الثلاثاء 18 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • المولد الأخير.. حين تبدأ كرة النار الحوثية بالانطفاء

المولد الأخير.. حين تبدأ كرة النار الحوثية بالانطفاء

المولد الأخير.. حين تبدأ كرة النار الحوثية بالانطفاء

لفتني قبل أيام مقال للصحفي والباحث عادل الأحمدي بعنوان «كرة النار الحوثية.. سؤال بسيط ونقطة جوهرية»، ليس فقط لما قاله، بل لأن قائله واحد من أكثر الذين عرفوا الحركة الحوثية مبكرًا ودرسوها قبل أن تتحول إلى سلطة تسيطر على صنعاء.

فالأحمدي صاحب موقف جمهوري واضح من الجماعة منذ مراحلها الأولى، ولم ينتظر سقوط صنعاء وانقلاب سبتمبر 2014 ليكتشف طبيعة مشروعها، بل وقف محذرًا منها منذ مهدها، وتتبع جذورها الفكرية والسياسية ومراحل تشكلها وتحولاتها وأساليبها في الحرب والتفاوض والمراوغة، وقدم مبكرًا كتابه المرجعي «الزهر والحجر: التمرد الشيعي في اليمن وموقع الأقليات الشيعية في السيناريو الجديد»، الذي صدر عام 2006، في وقت كان فيه كثيرون لا يزالون ينظرون إلى ما يحدث في صعدة باعتباره تمردًا محدودًا يمكن احتواؤه.

ولهذا، حين يكتب الأحمدي اليوم عن الحوثيين، فهو لا يكتب عن جماعة اكتشفها بعد أن أصبحت أمرًا واقعًا، وإنما عن حركة تابع مولدها ونموها، وعرف كيف تقاتل وتفاوض وتتراجع ثم تعود، وكيف انتقلت من جبال صعدة إلى عمران، ومنها إلى قلب صنعاء ومؤسسات الدولة.

وفي مقاله الأخير اختصر الأحمدي جانبًا مهمًا من هذه الرحلة بتعبير شديد الدلالة: «كرة النار الحوثية».

ويسأل سؤالًا يبدو بسيطًا لكنه يقود إلى نقطة جوهرية: لماذا استمرت الجماعة منذ صيف 2004 إلى اليوم؟ وهل كانت أقوى من جيش الدولة في الحروب الست؟

والإجابة التي يقدمها الأحمدي أن المسألة لم تكن تفوقًا عسكريًا بقدر ما كانت تكتيكًا «ثعلبيًا» أتقنته الجماعة؛ تشعل التمرد وتستدعي المواجهة، وحين تشعر أن الدولة تقترب من القضاء عليه تتحرك الوساطات، وتقبل الجماعة بالشروط وتقدم التعهدات، فتتوقف العمليات، ثم تبدأ إعادة التموضع ولملمة المقاتلين والاحتفاظ بالسلاح والتنصل التدريجي من الالتزامات، قبل أن تختلق ذريعة جديدة وتعود إلى الحرب من نقطة أكثر قوة.

وهكذا لم تكن كرة النار تنطفئ.

كانت تكبر.

كبرت من جولة إلى أخرى، ومن هدنة إلى أخرى، ومن وساطة إلى أخرى، حتى انتقلت من جبال صعدة إلى عمران، ثم وصلت في سبتمبر 2014 إلى صنعاء.

وكل توقف لم يُطفئ كرة النار، بل منحها وقتًا لتكبر.

غير أن السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم، بعد أكثر من عشرين عامًا من مولد تلك الكرة، هو: ماذا لو كانت قد بدأت أخيرًا تفقد وقودها؟

وماذا لو لم يعد السؤال كيف استطاع الحوثيون الصعود، بل كيف بدأت مرحلة أفولهم؟

ولعل مناسبة المولد النبوي واحدة من أكثر النوافذ دلالة لقراءة هذا التحول.

المولد.. مرآة الصعود ومرآة الأفول

لم يكن المولد النبوي بالنسبة إلى الحوثيين خلال سنوات سيطرتهم مجرد مناسبة دينية يحتفي فيها اليمنيون بسيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم؛ فقد تطور توظيفه السياسي بالتوازي مع تطور الجماعة نفسها.

كلما اتسعت سيطرتها اتسعت مظاهر المولد.

كبرت اللافتات، واتسعت الفعاليات، وتضاعفت ساحات الحشد، وغمرت الألوان الخضراء الشوارع والمؤسسات، وتحولت المناسبة تدريجيًا إلى واحد من أكبر مواسم التعبئة السياسية والاجتماعية وإظهار القدرة على السيطرة على المجال العام.

