وزير الداخلية اليمني الجديد.. قراءة إدارية

القيادة ظاهرة إنسانية معقدة في حياة البشر، وقد اجتهد العلماء والباحثون من عدة حقول علمية في سبيل فهم كنه هذه الظاهرة والأسباب والمسببات التي تقف ورائها، وما الذي يصنع من فلان قائداً، وآخر غير قائد مع أنه قد يملك الخصائص القيادية. ومن ثم برزت عدة فرضيات ونظريات ومدارس متباينة في هذا المجال، ولا زالت المحاولات مستمرة حتى اللحظة. ولكن مع ذلك ظلت ظاهرة القيادة محاطة بقدر كبير من الغموض والتعقيد.

وفي تقديري إن القيادة أمر ضروري لأي منظمة أو أمة من الأمم أو منظمة فالقيادة الفعالة تمثل العقل المفكر والمدبر للأمة، وكثير من الأمم التي نهضت كان وراء نهضتها قائد استثنائي قاد التحولات الكبرى في حياتها وعلى كافة الأصعدة، وبعض الأمم التي بلغت ذات شأوً ومكانة مرموقة في سلم الحضارة الإنسانية، جاء انهيارها واضمحلالها على يد قائد غير كفؤ تولى زمام أمورها فهوى بها بقراراته الرعناء إلى الجانب المظلم من التاريخ. والأمثلة كثيرة خاصة في الحياة العربية.

ومع أن هناك جدل بين العلماء والباحثين في كون القائد يولد أم يصنع، إلا إن المؤشرات تشير إلى إن القيادة في معظمها هبة ووراثة، ومن لا يمتلك الحد الأدنى من السمات القيادية لا يمكن إن يصبح قائدا مهما تدرب وحصل على الشهادات العليا في علم القيادة. فالقيادة وخاصة القيادة الكاريزماتية ()، وبالطبع كلمة (كاريزما) مجلوبة من القاموس اليوناني القديم، والتي تعني هبة العانية الإلهية.. أي إن القادة هم شخصيات وهبها الخالق جل وعلا خصائص وسمات لا توجد لدى الآخرين.

وقد تعدد وطالت قوائم سمات وصفات القادة في الدراسات المتخصصة إلا إن أبرزها: الجسارة والثبات في المواقف الصعبة والقدرة العصبية والاتزان النفسي والنضج العاطفي، وكذلك المرونة والتفتح الذهني والبصيرة والرؤية الثاقبة، وإدراك ما لا يراه الآخرون واتخاذ القرارات في ظل الغموض وعدم توفر المعلومات، ناهيك عن الذكاء الوجداني والقدرة على احتواء الناس والإقناع والتأثير وإثارة الدافعية لدى الإتباع، وأخيرا تمثل السلوك الأخلاقي والترفع عن المصالح الذاتية.

يجب الاعتراف إن اليمن لم يمتلك بعد منظومة متكاملة وفاعلة وعصرية للأمن الداخلي قادرة على حماية السكينة العامة والاستجابة للمواطن في أي ظرف وفي أي مكان من الجمهورية، وما هو موجود عبارة عن قلعة بيروقراطية متهالكة هدفها خدمة قياداتها وموظفيها أكثر من حرصها على خدمة المواطن. فهذه الوزارة لا زالت تعمل بنفس الثقافة التي كانت سائدة في عهد الإمامة مع أن الإمامة قد مضى عليها أكثر من نصف قرن. فلا زال العمل بنظام (العكفي) و(أجرة العسكري) و (حق الطقم) و(حق بن هادي)، ولا زالت أماكن الاحتجاز أشبه بالكهوف المظلمة، ولا زال الكادر الأمني من محدودي التعاليم وأرباع المتعلمين، ولا زال رجال المرور يصطادون السيارات بالحق وبالباطل، ولازال السماسرة في أبواب كل وحدة إدارية تابعة للوزارة، ولا زال التلاعب والتزوير والتحوير في الوثائق، ولا زالت مرتبات منسوبي الداخلية زهيدة والتغذية هزيلة، ولا يمكن إن يسترد حق عن طريق الجهاز الأمني ما لم يدفع المواطن مقابل تلك الخدمة.

