الديمقراطية الخامسة!

أي كلمةٍ أجنبيةٍ تدخلُ في معمعة حياتنا اليومية، فتثير خلافاً يكادُ أنْ يَهلكَ أمة ويفنيَ تاريخاً، ويهدَّ موروثاً منْ الرسالةِ وخطاباً من السماَء؛ هي حَرِيَّةٌ بتقليب تأريخها وتاريخها، ونشأتها، وجذورها، ومعانيها، واختلاف المجتهدين والمفكرين في فلسفة التعريف ذاته، بل وتناقض التعريف مع ممارسة تعريف الكلمة في الترتيبات الحياتية للإنسان – ترتيبات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية.

ولم ترد كلمةٌ على تراثنا وحيَاتِنا أكثر جدلا – وهي كذلك كما سنرى – علينا وعلى حياتنا السياسية والمدنية والاجتماعية والفكرية من كلمة ” الدِّيمقراطيَّة “…!

واذا كان هناك معنى واضح ودقيق ومحدد للديمقراطية ؛ فكما قال أفلاطون – الذي وضح غير قليل من قصورها برغم دفاع تلميذُهُ أرسطو عنها -… قال أفلاطون.. ما معناه “… فهو – أي المعنى الواضح والدقيق والمحدد للديمقراطيةِ – ما زال في السماء، وبكل أسفٍ لم يُنَزَّل علينا بعد..”.

وتاريخياً – ومنذ بداية ثورة الحرية، والجوع في أثينا ضد الحاكم الفرد الطاغية وإلى يومنا هذا – فإنَّ الكلمةَ وتعريفها وممارستها هي قضيةٌ ما زالت معركتها عقلية ًو فكرية ًخلافية تدور رحاها، وفكرة أو نظرية أو فلسفة خلافية، فيها نظر!

أفلاطون كان يرى الديمقراطية رؤيةً فوقية ً، ولا يجب أنْ تكون سيطرة الرأي doxa على الحكمة philosophia.

بينما تلميذه أرسطو كان يرى الديمقراطية حالة إضطرارية وشرط كافي لحكومة راشدة وحكيمة. ومن خلال حواراتهما في السياسة والدولة والحكومة ومؤسساتهما يعلق الاستاذ للتلميذ “..انه اذا قلنا ذلك ونحن نتحدث عن حكومة راشدة ودولة عادلة، إذن فنحن نقع شئنا ام أبينا في شراك تعقيدات كثيرة من المشروعات النظرية والاجندات والفكرية في الحديث عن أفكار متعددة وقيم مختلفة وممارسات متفاوتة.. وبالنتيجة لن تكون تعقيدات كل منها بنفس الدرجة وسننتهي بقية المساجرات والمساجلات كلامية لا فائدة منها الْبَتَةَ ولا طائل..”!

والحوارات التي دارت منذ ثورة أثينا بين الفلاسفة والمفكرين حول إشكالية نظرية وفكرة الديمقراطية – دراسةً وممارسةً- و إلى يومنا هذا كانت دوما تنظر بكثير من الشك والريبة والقلق تجاه العسكر اللذين كانوا وما زالوا من أسباب انهيارات المجتمعات والدول والحضارات والامبراطوريات منذ الحكومة – المدينة في أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد إلى الجمهورية في روما وانتهاءاً بالديكتاتوريات في أيامنا هذه بغض النظر عن أيٍّ من الاعتبارات والنظر فيما اذا اتفقنا أو اختلفنا فيما يجري اليوم من التوآءٍ للأشياء.