وكأن المولد كان طوال سنوات الصعود مرآة تعكس حجم الجماعة في كل مرحلة.

حين كانت محدودة كان حضورها محدودًا، وحين أصبحت سلطة أصبحت المناسبة استعراضًا هائلًا للسلطة.

ولهذا ربما تكون المرآة نفسها اليوم أفضل مكان لمشاهدة الاتجاه المعاكس.

فإذا كان المولد قد رافق صعود الحوثيين، فإنه اليوم يكشف أفولهم.

فاللافت لم يعد حجم ما تستطيع الجماعة إنفاقه على المناسبة، ولا عدد اللافتات التي تستطيع تعليقها، ولا الشوارع التي يمكن أن تكسوها بالأخضر؛ فهي لا تزال تمتلك أجهزة السلطة والإعلام والحشد ووسائل الضغط والإكراه.

اللافت هو الناس.

بعد سنوات طويلة من الحرب والتعبئة والشعارات، يتسع التذمر، ويخرج النقد من الدوائر المغلقة إلى المجاهرة، وتتزايد السخرية من خطاب الجماعة، ولم تعد المسافة بين ما تقوله السلطة وما يعيشه الناس في حياتهم اليومية قابلة للإخفاء كما كانت في سنوات الصعود الأولى.

وهناك من أصبح يتحدث صراحة عن نهاية الجماعة، ومن ينتظر اليوم التالي لها، ومن يعد الأيام والساعات مترقبًا لحظة أفول سلطة اعتقدت طويلًا أن الخوف يعني القبول.

حتى المسجد، الذي حاول الحوثيون تحويل منبره إلى إحدى أدوات التعبئة السياسية والفكرية، بات يقدم إشارات عميقة إلى هذه الفجوة.

فالناس الذين يذهبون إلى المسجد للصلاة لا يريدون بالضرورة الاستماع كل أسبوع إلى خطاب سياسي وتعبوي، ولهذا أصبح بعضهم يتجنب المساجد التي يعرف أنها تحولت منابرها إلى خطاب حوثي، وحين يُفرض خطيب على مسجد اعتاد أهله غيره، لم يعد الاعتراض دائمًا مكتومًا، بل يمكن أن تسمع التذمر والرفض حتى أثناء الخطبة.

وقد تبدو هذه التفاصيل صغيرة أمام المدافع والصواريخ والجبهات، لكنها في حياة السلطات أكبر بكثير مما تبدو.

فالسلطة تستطيع أن تفرض الخطيب، لكنها لا تستطيع أن تفرض على الناس الاقتناع بخطبته.

وتستطيع أن تملأ الشوارع باللون الأخضر، لكنها لا تستطيع أن تلوّن القلوب بقرار.

وتستطيع أن تحشد الموظفين والطلاب والقبائل إلى ساحة، لكن الحشد شيء والإيمان بالمشروع شيء آخر.

حين يفقد السلاح المجتمع

وهذا ربما أخطر ما يواجه الحوثيين اليوم.

فالجماعات العقائدية والمسلحة تستطيع تحمل خسائر عسكرية كبيرة، وتستطيع السلطة قمع معارضيها، لكنها تدخل مرحلة النهاية عندما تفقد قدرتها على إقناع المجتمع الذي تحكمه بأنها تمثل مستقبله.

والحوثيون الذين دخلوا صنعاء وهم يرفعون شعارات الثورة على الفساد والفقر و«الجرعة»، أصبحوا بعد أكثر من عقد من السيطرة مسؤولين أمام الناس عن واقعهم اليومي.

لم يعودوا حركة معارضة تستطيع أن تحمل الحكومات مسؤولية كل شيء.

لقد حكموا.

وسيطروا على المؤسسات.

وامتلكوا الموارد والمنابر والإعلام والسلاح.

ولهذا لم يعد الماضي جوابًا كافيًا عن الحاضر، ولا تستطيع الشعارات أن تدفع راتب موظف، أو تطعم أسرة، أو تعالج مريضًا، أو تعيد إلى اليمنيين سنوات استهلكتها الحرب.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

فالجماعة التي بنت جزءًا من قوتها على الغضب الشعبي أصبحت هي نفسها موضوعًا للغضب، والتي استخدمت السخرية من خصومها أصبحت مادة للسخرية، والتي قدمت نفسها بوصفها البديل أصبحت مطالبة بتقديم حصيلة سنوات حكمها.

وهذه معركة لا تستطيع الصواريخ حسمها.

فالسلاح يستطيع إخافة المجتمع، لكنه لا يستطيع إجباره على الإيمان بصاحبه.

