مصر آخر قلعة للعرب

الفراعنة خصوصا النخبة يفخرون بأنهم يرتبطون بحضارة عمرها أربعة آلاف عام ‏ويسمون هذا الارتباط تاريخا لا يمكن نسيانه أو الانسلاخ منه – دي أم الدنيا يا قدع لكن ‏المفارقة العجيبة هي عندما تدعو طبقة متدينة إلى الارتباط بالحضارة الإسلامية التي عمرها ‏ألف وخمسمائة عام يعتبرون هذه الدعوة متخلفة ورجعية وظلامية رغم الفرق الشاسع بين ‏تعاليم الله وتعاليم فرعون!! ‏

ولقد نجحت وسائل الإعلام في تصوير الاعتصام على أنه اخواني وليس شعبي وهذا خطأ ‏شارك فيه الإخوان أنفسهم حتى جردوهم من حلفائهم في الاعتصام كما فعلوا بهم عندما كانوا ‏في الحكم حين جردوهم من شركائهم الواحد تلو الآخر حتى تصور للجميع بأن المعركة هي ‏قائمة بين فصيل واحد يريد أن يأخذ الشعب المصري بأكمله تحت ” باطوه ” ويعلمه الإسلام ‏من جديد وهذا ما يثير حفيظة الناس.‏

نحن شعوب عاطفية بسبب الأنظمة القمعية التي تحكمنا لكن الشعب المصري عاطفي لدرجة ‏تجعله سهل التحريض والانفعال, فلقد رأينا خير أجناد الأرض يطلقون الرصاص الحي على ‏المساجد ويحرقونها ويقتلون الشيب والشباب والمرأة والرضيع بل ويعتدون على النساء ‏المنقبات بالضرب والسب وهذا منعطف يدق ناقوس الخطر مخافة انزلاق أم الدنيا ” بقدعانها ‏‏” إلى حرب أهلية. فالعنف اللامبرر في ظل صمت دولي مخيب للآمال يجعلنا نسأل لو كان ‏كل هؤلاء القتلى من الأقباط هل سيسكت العالم؟ ‏

وهل كان الفريق السيسي سيفض اعتصام مسيحي بهذه القوة؟ فلقد أتضح للعيان بأن السيسي ‏يسير بالبلاد في مسار غير الذي قامت من أجله ثورة 25يناير بل وغير الذي قامت من أجله ‏مظاهرات 30 يونيو التي عزلت مرسي.‏

الصراع بين الإسلام السياسي ممثلاً في الإخوان المسلمين والمؤسسة العسكرية قائم منذ قيام ‏الجمهورية المصرية نفسها في 23 يوليو 1952م فلقد قام ناصر تحت ضغط من حليفه ‏الاستراتيجي الاتحاد السوفيتي – بزج الإسلاميين في السجون وأعدم البعض ممن تم وصفهم ‏بالتكفيريين, وحين جاء السادات في العام 1970م سار على نفس المنوال بل وأشد ضراوة ‏بسبب اعتراض الإسلاميين على معاهدة السلام مع اليهود مع فارق جوهري أن جماعة جهادية ‏متشددة بقيادة خالد الإسلامبولي استطاعت في ظروف غامضة الوصول لرأس السادات وهو ‏يحتفل بعيد العبور ولم يشفع له العبور أو النصر أو حتى شقيقه طلعت السادات الذي قتل في ‏نفس المعركة وهكذا تعمقت الخصومة بين الإسلاميين والعسكر خصوصا بعد وجود ثأر ‏بينهما تمثل في دم السادات.‏

وحين آتى مبارك جعل الدولة بوليسا وسجنا ثم توجه لتوريث الحكم لابنه جمال رجل ‏الاقتصاد الطموح إلا أن كونه مدنيا جعل الأمر أشبه بالمستحيل لأن هذا المشروع لن يمر ‏بسلام على المؤسسة العسكرية قبل الحديث عن تمريره على الشعب مما يكشف تشبث العسكر ‏بالسلطة وحنقهم على النظام المدني. والدليل على تغول الجيش في السلطة التنفيذية يتضح من ‏خلال أن الجيش هوالذي خلع مبارك وليس الشعب, ثم تولى قيادة البلاد بعد 25يناير وظل ‏يتملص ويحاول الالتفاف على الثورة ولعب بكل الأوراق المتاحة أمامه حتى حصرته ‏الجماهير وصوت الشارع لتسليم قيادة البلاد إلى الرئيس المنتخب محمد مرسي, ومحاولتهم ‏الأخيرة لاسترداد السلطة تمثلت في أنهم غامروا بوضع الفريق أحمد شفيق منافسا للمرشحين ‏الذين هم كلهم مدنيين رغم أن الثورة قامت أساسا على العسكر والنظام البوليسي الذي يؤمن ‏دائما بالحسم والعنف والقوة في حل مشاكله الداخلية مع الشعب والمعارضة.‏

صدمني حد الدهشة خبر استقالة الدكتور محمد البرادعي وهو الذي خلع الشرعية ووفر ‏للانقلاب مظلة دولية ثم هاهو ينقلب على الانقلاب ذاته, ولا أرى أنه أراد بذلك إلا ثلاثة أمور.. ‏الأول هوادعاء البراءة من المسؤولية التاريخية حول مقتل آلاف المعتصمين, والثاني أن ‏الرجل يتراجع للخلف ليس اعتراضا على القمع كما يحاول أن يُوهمنا وإنما هو تأهب للوثب ‏إلى الإمام ليتقدم الجميع لأن الدماء ستحرك الرأي العالمي وقد يتقدم الغرب بمبادرة يطرح ‏البرادعي كرئيس توافقي لجميع الأطراف, والأمر الثالث أدركه البرادعي متأخرًا بأن السلطة ‏التنفيذية بيد الفريق السيسي ويبدو أنه لن يسلمها لأي رئيس مدني سواء إسلاميا أو علمانيا لذا ‏يريد البرادعي من الغرب أن يساعده على تقويض سلطات الجيش قبل أن يتقلد زمام الأمور, ‏فالبرادعي ضرب الإخوان بالجيش وهاهو يحاول أن يضرب الجيش بالغرب ليكون الفرعون ‏القادم ولن يرضى بأقل من ذلك مهما كلف الثمن فهو يرى الأمر مكافأة شخصية له من الغرب ‏ومن مصر ليختم بها حياته السياسية ومن هنا ندرك بأن الرجل فعلاً يصطاد في الماء العكر.‏

يجب أن ندرك أن ضياع مصر سيكون ضياعا للعرب لسببين أوردهما السادات ذات مرة.. ‏السبب الأول أن العرب لن تحارب إسرائيل بدون مصر والثاني أن مصر هي مفتاح السلام ‏والحرب في المنطقة لذا يجب أن نعرف أهمية مصر ليس بالنسبة لنا فقط وإنما أيضا بالنسبة ‏لليهود فهم يسعون بكل السبل للحفاظ عليها من خلال وصول أنظمة عسكرية وقمعية. وعليه ‏يمكننا القول بأن اليهود حققوا شعارهم القائل ” حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل” وهذه ‏الحدود كما يتضح لنا الآن ليست حدودًا جغرافية بقدر ماهي حدود سياسية واقتصادية تعمل ‏على تأمين وجود إسرائيل واستمرارها في المنطقة.‏