الديمقراطية ليست الذهاب لصناديق الاقتراع والتصويت! ذلك مُحَدَّدٌ إبتدائي في أسفل قائمةِ إشكالية الممارسة..
الديمقراطية هي البوتقة التي تذوب فيها مكونات مختلفة تجعل من السبيكة الناتجة والمحصلة النهائية خليط متناسق ومتناغم ومتماسك من عناصر متعددة، من حكومة شريفة نزيهة صادقة وراشدة، وبرلمان متميز بالوطنية والنظافة والنقاء والخالي من الدكاكين المأجورة والمدفوعة، وحريات سياسية واجتماعية واقتصادية لا تتعدى القوانين والدستور الذي من المفترض أنْ يكون قد صاغته الامة ولا تتنصل عن قيم الامة الدينية، ومساواة في حقوق المواطنة حيث تتساوى الناس في كل المسؤوليات والواجبات التي تحدد وتحد من الحريات العبثية، وعدالة سياسية في تكوين الاحزاب وتبني الافكار؛ وعدالة اجتماعية في توزيع الثروات بين افراد الأمة على تنوعات كيفية واساليب توزيع الثروات،و احترام وصيانة حقوق الناس التي وهبهم الله اياها وتوفير مداخل العيش الشريف ومصادر اللقمة الكريمة…

وكل ذلك هو ما أستطيع أن أطلق عليه أو ما يسمى ب ( دولة النظام والقانون ) الذي يأخذ الجميع تحت طائلته؛ أَنْ عِقاباً أو ثواباً ؛ وبلا تمييز… وليستْ دولة ( الظُّراط والْخَاْزوق ).. فِيْ دولتنا!

فَمِن أَيْنَ كانتْ البدايةُ؟! وما هي جذور الكلمة ( ديمقراطية ) democracy؟!
ترجع إلى ثورة أثينا الدولة-المدينة على ما اذكر بين القرن الرابع والخامس قبل الميلاد. وقد انطلقت هذه الثورة لتزيحَ أُسْرَةً من الطغاة من السلطة. وكلمة Demokratia تعني في شقيها؛ حكم Kratos ؛ الشَّعب demos.

ونتيجة ً للفساد الذي استشرى في أثينا ( الدولة-المدينة ) آنئذٍ، ثار الناس في المدينة polis اللذين بدأوا بعدها مباشرة بممارسة حقوق المواطنة وحريتهم في التعبير عن رأيهم فيما يهمهم من الشؤون التي تمسهم في تحديد مسارات التاريخ، وفي حقهم في أنْ يُصْغَ إليهم لما يدور في شكواهم وتظلماتهم وأشجان همومهم في حياتهم اليومية، وأنْ يُسْتَشَاروا في إتخاذ القرار الذي يهمهم في كل الامور. تلك كانت البداية.
ولاحظ معي أنها لا توهب. وهي ليست قراراً فوقياً تهبه الحكومات أو يمنحها الحكام لعيون الشعوب. وانما هو قدر يُنْتَزَعُ.. وخيار إنساني لا مناص عنه، وتلك هي حظوظ الامم والشعوب التي تريد ان تصنع يومها لغد محسن لابن برٍ، والحظوظ لا تأتي الا لمن يسعى إليها ويشتريها ويضحي من اجل الوصول اليه!

نُكْتَة :
سُمِعَ رجل ٌيدعو الله ان يرزقه اللوتري في أمريكا… سألهُ أحدهم : “و ما هي الأرقام التي اخترتها!؟” وكان السؤال مجرد حديث عابر أو فضول وشجن. فرد الرَّجُلُ : ” لم اشترِ التذكرة اساسا”!؟ فأبتسم السائل. سلم على المسؤول. وردد مقولة عمر رضي الله عنه:” أنَّ السماء لا تمطر ذهباً”!

الديمقراطية كلمة أضحت في حالة شيوع مبتذلٍ تردد على كل لسان – حاكماً ومحكوماً وحكومات، وباتت مُفَرَّغَةٌ من المعنى – حتى المعنى الخلافي ؛ وحتى على امتداد تبني أيَّاً من الاجتهادات الخلافية – وصارت مجرد خطاب سياسي أبْلَهٍ في كل مناسبةٍ وتحت أية ظروف. ويدافع بها المحكوم عن حقه امام الحاكم، ويتخذها الحاكم ذريعة للبقاء في الحكم تحت مبررات واهية!؟ وباتَتْ لا تحمل من معنى الديمقراطيةِ إِلا مَسْأَلَةَ ( التَّصويتَ ) رغم إِشكاليةِ المُفْرَدَةِ والتي هي فقط اداة من الادوات فِيْ اشكالية النظريةِ ذاتها ليس إِلا!