أما السجون فوضعها أمر لا يطاق ويفتقر لأبسط المعايير والمقومات الأساسية .. ناهيك عن غياب قاعدة متكاملة ودقيقة للمعلومات وسجل وطني محكم يمنع التلاعب بالبيانات وتزوير وثائق السفر. وكل من تقلدوا هذه المؤسسة الوطنية الهامة كانوا مجرد مديرين يسيرون الوضع الراهن ويحسنون أوضاعهم وأوضاع الأقرباء والمحاسيب، باستثناء اللواء يحيى المتوكل الذي حاول إعادة الهيبة لجهاز الداخلية، والدكتور رشاد العليمي الذي أراد إن يخترق الوزارة العتيدة بثقافة إدارية جديدة وأساليب وتقنيات حديثة. حيث بدأت الوزارة في عهده تلامس الأساليب الحديثة في العمل، والأهم من ذلك تحديث منظومة خدمات وزارة الداخلية من خلال أسلوب تطوير علمي حديث يسمى المنظمة الموازية وهي تتمثل في (مركز الإصدار الآلي الموحد لخدمات الداخلية).

وهنا أجدها فرصة بمناسبة تعيين وزير جديد لمؤسسة الداخلية اليمنية، وفي ظل ما تعيشه البلد من تفلت أمني وتحديات شائكة، حيث استمعت إلى الخطاب الأول للوزير الجديد واطلعت على سيرته الذاتية، وخرجت بعد استنتاجات بعد إجراء دراسة سريعة لمضمون ذلك. وهنا يجب أن اعترف بأني لا أعرف الرجل ولا تربطني به أي علاقة أو صداقة أو مصلحة، ولا أعرف إلى أي اتجاه سياسي ينتمي، وأن ما سأكتبه في هذه السطور مجرد دراسة علمية سريعة موضوعية ومجردة تقوم على منهج علمي معروف وهو منهج تحليل المضمون.

ولا أخفي سراً أنه كان ساورني وغيري كثير من الشك في الوزير المعين حديثاً في مدى امتلاكه للقدرة القيادية والرؤية العصرية للعمل الإداري والأمني؛ لكونه كان ضابطاً مغموراً، وليس له أي مساهمات بارزة فيما مضى، ولكن بعد أن استمعت إلى أول حديث له حلت الطمأنينة في نفسي. ومن دراستي فقد توصلت إلى الآتي:

يبدو إن الرجل من خطابه يتمتع بقدرات فكرية وتحليلية عالية، كما أنه يمتلك اللباقة والمهارات اللغوية السليمة والمباشرة للتعبير عما يريد، بالإضافة إلى أن لديه ثقافة عامة مناسبة، وإدراك كامل لمشكلات البلد، والأمنية منها على وجه الخصوص. كذلك يبدو أن لديه اطلاع وإلمام بأدوات التنظيم الإداري والإدارة عموماً. كما يتحلى الرجل بما هو أهم من ذلك وهو الجسارة والدافعية والثقة بالنفس للعمل والتطوير. ويميل إلى العمل بمعايير مهنية واحترافية وأهمها معايير الكفاءة والفعالية في العمل، علاوة على تذكيره بمبدأ مهم وهو مبدأ الجدارة في التعيين والترقيات، حيث طرح رؤيته للتعيينات في الوظائف الشاغرة في وزارته، مؤكداً بأن العملية ستبدأ بالإعلان عن الوظائف الشاغرة وفتح باب الترشح للجميع ثم تطبيق المعايير التي أهمها الشهادة العليا والرتبة الكبيرة وامتلاك المتقدم لبرنامج عمل لتطوير الإدارة المترشح لها.

كما يبدو من خطابه أيضا أنه لا يروق له العمل وفق أسلوب رد الفعل بل وفق منهج التخطيط الاستراتيجي لمواجهة المشكلات والتحديات المتعدد، وقد وعد بتقديم رؤية ومصفوفة متكاملة للارتقاء بالعمل في الوزارة. كما يظهر من الخطاب ذاته أن لدى الرجل قناعة بتطبيق سيادة القانون على الجميع سواء كانوا مواطنين عاديين أو مسئولين، بل وأدان كل مسئول أمني أو عسكري أو مدني يستخدم سلطاته وإمكانيات الدولة للتقطع والنهب والتخريب وحل مشكلاته الشخصية أو القبلية من خلالها، ووعد بعدم التسامح إطلاقا في ذلك. وأخيراً دعا مؤسسات الإعلام إلى النقد البناء والتنبيه إلى أوجه القصور بطريقة مهذبة. ختاماً .. لا شك أن الوضع الأمني في اليمن كارثي بكل المعايير، وهنا ننصح الوزير الجديد حسين الترب بأن يضع برنامج يقوم على رؤية واضحة وفريق مساعد له من أهل المعرفة والخبرة والثقة، ومع أن قضايا ومشكلات الداخلية لا تحصى، إلا إن الرجل إذا أراد النجاح، فعليه إن يركز على بعض المشكلات الملحة ويعطيها الأولوية القصوى، وهي في تصوري كما يلي:

– بناء قاعدة معلومات متكاملة (سجل مدني) على أسس حديثة تتضمن معلومات دقيقة عن كل مواطن منذ لحظة ولادته حتى آخر لحظة في حياته وربما ما بعد ذلك. وذلك منعاً للفوضى والازدواج في وثائق الهوية الوطنية ووثائق السفر ونحو ذلك، ومنعاً للتزوير والتلاعب بالبيانات، وهو الأمر الذي لطخ سمعة البلد عربياً ودولياً.

– لابد من إحداث ثورة في ثقافة وبنية أقسام الشرطة والوحدات التابعة للداخلية، وإدخال مفاهيم حقوق الإنسان واحترام كرامة المواطن وسرعة الاستجابة له وتيسير أموره أينما كان. والقضاء تماماً على المفاهيم الموروثة من عسكري أو عكفي الإمام ومنها (أجرة العسكري) و(حق الطقم) و(حق بن هادي)، وكذلك العمل على اجتثاث سلوكيات التقطع والفيد والتهبش والعبث بأموال وممتلكات الناس.

– إيقاف التوظيف في الشرطة وأجهزة الداخلية من الأفراد ذوي المؤهلات المتدنية (الأميين أو حملة شهادة الابتدائية)، والتوجه نحو بناء الكوادر الشرطوية المحترفة، ويمكن استقطاب خريجي الجامعات، تخفيفاً من حدة البطالة، للعمل في مرافق جهاز الداخلية بعد دورة تدريبية تأسيسية مكثفة عن العمل الأمني لعدة أشهر وخاصة خريجي أقسام: القانون والإدارة والاجتماع والاقتصاد والسياسة، كما فعلت بعض الدول ومنها المملكة العربية السعودية الشقيقة حيث إن لها تجربة ناجحة في هذا المجال يمكن الاستفادة منها.

– أود التذكير والإشادة بتجربة (مراكز الإصدار الآلي الموحد) التي تمت في فترة الوزير العليمي كما أسلفت، فهي في تقييمنا نحن المختصون بالإدارة والتنظيم والجودة تجربة ناجحة ضمن البنية الهيكلية للداخلية. ومشروع كهذا يسمى في علم الإدارة ب(المنظمة الموازية)، وهي أحد الحلول التنظيمية التي تلجأ لها الدول عند التأكد من وجود جهاز إداري أصبح فاسداً أو غير فعال أو غير قابل للإصلاح، حيث يتم إنشاء جهاز يمارس نفس المهمة ولكن بثقافة جديدة وأساليب حديثة وشفافة، وقد تمثلت تجربة المنظمة الموازية ضمن الداخلية اليمنية في إنشاء (مركز الإصدار الآلي الموحد)، وهو جهاز يقدم للمواطن خدمات وزارة الداخلية من جوازات ورخص قيادة وشهادات ميلاد بمنتهى الشافية والجودة واللياقة الأخلاقية، وقد اندهشت عندما زرت هذا الجهاز لاستخراج وثيقة معينة، نظراً لحسن التنظيم، واستجابة الموظفين وجودة الإجراءات والعمليات دون تلكؤ أو ابتزاز، حتى أصبح المواطن يحصل على الوثيقة في يوم واحد إذا كانت مستنداته سليمة، بينما في الجهاز القديم، يتعرض للابتزاز ولا يحصل على الخدمة إلا بعد عدة أيام وبطريقة مهينة للكرامة. ولعلها أول تجربة من نوعها في منطقة الجزيرة العربية وقد استحسنها بعض أساتذة الإدارة في جامعة خليجية رائدة، وتم دراسة التجربة وستنشر نتائجها قريباً في بحث علمي محكم.

– استكمال الحملة القائمة على الدراجات النارية، لكونها تشكل ظاهرة قبيحة ومزعجة وخطيرة على حياة أبناء المجتمع، وقد أودت بحياة المئات من المواطنين الأبرياء.

وفي الأخير قد يقول القارئ إن الكاتب مغرق في التفاؤل، وأن وزيرا يذهب وآخر يأتي ويبقى الحال على ما هو عليه. لكن دعونا نأمل، فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل. والجواب ما نرى لا ما نسمع. نصيحة أخيرة للوزير الشاب: لا تسمح لفورة وعاطفة الشباب إن تطغي على تصرفاتك وقراراتك.