذه القدرات متاحة على نطاق واسع، لا أن تتحول إلى امتياز تملكه حفنة من الشركات.

وفي أكثر العبارات دلالة على التحول الجديد في استراتيجية ميتا، يربط زوكربيرغ بين الانفتاح والمنافسة مع الصين، محذراً من أن إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي أو فرض قيود واسعة على النماذج مفتوحة الأوزان قد يمنح الصين أفضلية في السباق. ويبدو واضحاً أن ميتا لم تعد تنظر إلى الانفتاح باعتباره مجرد فلسفة تقنية، وإنما باعتباره سلاحاً في المنافسة الجيوسياسية على مستقبل الذكاء الاصطناعي.

وفي رؤيته للمستقبل، يذهب زوكربيرغ أبعد من مجرد الدفاع عن النماذج المفتوحة، متحدثاً عن وصول الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة يصبح فيها «الذكاء الفائق الشخصي» متاحاً لمليارات الأشخاص والشركات الصغيرة، بحيث لا يبقى الذكاء الاصطناعي المتقدم خدمة مركزية تقدمها شركات قليلة، وإنما أداة شخصية يمتلكها المستخدم ويستطيع تخصيصها وفق احتياجاته.

لكن اللافت أن هذه الدعوة إلى الانفتاح تأتي في وقت تبدو فيه الصين قد استفادت بالفعل من هذا النموذج أكثر مما فعلت الشركات الأمريكية الأخرى، بعدما دفعت شركات صينية مثل DeepSeek وQwen وغيرها بقوة نحو النماذج مفتوحة الأوزان. ولذلك يمكن قراءة مقال زوكربيرغ باعتباره إعلان عودة ميتا إلى المعركة، وليس مجرد دفاع نظري عن المصدر المفتوح.

ومن المفارقات أن هذه ليست المرة الأولى التي تجد فيها ميتا نفسها مضطرة إلى اللحاق بتحول كبير بدأ من الصين، أو على الأقل إلى إعادة تشكيل منتجاتها استجابةً لصعود نموذج صيني أصبح من الصعب تجاهله.

قبل سنوات، كان TikTok هو المثال الأوضح. فبعد الصعود السريع للمنصة الصينية المملوكة لشركة ByteDance، سارعت ميتا إلى إطلاق Reels على Instagram، ثم نقلته إلى Facebook، وتحول الفيديو القصير إلى أحد أهم ميادين المنافسة في منصاتها. ولم تكن المسألة مجرد إضافة ميزة جديدة، بل إعادة توجيه جزء كبير من تجربة المستخدم نحو الصيغة التي أثبت TikTok نجاحها. وقد أصبح Reels لاحقاً جزءاً ضخماً من منظومة ميتا، بمئات المليارات من مرات التشغيل يومياً عبر Facebook وInstagram.

واليوم يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، ولكن في ساحة أكثر أهمية بكثير. فكما دفعت ميتا Reels لمواجهة TikTok، تجد نفسها الآن أمام نماذج صينية مفتوحة الأوزان مثل DeepSeek وQwen وGLM وKimi وMiniMax، وقد أصبح عليها أن تعيد تقييم موقعها في عالم لم تعد فيه النماذج المفتوحة مجرد خيار تقني، وإنما إحدى ساحات المنافسة على مستقبل الذكاء الاصطناعي.

والفارق هذه المرة أن المعركة لا تدور على وقت المستخدم داخل تطبيق اجتماعي، وإنما على شيء أعمق: من سيبني القاعدة التي سيبني الآخرون فوقها؟

رحلة ميتا من المفتوح إلى المغلق ثم العودة

القصة لا تتعلق بنموذج جديد أطلقته ميتا فقط، وإنما بتحول لافت في استراتيجية الشركة نفسها. ففي الوقت الذي كانت فيه OpenAI وGoogle وAnthropic تراهن على النماذج المغلقة، كانت ميتا تمتلك سلاحاً مختلفاً: Llama، الذي سمح للمطورين والباحثين والشركات بالحصول على الأوزان وبناء تطبيقاتهم ونماذجهم فوقه.

كانت ميتا بذلك تفتح لنفسها طريقاً آخر في سوق الذكاء الاصطناعي؛ بدلاً من أن تنافس ChatGPT في امتلاك المستخدم النهائي، كانت تستطيع أن تجعل Llama هو القاعدة التي يبني عليها الآخرون.