وفي ذلك الصندوق الصغير تظهر الإشكالية الأَزلية في صراع الْأَفْضَل، والْأَغْنَى، والْأَقْوَى.. وفي النهاية على ناعوم تُشمُسكِي نخضع لحكم النُّخبة السياسية political elites أو لتداول الحكم من قِبَلِ النُّخَبِ السياسيةِ political elites’ circulation.

ونتيجة لذلك الوضع تبدأ النُّخَبُ في الإنغماس في الفساد الآثِمِ بالارض والناس والحياة.. فتحدثُ التغييرات التاريخية الحتمية.. الثورات تحت مبررات الفساد هي أقوى الثورات على وجه التاريخ، إِنَّ الشُّعُوبَ قَدْ لا تستطيع أَنْ تحكم بشكل جماعي.. ولكن الشُّعُوْبَ بسهولة تقدر أَنْ تُمَزَّقَ نظاماً فاسداً، وتُسْقِط دولةً!

وفي كل الأحوال والظروف هناك حدود لطبيعة معنى الكلمة كما يبدو لي من خلال إطلاعي وقراءاتي التي ارتبطت من الناحية التاريخية لتطور الكلمة وانتقالها من ظروف وأحوال إلى ظروف وأحوال اخرى.

وتحدد بعض الدراسات والمقالات التي تتحدث عن الديمقراطية كنظرية، أو كنظام، أو كنوع من السلوك والتصرفات تجاه الاخر، أو كمنظومة لمؤسسات أو كترتيبات تشريعية مدنية،..تحدد تلك الدراسات والمقالات أَنَّ الديمقراطية عند البعض قد تعني مجموع العناصر السابقة، أو قد تعني أيَّ واحدٍ منهم منفردا.

إنَّ الخلافات بين النَّاس في أي مكان وتحت اي ظرف يحدث نتيجةً لعدم الاتفاقات الاساسية والمبدئية حول تعريفات عناصر مكونات اي حوار لأي قضية. وفي نهاية الخلاف، اما ان نلجأ إلى العقل والنقل لاحتمال الوصول إلى حلول وسطية تفرضها ضرورات الاشياء في الحياة لغرض استمرارها واستمرار نوعنا ؛ أو إلى السيف لحسم الخلاف.

واذا نُزع السيف عن غمده ضاع الخيار وسالت الدماء، وانتهى الجميع في أتون حرب لا منتصر فيها بل من هو اقل خسارة، والخاسر حقيقة هو الطرفين والمتحالفين مع كل طرف، وتنهي الحروب ولكنها تبقى تلك الأحقاد التي تخلفها الحروب، وتظل الخسارة تدور عجلاتها بين الناس على شكل انتقامات تأخذ أشكالاً في حياتنا اليومية.. تنتهي الحرب وتبقى آثارها لأجيال عدة بعد ان تتوقف وأنْ لم تتوقف على وجه الحقيقة.

و الديمقراطية…

في دوراتها على عجلة التاريخ ابتدأت ديمقراطية مباشرة. بمعنى ديمقراطية الوجه للوجه face-to-face democracy. وأهلُ أثينا الدولةُ – المدينة شخصنوا تلك الديمقراطية التي يعتزون بها بآلِهَةٍ سَمَّوها ديموكراتيا demokratia. وبرغم ذلك الذي فعله الأثينيون تظل الديمقراطية ومؤسساتها المدنية ذات شجون عسيرةٍ، وشؤون صعبة!

