حرامٌ على السيستاني حلالٌ على يوسف القرضاوي!

استضعاف القرضاوي، وتجنّب السيستاني، لا يعكس فقط خفايا سياسية وأبعادا طائفية معينة، إنما يمتلك وجهاً جميلا لو نظرنا الى الأمر من من منظور مختلف.

فالقرضاوي الذي يتلقى الهجوم إثر الهجوم، منذ زمن طويل، ولم تتحرك، طبعا، الحكومات للدفاع عن القرضاوي أو شخصيات رسمية رفيعة المستوى، كما حصل عندما انتُقِد السيستاني. فالقرضاوي كغيره من علماء السنة والجماعة الذين لايتحرجون من قبول النقد أو على الأقل فهمه على أنه رد فعل طبيعي على أشخاص “غير معصومين”. ففي الأمر عقيدة دينية في المقام الأول. يحق لأي كان أن ينتقد رجل الدين باعتباره غير منزه ولايمتلك مقاماً مقدسا يمنع الألسنة أو الأقلام من تناوله..

على العكس من هذه الثقافة نراها في ظاهرة السيستاني. فقد تعرض الرجل لنقد أو لهجوم من رجل دين آخر. والغريب أن القيامة الشيعية قامت بكل أبطالها على صاحب الانتقاد، لا بل على بلد صاحب الانتقاد! وتمت المطالبة بتقديم اعتذار أيضا. فلو وضعنا الأمر في كفة الموازنة والترجيح لفهمنا الأمر كالتالي: السيستاني يستمد عصمة طائفية عقدية. بينما القرضاوي لم يُمنَح عصمة كهذه، ولأسباب عقدية أيضا.

هذا فارق في العقيدة الطائفية التي جعلت من السهل، مثلا، انتقاد القرضاوي وهو من هو تمثيلا وعلما وثقلا وشعبية، ومن الصعب بل من المحرّم تناول السيستاني ولو بكلمة نقد مهما كانت بسيطة أو حادة. ولتكن حادة فما هو المانع؟!

سبحة العصمة التي تكرّ من شخص الى آخر وصلت الى السيستاني، وقد تصل إلى من بعده. وعلى المسلمين الذين ينضوون تحت لوائه أن يتعاملوا معه بصفته هذه. لا يحق لأحد أن يقول: إن الرجل رجلٌ، وللرجال أن تطالهم سهام النقد بل التجريح في بعض الأحيان. والقيام بثورة تعقيم للأفواه التي تناولت هذا الرجل، ومن أعلى سلطات في العراق الجديد، يعني بأن بغداد تحولت بأسرها الى حوزة دينية.

وأن نتيجة الاحتلال ليست فقط التخلص من صدام حسين والبعثيين، بل التخلص حتى من التعددية التي كانت في الأصل بنية عراقية واضحة. فما الذي سيكسبه العراقيون في عودة التقديس والعصمة الى حياتهم؟ وهل هم حقا يعيشون الرغد الكافي لمنح زعاماتهم مواصفات القديسين والمعصومين والذين لايأتيهم الباطل؟

تكشف الآلية التي عبر من خلالها على قدسية السيستاني وبشرية القرضاوي، أن ثمة ثقافة مهدَّدة في قلب الفكر الإسلامي، الذي لم يمنح عصمته لأحد، لا بل إن من قيم الإسلام، إسلامِ الجماعة والسنة، أن الناس خطاؤون. ضرب هذه البنية البشرية وتحويلها الى مجردات لا تمس، تشكل خطرا لا يقل عن خطر القاعدة والتكفير.

ليست “القاعدة” فقط هي الخطر. تمثل “القاعدة” خطرا أمنياً مباشرا، لا أكثر. لا تمتلك بنية معرفية متماسكة على الإطلاق. أمّا المعصومية فهي تمتلك أسسا معرفية محددة وضاربة في القدم إسلاميا، وتستفيد من تناقضات الدولة الإسلامية على مر تاريخها. فإذا كانت القاعدة تكفّر الحكام والبشر، فإن المعصومية تكفّر الجنس البشري بأسره في حال لم يتعامل مع المعصومية على أنها حقيقة علمية ثابتة.

لقد تعرض فكر السنة والجماعة لاهتزازات شتى، أكبرها جاء من تنظيم القاعدة الذي أساء لكل منضوٍ تحت هذه الفئة. إلا أن لهذه للسنة والجماعة مايميزها بالأخص عن المعصومية، على الأقل إيمانها بالتاريخ والظاهر والحدث البشري. قيمة فكر أهل السنة والجماعة أنه فكر تاريخي، لايمنح العصمة للزمن، بل لصاحب الزمن فقط.

وهي ميزة حضارية وفلسفية يمكن أن يبنى عليها الكثير من التوافقات الحديثة التي تجعل من الإسلام الثقافي ظاهرة ممكنة وقابلة للتطبيق. على العكس من المعصومية التي تشكك بالتاريخ من منطلق عدم الاعتراف والقبول. وفي هذا تأتي ثقافة إسلامية لا تاريخية تستلهم الأحداث من منطق العقيدة لا من منطق الفعل التاريخي ذاته.

وهذا هو الذي يجعل نقد القرضاوي حلالاً ونقد السيستاني حراماً. لهذا السبب بالضبط. الأول تاريخي، لديه قابلية لارتكاب الخطأ. الثاني لا تاريخي، لايوجد أي احتمال لآن يرتكب أي خطأ كونه ممنوح العصمة. السيستاني كامل، القرضاوي ناقص. ولو استمرت هذه الثنائية بالتتالي لعرفنا كمية الخطر القادم من العراق الآن، حيث تتشكل ثقافة مضادة للفكر الإسلامي الأكثري الذي من أهم وأكبر فضائله الإيمان بالتاريخ والواقع.

معصومية السيستاني تضع الإسلام الأكثري أمام تحدٍ لا مفر منه: إما الدفاع عن التاريخ وإما التنازل عنه. وفي الحالين، هناك معركة عقائدية تتشكل في الأفق القريب.

قابلية القرضاوي لأن يكون منقوداً، شرَفٌ فلسفي. ورفض انتقاد السيستاني، خطأ في التاريخ وفي علم الحساب، وخطرٌ على النمو الطبيعي للفكر الإسلامي بصفة عامة. لا بل هو تبشير بثقافة أقل ماتوصف بالتخلف والرجعية.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية