شعبنا يتألم بصمت

ما الذي علينا فعله للناس؟ لقد وعدناهم بأشياء كثيرة وكتب المئات عن الفردوس الذي كان علي عبد الله صالح يقف ببابه ويمنع شعبنا الدخول..

الناس متعبون ولم يعد لديهم الطاقة الكافية لانتظار مكاسب بعيدة المدى. يقولون إن (لقمة الشابع على الجاوع بطية).

المثقفون مشبعون بالكلمات والتفسيرات واستنزاف الأيام في محاولة فهم ما يحدث، وفي أحسن الأحوال سيقدمون للناس جملة مواعظ استراتيجية بينما يحتاجون لفارق في حياتهم وجعلها أقل قسوه، وأن يشعروا أن لديهم في صنعاء بديلاً لعلي عبد الله صالح ومناقضاً له في كل الذي كان يرهق حياتهم. حتى الذين ظلوا يطلقون النار ابتهاجاً بسلامته وعودته وبقوا على وفائهم له فهم على أمل الحصول على مزايا رئيس جديد فرض عليهم كأمرٍ واقع.

لكننا في أحسن الأحوال سنبقى نتجادل في صنعاء وننقسم ونحصي عيوب السياسيين ضمن عملية احتجاز لرجاء الناس في الجلبة والصراخ الذي نحدثه في صنعاء.

أشعر أنهم يروحون ويعودون بوجوم اليائس من تغيير حظه والذي فقد القدرة حتى على كراهية الساسة وتحميلهم المسؤولية.

ذلك أنه من فرط ما تتعب وتجرب، وتنتخب وتثور، وتتحمس وتتابع قناة الجزيرة، وتقرب وجعك من منطقة الراحة الموعودة، ويلوح لك الخلاص من هذه الثورة، ولا يحدث لك شيء، لا تتحسن ولا تسوء حالتك، ينتهي بك المطاف إلى الوجوم.

يتحدث قادة المشترك عن وجوب إعطاء الناس الأمل في المقالات على أن لهجة اليأس خطرة للغاية، وبودي لو أفعل غير أنني أعيد الأمر من أوله إلى آخره إلى عجز السياسيين عن التحدث إلى شعبنا ومنحه هذا الأمل.

مع إدراكي المسبق لفكرة أن أي حديث لشعبنا متعذر الآن بسبب انتقاد السياسيين لكاريزما التواصل الحميم المسؤول.

لطالما حلمت برومانسية ساذجة أن يتحدث الرئيس هادي إلى الشعب كل مساء من جوار المدفأة، كما كان الرئيس الأمريكي روزفلت يفعل. غير أن المشكلة أن الرئيس هادي ليس لديه مدفأة ولا لهجة دافئة.

عندما كنت صغيراً كانت تنقصني أشياء على الدوام، بوتي رياضي – كوت جديد، وكنت أبقى متضرراً حين أرى ظهر أبي وهو منصرف عني لا يرى حاجتي، غير أنه كان يتمتع بعاطفة ذكية وما يلبث أن يقترب مني يضع كفه على رأسي ويقول: إن شاء الله يا ولدي أدي لك البوتي لما يرسلوا أخوتك بفلوس.

يمكنني بعدها إمضاء الأيام على أمل وبحالة رضى وانتماء للأب الذي يرى حاجتي.
يحتاج شعبنا لأب. وأنا هنا لا أناقض ما كتبته يوماً عن وجوب تخلص شرقنا من فكرة الأب المخلَّص.

شعبنا الآن يحتاج لمن يتكلم معه ويخبره بصدق كم أنه يدرك تعبه وما الذي يثقل كاهله..
عندما يخفق السياسي في مساندة الناس يهرب للاستراتيجيات الوطنية. حماية السيادة والوحدة والوطنية وبناء دولة حديثة. مع أن هذه الاستراتيجيات مرتبطة مباشرة بأكياس القمح وحليب الأطفال وملابس العيد ومصاريف المدرسة وأن ينام الرجل باحترامه لنفسه وعلاقته السوية بعائلته… لذلك لا يجد الرئيس (أي رئيس) شركاء في عامة الشعب، لأنه يعطيهم ظهره في غمرة انشغاله بالاستراتيجيات.

الذين بقوا أوفياء لعلي صالح من عامة الشعب لم يكن ذلك بسبب من شعورهم بالشراكة معه بقدر ما هو الوفاء لطول العشرة.

يشبه شعبنا الآن ذلك القروي الذي كان يتلوى من ألم ضرسه وحين أسعفوه إلى إب وبسبب الطريق والإجراءات الإسعافية شعر بالتحسن ولم يعد قادراً وهو ممدد أمام الطبيب، لم يعد قادراً على تمييز الضرس المؤلم، والطبيب أقل كفاءة من اكتشاف موضع ذلك الضرس. فعاد الرجل إلى قريته يتألم بصمت من لم يعد يعرف سبب ألمه.