ولكن تلك الشجون والشؤون تتيح لنا الأختيار اذا اجتهدنا لنخرج في النهاية بنظام قَد يتلائم وتاريخنا وتراثنا وديننا وعادتنا وتقاليدنا في ظل الشعار الديمقراطي، الذي ارساه اهل أثينا والذي مازال إلى الآن يعمل به، وهو (احترام القانون)! لان مسألة الحريات الشخصية اذا تعارضت مع الحياة المدنية المهذبة في الشؤون اليومية للناس – الذين هم في النهاية مَنْ وَضَعَ وصَاْغَ ذَلكَ القانون افتراضاً – هنا تتوقف الحرية الشخصية..!

الديمقراطية المباشرة…
هِيَ التي تبدأ من القرية، أو مجموعة اتحادات قرى كما رسمته في مقال سابق لي ( لوَْ كُنْتُ رَئيْسَاً لِلْيَمَن ).. ثم تكبر شيئا فشيئاً حتى نصل إلى نظام الأقاليم. والديمقراطية المباشرة الوحيدة الباقية في التاريخ هي التجربة السويسرية. وقد حاولت في نفس المقال السابق إلى دعوة حالمة ب (يمننة التجربة السويسرية) بما يتناسب وتاريخنا وتراثنا وديننا وعاداتنا وتقاليدنا الصالحتين ان امكن.

و حين تدخلت فكرة المال في مضاربات التاريخ حصل نوع من ايجاد حلول الوسط بين الحاكم والنخبة المالية الاقتصادية وبالطبع في غياب الحصان الشعب!…
كيف؟!
بدلاً من مواجهة العامة والهوام من الناس بنفس الفكرة القديمة التي طرحها أفلاطون حينما هاجم الديمقراطية على انها حكم kratos العامة demos على النُّخْبَةِ المتعلمة والمثقفة لانه كان يرى تمييزاً بين الرأي وبين المعرفة ؛ أو حكم الرأي الشائع والاغلب العام doxa على المعرفة pholosophia كما كان يراها، ويبني جدالاته ونقاشاته عليها. فالديمقراطية كما هاجمها، هي حكمٌ أو ربما فوضى أَرآءِ لأغلبية بغض النظر عن صحتها، حسب رأيه..’بِأَن حقيقة الأشياء لا يعرفها الا الفلاسفة’. وتلميذه أرسطو حينما جادل أستاذه فإنه لم يرفضها ألبتةَ، بل ادخل عليها تعديلات ذات نسق توافقي.!!بدلاًمِن المواجهة مع العامة على ذلك الوصف وُجدتْ الديمقراطية التمثيلية representative democracy.

اما قلت لكم ان الديمقراطية منذ تكوينها ونشأتها قضية فلسفية خلافية ونظرية حولها الكثير من الجدل والصعوبات في فكفكة أجزائها لممارستها على الواقع وفي الموضوع.

بدايةً؛ وعلى إتساع المعنى.. فأن الديمقراطية هي شعار نبيل noble ideal! وقيمة أخلاقية moral value. ولا يجب الخلط بينهما.

و يجب ان يكون هناك توافق إلى حد كبير بين الديمقراطية كنسقٍ من القيم الأخلاقية والسلوك الحياتي اليومي للناس، وبين الديمقراطية كمؤسسات تحريك للمجتمع، وترتيبات مدنية يُصِيْغُها النَّاسُ، تُلْزِمُ الناسَ بما أُتُّفِقَ عليه من سقوف مرجعية حال قيام أي خلافٍ! ا وكما يقول بريكليس

والديمقراطية.. كما قلت سابقاً كانت قد مرت بمراحل تاريخية سواء على مستوى المعنى الجدلي والخلافي..، أو على مستوى المنحى التاريخي التجريبي والذي هو بحد ذاته يعطي المعنى الجدلي الخلافي تعريفاً جديداً من خلال مبدأ التجربة والخطأ check and balance.

وهي نفس الفكرة التي دارت حولها مقالتي السابقة ( محاولات لفهم محركات التاريخ ) حين ذكرت ان التغييرات في التاريخ تبدأ من ارهاصات التحديات التي تواجه الانسان،…ومن ثَّمَّةَ يصنعُ الانسانُ تاريخَهُ، ولا يصنعُ التاريخُ الانسانَ!! على ما يشابه المثل اليمني الشعبي القائل (الرِّجاَلْ نجيبْ الفلوسْ والفلوس ما تجيبْ رِجَالْ)!؟

ومن اهم المراحل التي مرت بها الديمقراطية معنى وممارسة :

المرحلة الاولى :
وهي المرحلة التي كونت ْارهاصات واساسات الثورة الديمقراطية الاولى في الدنيا.
تجربة ثورة الجياع في أثينا ا( لدولة-المدينة )، فيما بين القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد. وقد دار النقاشُ والجدال كما رأينا بين اثنين من الفلاسفة ؛ الاستاذ والتلميذ ؛ أفلاطون وأرسطو. وكما رأينا ان أفلاطون كان يقف ضدمَسْأَلة الرأي الغالب لان الأغلبية هم من العامة المتعلمة ومحدودي الثَّقافةِ ان لم يكونوا معدومي التعليم والثقافة!..

كما كان يرى ان النخبة من الفلاسفة أو المفكرين في تلك الحالة سينم أقصاوها وتترك الامور بحالة من الفوضى anarchy. وان سيطرة الرأي الشائع والمسطح لا يعني إستقامته وصحته لمجرد ان العامة doxa هي الأغلبية الساحقة majority!.. والنخبة المفكرة والمثقفة – في أي زمان ومكان – أضحت أقلية minority. وكان يردد ان الديمقراطية هي..’ الفوضى أو بأقل تعبير حدةً مجرد رأي.

و أرسطو التلميذ حاول ايجاد أرضية ممهدةٍ على نسقً توافقي، أو بَيْنِيٍّ مُعَدَّل، مُقَترِحَاً في جداله الفلسفي مع أستاذه ان الديمقراطية هي حكومة راشدة تتكون من عدد من العناصر سنتعرض لها بعد قليل وقد ذكرناها سابقا. واقترح تعريفاً تلفيقياً مفاده هو حكم الأقلية بموافقة الأغلبية..’ انَّ قِلَّة ًمن الناس تدير شؤون الأغلبية بموافقة الأغلبية ذاتها ’… وان هذه القِلَّةَ التي تدير الحكم لصالح الأغلبية يجب ان تكون متميزة بالفرادة والتفوق arête أو بمعنى حديث excellence أي من الطبقات الأرستوقراطية في المجتمع. واذا رجعنا للكلمة ارستوقراطية إلى القواميس و إلى الموسوعات، سنجد ان الكلمة تعني الطبقة الاجتماعي الراقية التي يمنحها الحاكم امتيازات خاصة نتيجة لوضعها الاجتماعي وثقافتها المتميزة أو the rule of the best

إذن، مازلنا ندور في نفس الدائرة تقريبا.. الاستاذ يدعو لحكم القلة من المفكرين واصحاب الحكمة وال معرفة. والتلميذ لحكم القلة من الطبقة الاستوقراطية، اي الي الطبقة الإِقطاعيةِ المتعلمة وذات الثقافة المتميزة، وليس اهل المعرفة والحكمة كما أصر أستاذه. حاول التلميذ ان يدخل عنصراً جديداً على ما يبدو اي وهو عنصر التعليم والتثقيف. وانتهت القصة في هذه المرحلة حينما دافع الأرستوقراطيون عن مصالحهم بالقولة المعروفة (اذا كان الناس متساوون في أشياء فان ذلك لا يعني انهم متساوون في كل شيء)… فَأَيْنَ ديمقراطية أرسطو إِذنْ كما يدَّعِيْ البعضُ من الدَّارِسينَ انَّهُ أَبَا الديمقراطية!

المرحلة الثانية :
وهي هذه المرحلة التي حاولت فيها روما الجمهورية تطبيق نظرية أفلاطون “الديمقراطية هي الحكومة الراشدة من خليط. من عناصر”. وقد كان ذلك في روما الجمهورية. وبنفس النسق استخدمها ميكيافيلي صاحي كتاب الامير (الذي اعتمد للحاكم سياسة” الغاية تبرر الوسيلة”..