لكن شيئاً تغير. بدأت ميتا تنظر إلى نجاح منافسيها في النماذج المغلقة، واتجهت نحو سباق النماذج الأكثر تقدماً والأكثر انغلاقاً، في محاولة لمجاراة OpenAI وGoogle وAnthropic في ملعبهم.

والنتيجة كانت مفارقة يصعب تجاهلها: بينما كانت ميتا تبتعد عن عالم النماذج المفتوحة، كانت الصين تملأ المكان الذي تركته.

ظهر DeepSeek بقوة، ثم توسعت قائمة النماذج الصينية المفتوحة أو مفتوحة الأوزان، من Qwen إلى GLM وKimi وMiniMax، وأصبح من الصعب التعامل مع النماذج الصينية باعتبارها مجرد بدائل منخفضة التكلفة.

لقد أصبحت منافساً حقيقياً. والأهم أن هذه النماذج لم تكتفِ بأن تكون متاحة للمستخدمين، وإنما دخلت إلى شركات ومراكز بيانات ومنصات تطوير حول العالم، وهو ما يجعل المعركة أكبر من مجرد مقارنة نتائج اختبار أو عدد نقاط في معيار تقني. إنها معركة على من سيكون أساس الجيل القادم من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وهنا يبدو أن ميتا قررت العودة. لكن عودة ميتا لم تأتِ منفصلة عن الصين. زوكربيرغ نفسه وضع المسألة في هذا الإطار، محذراً من أن القيود الأمريكية على الذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان قد تجعل الولايات المتحدة تتنازل عن جزء من السباق لصالح الصين، ودافع عن النماذج المفتوحة باعتبارها أرخص وأكثر قابلية للتخصيص، بدلاً من ترك القوة في يد عدد محدود من الشركات.

وهنا يمكن قراءة مقال زوكربيرغ بأكثر من طريقة. هو من جهة مقال عن فلسفة الذكاء الاصطناعي، وعن ضرورة ألا تصبح هذه التكنولوجيا حكراً على عدد قليل من الشركات. لكنه من جهة أخرى بيان عودة ميتا إلى الملعب الذي غادرته بنفسها.

فالشركة التي كانت تقول إن الانفتاح هو الطريق الصحيح، ثم ابتعدت عنه عندما بدا أن النماذج المغلقة تحقق تقدماً تجارياً أكبر، تعود اليوم لتقول إن الانفتاح هو الطريق الصحيح مرة أخرى.

العالم لم يعد كما كان!

وهذه المرة هناك سبب إضافي للاستعجال: الصين.

فالميزة التي كانت لدى ميتا في وقت مبكر لم تعد حكراً عليها. لقد كانت Llama من النماذج التي ساعدت على ترسيخ فكرة أن النموذج القوي لا يجب أن يبقى محبوساً خلف واجهة شركة واحدة. ثم جاءت الشركات الصينية لتستثمر هذا المسار بقوة، وتدفع به إلى مستوى جديد.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية أمام ميتا. هي لا تعود إلى عالم مفتوح كما تركته. لقد تغير العالم. عندما كانت ميتا في مقدمة هذا الاتجاه، لم يكن هناك هذا العدد من النماذج الصينية القوية التي تستطيع منافستها على جذب المطورين.

أما اليوم، فإن Llama سيجد أمامه DeepSeek وQwen وGLM وKimi وMiniMax، وغيرها من النماذج التي أصبحت أسماء مألوفة في عالم الذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان.

ومع ذلك، فإن ميتا ليست لاعباً صغيراً يصل متأخراً إلى السباق. لديها خبرة Llama، وبنية تحتية هائلة، وقدرات ضخمة في التدريب، ومجتمع عالمي من المطورين، كما أن لديها القدرة على تقديم نماذج قوية يمكن تشغيلها محلياً، وهي ميزة لا تستطيع النماذج المغلقة تقديمها بالطريقة نفسها.

ويضاف إلى ذلك عامل مهم: السياق الطويل.

إذا استطاعت ميتا تقديم نموذج مفتوح يجمع بين الأداء القوي وسياق يصل إلى مستويات ضخمة، فإن ذلك يمكن أن يمنحه قيمة حقيقية لدى المطورين والشركات، خصوصاً في التعامل مع قواعد البرمجيات الكبيرة والوثائق والمشروعات والبيانات الطويلة.