وقد يستطيع تأخير النهاية، لكنه لا يستطيع إلغاءها.

كرة النار بدأت تنطفئ

وهنا نعود إلى عادل الأحمدي و«كرة النار».

لقد شرح الرجل كيف ظلت الجماعة تنجو في اللحظة التي تقترب فيها من الحسم؛ وساطة تأتي، وحرب تتوقف، وقوات تتراجع، ثم يعيد الحوثي التموضع ويخرج من الجولة أقوى مما دخلها.

حدث ذلك بأشكال مختلفة خلال مسيرة طويلة، حتى تحولت الجماعة من تمرد في صعدة إلى سلطة في صنعاء.

وكان لكل مرحلة وقودها.

مرة كانت المظلومية، ومرة الشعارات، ومرة أخطاء الدولة، ومرة انقسامات خصومها، ومرة الوساطات، ومرة الحرب نفسها.

لكن كرة النار لا تستطيع أن تظل مشتعلة إلى الأبد.

فالحوثيون اليوم ليسوا الجماعة الغامضة التي كان اليمنيون يتساءلون قبل عشرين عامًا عن حقيقتها.

لقد عرفهم الناس حركة، ثم ميليشيا، ثم سلطة.

وجربوا شعاراتهم قبل الحكم وبعده.

وهذه التجربة هي الشيء الوحيد الذي لا تستطيع الجماعة مصادرته أو إعادة كتابته بخطبة أو شعار أو ملصق أخضر.

ولهذا دخلت كرة النار مرحلة الانطفاء.

قد تمتلك الجماعة السلاح، وقد تقاوم النهاية، وقد تبحث مجددًا عن هدنة أو وساطة تعيد من خلالها إنتاج التكتيك الذي تحدث عنه الأحمدي، لكن البيئة التي صنعت صعودها لم تعد كما كانت.

والأهم أن المجتمع نفسه لم يعد كما كان.

المولد الأخير

وهنا يأخذ عنوان هذا المقال معناه الحقيقي:

المولد الأخير.

ليس المقصود آخر مولد نبوي يحتفل به اليمنيون؛ فمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقدم من الحوثيين، وستبقى بعدهم، ولا تستطيع جماعة سياسية أن تحتكر مناسبة دينية تخص اليمنيين والمسلمين جميعًا.

المقصود هو المولد الأخير لسلطة الحوثيين.

آخر مرة تحاول فيها الجماعة تحويل المناسبة إلى استعراض للقوة، وإخفاء ما يجري تحت اللافتات والحشود من غضب وملل وتآكل في قدرتها على إقناع المجتمع الذي تحكمه.

فإذا كان المولد قد أصبح طوال سنوات صعود الحوثيين مرآة لقوتهم، فإنه في مرحلة الأفول يتحول إلى مرآة لأزمتهم.

كل هذا الحشد، وكل هذه اللافتات، وكل هذا الإصرار على إظهار الشارع بلون واحد، لم يعد بالضرورة دليل ثقة؛ فقد يصبح العكس تمامًا: محاولة سلطة تشعر بأن الأرض الاجتماعية تتحرك تحت أقدامها لإقناع الآخرين ـ وربما إقناع نفسها ـ بأنها لا تزال بالقوة ذاتها.

قبل عشرين عامًا كان الحوثيون يصعدون والناس لا يعرفون إلى أين سيصلون.

واليوم عرفهم الناس وينتظرون رحيلهم.

وهنا لم يعد السؤال: هل تنتهي سلطة الحوثيين؟

بل: متى وكيف؟

لقد انتهت مرحلة الصعود وبدأت مرحلة الأفول.

قد تطول النهاية، وقد تقاومها الجماعة بالسلاح والقمع والحشد، وقد تحاول مرة أخرى استدعاء الوساطات وإعادة التموضع بالطريقة التي ظلت تنجو بها منذ 2004، لكن السلاح الذي يستطيع تأخير النهاية لن يستطيع منعها.

فكرة النار التي بدأت صغيرة في صعدة، وكبرت بالحروب والوساطات والأخطاء والانقسامات حتى ابتلعت صنعاء، أوشكت على الانطفاء.

ولن ينطفئ معها المولد.

بل سيبقى اليمنيون يحتفلون برسولهم، وستبقى صنعاء ومساجدها ومآذنها، وسيعود المولد مناسبة للناس لا استعراضًا للسلطة، وستبقى الجمهورية بعد أن يذهب الذين اعتقدوا أن امتلاك السلاح يمنحهم حق امتلاك اليمن ومستقبله.

لقد بدأ العد التنازلي لكرة النار الحوثية.. وهذا مولدهم الأخير.