و بنفس النسق أيضاً استخدمت من قبل الجمهوريين في بريطانيا في القرن السابع عشر، والأمريكيون تداولوها بذلك المعني في الايام الاولى للجمهورية الأمريكية. كلهم امنوا بنظرية أرسطو في الديمقراطية التي تختصر في انَّ “… الديمقراطية هي الحكومة الراشدة المكونة من عناصر متوافقة ومتناسقة”. وفي هذه المرحلة تم تحريك الديمقراطية – معنى وممارسةً – بإتجاه المواطن. وارتفعت الأصوات العالية المنادية بتوسيع باب المشاركة لان في ذلك دوافع معقولة بإتجاه تكوين الحكومة الراشدة، من خلال إثراء الجهاز الرقابي المتوخَى من توسيع باب المشاركة.

وهذا ما قصده عمر ابن الخطاب حين علم ان الخليفة أبا بكر كان قد استقطع بعض الصحابة بعض اقطاعات.. فقال قانونه الباقي (… فهلا وسعت المشورة )!…اي توسيع دائرة الرقابة الشعبية. ونحن المعماريون اذا ما صنفنا أو قيمنا عنصراً معماريا. ما.. على انه عنصراً أو قطعةً فنيةً ديمقراطيةً، فأنَّا نعني بذلك فناً يشاهده ويحبه أو ينتقدهُ الجمهور اي فناً شعبيا.

وفي تلك المرحلة أيضاً بدتْ وَاضِحَةً جليةً نجاحاتُ النداءات التي أكدت أَنَّ القوانين المنظِمة والضابِطة للحاكم والمحكوم علئ السواء لن نكون ذات فاعلية ان لم يكن المواطن عاملٌ فاعلٌ من حيث انه يكون قد ساهم لمناقشتها واعتمادها وتقنينها، ومن ثمة يدخل الجميع تحت طائلتها. نرى اذا ما تتبعنا فترة تأريخ هذه المرحلة ان الجدال قد مال مَيْلَةً ما.. نحو المواطن! فالجدال الذي كان قائما آنئذٍ دار على محورين أساسين :

الاول هو محور اخلاقي.. الذي اكد نظرته وتقييمه للمواطن على انه مرسِل ومستقبِل، أَي أَنَّهُ يساهم مساهمة فعالةً في صِيَاْغَةِ القوانين ( مرسل ) التزم بها الجميع ( مستقبل )..، وليس مجرد مطيع للقوانين ومنساق مؤدب للحياة المدنية العامة دون ان يكون صانعاً ومساهماً في تشكيلها وقولبتها مسبقاً ومنذ البداية.

و المحور الثاني…هو المحور العملي أو الموسساتي، والذي يعني في النهاية ان الحكومة الراشدة التي يثق بها المواطن والشعب هي حكومة قوية وقادرة على تسيير دفة السفينة تبعا لما ذكر في المحور الاول. وظهرت لاول مرة فكرة الشعب – الجيش أو بالتعبير الانجليزي الشعب الميليشيا، والتي حفزتها تلك التطورات التي حدثت، ومنحت المواطن إحساسه بالمواطنة، وبالتالي حبه في الدفاع عن ارضه ليس من عدو خارجي أو تهديداته، بل اولا من عدوه في بيته : الظلم…!

و عليه فقد توقفت تقاليدُ استئجار المرتزقة التي كانتْ ظاهرة شائعة في تلك الفترات من التاريخ، وأخذت (الميليشيا – الشعب) مسألة الدفاع عن نفسه من الداخل والخارج. وفي رأئي ان الحكومة تكون قوية اذا كانت المعارضة قوية والعكس يستقيم. ولهذا فاني اعتبر معارضتنا ضعيفة لان الدولة أساساً ضعيفة فلا يشتبه الامر عليك وتظنن العكس!