مفتوح الأوزان لا يعني المجانية

على عكس الشركات الصينية التي تتيح حصصاً كريمة للمطورين في واجهات API، وفي بعض خدمات الدردشة المباشرة، ما تزال ميتا بحاجة إلى توسيع منظومة الوصول العملي إلى نماذجها؛ إذ إن نشر نموذج مفتوح الأوزان لا يعني بالضرورة توفير منظومة استخدام مجانية أو منخفضة التكلفة حوله.

وهذا يعني أن أمام ميتا المزيد من الخطوات التي تدعم حضورها. فليست المسألة نشر نماذج مفتوحة الأوزان فقط، بل كذلك فتح نوافذ أوسع للمطورين، كما تفعل Google والعديد من الشركات الصينية الأخرى.

فالنموذج المفتوح لا يفوز لمجرد أن أوزانه متاحة للتنزيل. قوته الحقيقية تظهر عندما يبدأ المطورون ببناء التطبيقات فوقه، والشركات بتشغيله في مراكز البيانات، والباحثون بتطوير نسخ جديدة منه، والمنصات بدمجه في خدماتها.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن قوة النموذج لا تقاس فقط بقدراته داخل مختبرات الشركة التي طورته، وإنما بعدد المطورين الذين يستخدمونه، وعدد الشركات التي تبني فوقه، وحجم المجتمع الذي يتشكل حوله.

والجدير بالذكر هنا أن الشركة الأمريكية الأذكى في التعامل مع منظومة الذكاء الاصطناعي المفتوحة هي Nvidia، لكنها، كشركة تصنيع رقائق، لا تستطيع تقديم نفسها كمنافس مباشر لزبائنها الذين يستهلكون شرائحها بمليارات الدولارات.

هي لا تحتاج إلى امتلاك النموذج نفسه كي تستفيد من انتشاره؛ فكلما توسعت النماذج والتطبيقات، اتسعت الحاجة إلى الحوسبة التي تعتمد عليها هذه المنظومة.

فهل تعود ميتا إلى المقدمة؟

في النهاية، لا تبدو عودة ميتا إلى عالم النماذج مفتوحة الأوزان مجرد خطوة تقنية، وإنما اعترافاً متأخراً بأن الشركة ربما كانت تمتلك منذ البداية الورقة التي تبحث عنها اليوم.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن قوة النموذج لا تقاس فقط بقدراته داخل مختبرات الشركة التي طورته، وإنما بعدد المطورين الذين يستخدمونه، وعدد الشركات التي تبني فوقه، وحجم المجتمع الذي يتشكل حوله. وفي هذا الجانب تحديداً، حققت النماذج الصينية تقدماً يصعب تجاهله.

لكن ميتا لا تبدأ من الصفر. Llama ما يزال اسماً ثقيلاً، والشركة تملك أموالاً وبنية تحتية وخبرات ومجتمعاً من المطورين يجعلها قادرة على استعادة جزء كبير من المسافة التي قطعتها الصين.

المشكلة أن الوقت الذي أضاعته ميتا لم يضع هباءً؛ كان وقتاً استثمره الآخرون.

ولهذا فإن عودة ميتا ستكون أصعب من بدايتها الأولى. عليها ألا تثبت فقط أن لديها نموذجاً قوياً، وإنما أن تثبت للمطورين أنها عادت هذه المرة لتبقى، وأنها لن تغلق الباب مرة أخرى عندما ترى منافسيها يحققون أرباحاً أكبر.

فإذا فعلت ذلك، فقد تتحول عودة Llama إلى واحدة من أكبر التحولات في سوق الذكاء الاصطناعي، وقد تجد ميتا نفسها مجدداً رقماً أساسياً إلى جانب DeepSeek وGLM وKimi وQwen وMiniMax.

أما إذا عادت إلى الانفتاح بقدم، وأبقت القدم الأخرى تبحث عن النموذج المغلق الأكثر ربحية، فقد تجد نفسها في أسوأ موقع ممكن: لا هي هزمت OpenAI وGoogle في عالم النماذج المغلقة، ولا حافظت على الصدارة التي كانت تملكها في العالم المفتوح.

وبين هذين الاحتمالين ستتحدد نتيجة واحدة من أكثر التحولات إثارة في سباق الذكاء الاصطناعي: هل تستطيع ميتا استعادة المستقبل الذي كان يمكن أن يكون لها، أم أن الصين أخذته منها أثناء غيابها؟