المرحلة الثالثة:
في هذه المرحلة تحركت الديمقراطية بإتجاه المواطن اكثر من حيث توسيع دائرة المشاركة في إدارة شؤون الامة، وانفلت المواطن من ربقة الضرورة التي كانت تقيد حريته وتضيق من دائرة حياته في المشاركة. وفي السابق… في المرحلتين السابقتين كانت الثقافة العالية والراقية، وحيازة عين مملوكة ( التَّمَلُّك ) عنصرين مؤهلين للمواطن تؤهلانه لتلك المشاركة.

انكسر ذلك القيد في المرحلة الثالثة. ويظهر ذلك جليا في أدبيات الثورة الفرنسية، والكتابات السياسية، والخطاب الاجتماعي في مؤلفات چان چاك روسو! حيث مهدت تلك الثورة الطريق امام الناس – بعيدا. عن قيد الثقافة والتملك – ليكون لكل مواطن الحق في ان يُسْمَعَ صوته، ويُصْغَ لما يقول، وله كامل التصرف في المشاركة في المسائل والشؤون التي تمسه، وتمس حياة الناس علي كل المستويات بدلا من الاستماع فقط لنخبة المجتمع الراقي المتصنع والمصطنع.

وتلك بحد ذاتها كانت القشة التي قصمت وأنهت فكرة الطبقات الأرستوقراطية ؛ فحررت الامة والشعب من الظلم والجهل وتسابيح الكنيسة التي كانت تمنح صكوك الغفران. وترى الموسوعة البريطانية ان كل تلك الحريات لم تكن لتتعلق أو ترتبط منذ بدايات التجربة الديمقراطية في هذه المرحلةِ بالحرية الشخصية التي ظهرت بوضوح وجلاء وقوة في المرحلة الرابعة كما سنرى، والتي طغت فيها مسألة الحرية الشخصية individualism حتى على جدال الديمقراطية ذاتها فبقيت كما هي عليه الان!

و تحول النقاش والجدال عن عمدً وقصدً إلى مسألة الحريات الشخصية بدلاً من اثراء التجربة باستمرارية. وقد ذكرت الموسوعة البريطانية ايضاً ان الحرية الشخصية لم تكنْ قَدْ ظهرتْ على السطح بعد، وكان هناك شئ من عدم وضوح الرؤية في ذلك الشأن حتى أَنَّ الناس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في اوروبا، والذين كانوا يصبون اهتماماتهم حول مشكلة الحريات، لم يكونوا يسموا انفسهم ب ديمقراطيين بل ب الدستوريين أو الجمهوريين.

المرحلة الرابعة :
هي مرحلة الرَّشَدِ التي بلغتها التجربة الانسانية بعد اول تجربة كانت في المدينة – الدولة أثينا عندما قامت اول ثورة ديمقراطية في العالم. في هذه المرحلة كانت أمريكا هي فاتحة الديمقراطية الحديثة ولاحظ أني قلت كانت! – وابْتُنِيَ الدستور الأمريكي على أساسها. ولحقتها الدساتيرالاوروبية في القرن التاسع عشر، وبعد الحرب العالمية الثانية التي انتهت بهزيمة اليابان والمانيا قامت الدولتان المهزومتان بسلوك نفس المسلك الديمقراطي.

واعتقد انهما اليوم تميزتا تميزاً ملحوظاً عن بقية التجارب الديمقراطية الاخرى عدا التجربة السويسرية الوحيدة الباقية في العالم كديمقراطية مباشرة. وفي كتاباتهما – چون ستيوارت مِل وأليكسي دي تاكُفيل – سنلحظ دون أدنى تشويش أو تمويه وبكل صراحة انهم يؤكدان ’.. وعلى ان الجميع يستطيع ان يساهم في كل الشؤون اذا كانوا مهتمين، بل ان عليهم واجب الاهتمام والمساهمة في ذلك ’..

و يؤكدان أيضاً ’…على احترام حقوق الاخرين بنفس السلوك، والمنهج والمقدار الذي يريدون الاخرين ان يحترموهم به تحت مظلة القانون.. ’ الذي يستظله الجميع، وتحت المنظومة النسفية من النظم والقوانين التي تُعَرّفُ وتحمي وتحدد بل وتُحِدُ من هذه الحقوق والحريات. وتلك هي المفاهيم التي يفهمها الأمريكي والاوروبي والياباني وغيرهم في البلدان التي تمارس الديمقراطية الحقة برغم سيطرة رأس المال، والمال – بشكل عام – على قوانين اللعبة الديمقراطية في القرن العشرين والحادي والعشرين، فأطلقوا ما يسمى بالعولمة والتي تعني، في النهاية سيطرة مجموعة من الشركات الديناصورية على العالم كله، إلى الحد التي تجعلنا نؤمن بإرهاصات النظرية التآمريةconspiracy theory،ونظرية الفوضى chaos theory، ونظرية الحكومات الشركات corporate government، ونظرية تاجر البندقية لشكسبير.

و يبقى في الميزان حالة التناقض القائمة بين الحرية الشخصية، والحريات كما تفهمها الديمقراطية… الحالة الجدلية الخلافية الراهنة بين مفهوم وفكرة سلطة الامة والتي فيما تعنيه – حسب مداميك واسس الديمقراطية – الحس المدني الجماعي للامة بكل تشكيلاته وشجونه من قوانين مدنية تنظم حياة الناس اليومية، والأعراف المدينية التي يحترمها الناس وان تجاوزها القانون common sense، والتقاليد التي قد يختص بها شعب دون اخر رغم ممارسة نفس اللعبة… وبين الحريات الفردية أو الشخصية individual rights. حيث يجب ان يحاول المفكرون حلَّ التناقض القائمة بينهما، وإِيجاد أرضية توافقية!

ولكنا نلاحظ كل يوم ان حالة التباعد تزداد بينهما، وتكبر الفجوة التي تزيد الامور تعقيداً. أضف الئ ذلك ان الاحزاب الديمقراطية حين تواجه حالة جدلية تناقضية كتلك – مثلاً الإجهاض أو زواج الأشباه وما إلى ذلك – تلجأ هذه الاحزاب الئ الملاذ الاخير… إلى الكنيسة!! بمعنى أوسع إلى الدين ؛ بغض النظر عن نتائج اي قرار قد يصوِّت عليه البرلمان… الدين!؟

و مما يزيد مفهوم الديمقراطية تورطاً وحرجاً وتعقيداً ؛ هو انه في عصر العولمة، وحركة المال، والحكومات الشركات – وكل ما ذكرته سابقاً – وفي عصر المبيعات النارية fire sale، والتوكيلات الضخمة mass franchise، وعصر الانترنت المهول والمتسارع المتصارع…كل ذلك يضع الديمقراطية في حرج يُسَيِّلُ الْعَرَقَ، وورطة مهينة…

اذ كيف يمكن التوفيق بَيْنَ قوة المال الذي يريد السيطرةَ على الشُّعوب، وسلطة الشعوب التي تريد توزيعَ المال بالعدل والمساواة! حين بدت قواعد اللعبة راجحة وواضحة باتجاه العولمة بدلاً عن الدمقرطة.

والسؤال..أَيْنَ نَقِفُ بعد هذه النبذة التاريخية السريعة والمقتضبة حول الديمقراطية. ما بين أثينا وقرقيزيا منذ القرن الخامس قبل الميلاد والقرن الحادي والعشرين اي منذ 2600 سنة نحن اليمنيون؟

و هل نحن في الديمقراطية الخامسة التي لا تحمل اية عناوين أو إرهاصات التطور، غير إفتعال الحروب والأزمات؟ (ديمقراطية علي) وذبح الأثوار!! والمحدش!
و ماذا نريد ان نفعل؟! وكيف؟! ومتى!؟
هل أدْرَكْنا الوقتَ؟! ام هل أدْرَكَنا الوقتُ؟!

وللحديث بقية إن شاءالله وسامحوني.

خَوَاْطِرٌ مِن قلم
المُهَنْدِس عَبْدالْكَرِيْم عَبْدالله عَبْدالْوَهَّاْب نُعْمَاْن

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية