إليك يا صديقي..

لم اجد يومها سببا واحدا مقنعا لكل ذلك البكاء السري في غرفة مظلمة سوى خبر يبدو انني كنت أشعر به من دون أن أدركه، حتى أسمعه لاحقا عبر الهاتف من احد اخوتك، باقتضاب شديد، أشد من الوجع:” عظم الله اجرك.. رحل عمر”! يومها سالت نفسي أين أفر من اعواما تلاحقني صورها في أحياء صنعاء وشوارعها!! وماذا أخبئ من تفاصيل صداقتنا، وماذا سأعلن منها؟ سالتك: أين أفر من رقم هاتفك الذي سيقبض علي في كل مرة أستخدم فيها هاتفي، فأين أشيح بعيني عنه! تلك تفاصيل صغيرة، لن تضطر أنت إلى أن تختبرها. تفاصيل صغيرة، ولكنها مؤلمة، وتجعل جذوة الجمر مشتعلة على الدوام.

اشعر بالمرار لرحيلك وبالتأكيد أشعر بثقل وطأة سنين من الصداقة انتهت حين سمحنا للسرطان ان يتحكم بجسدك وينهش فيه.رحيلك كان بالنسبة لي تماما كما ترفع الصورة من إطارها، فتغيب الملامح، ولكن الإطار يبقى في مكانه, يا الله كيف يظل هذا الإطار وحيدا بلا زائرين! لكني أزوروه وعبثا اطمع في ان استعيد نكهة تلك السنين التي كنت انت نكهتها , فقد كنت أنت نكهة كل الأشياء الجميلة التي اختبرناها معا. اليوم وبعد عاما من رحيلك لست أدري عن ماذا سأكتب بالتحديد يا صديقي العزيز، عنك، أم عني، أم عن صنعاء أم عن الموت الذي “يفرط حبات المسبحة”.

يكفي ان اكتب لك عن صنعاء لتعلم عن حالي وعن الموت الجاثم على صدرها. سأحدثك عن صنعاء وعن شوارعها التي لطالما صافحناها معا شارعا شارع , صنعاء اليوم ياصديقي جريحة مقعدة لا حاكم لها ولا سلطان عليها الا سلطة المليشيات , اصبح الرصاص والموت هو الحاكم الفعلي فيها , اصبح الخوف هو زاد اهلها وقانون قوة السيد هو شرعها.

انتقلت صنعاء من (الاخونه) إلى (التهشيم) فقد رحل عنها طغاة الامس ويعيث فيها طغاة اليوم فسادا جديدا, غابت عنها اليوم كل ملامح الدولة المدنية التي حلمنا بها سويا وطغت عليها ملامح لمشاريع سلاليه طائفية تطمح لتشيد دولة مليشيا يقودها سيد قدم اليها من اقصى الشمال حاملا لاهلها الذل والموت في يديه. واليوم سلطة المليشيا تنهش في جسد صنعاء كما نهش السرطان في جسدك الضعيف , فترى صنعاء تخور وتتاكل وترى سرطان المليشيا يتسيد ويتغول ويستبد, ولا ادري ياصديقي ماذا سيتبقى لهم من صنعاء ليحكموا حين تمسي صريعة!! اظنك علمت الان ياصديقي بانك لم تمت وحدك واننا جميعا ميتون , فجميعنا لم ندرك ما حلمنا به حتى صنعاء التي فتحت ابوابها لتستنشق هواء طيبا امسى اليوم غبار الموت يخنقها.

أدرك اني بسطوري هذه اليك قد استبقت بايام قليله الذكرى الاولى لرحيلك , لكني أتذكرك دائما، اتذكرك كما كنت ؛ بشوشا، تشعل الفرح في الجلسات أنى حضرت. وكريما تعرف كيف يكون الكرماء الذين ينفقون بلا منة أو تبجح.ساذكرك فارسا وواضحا في انحيازاتك، وفي خلافاتك، ولم تلجأ يوما إلى الطعن بالظهر، بل إلى المواجهة الرجولية التي تسمي الأشياء بأسمائها الصريحة الواضحة.سأذكر عمر عبد الحميد الفقيه “أبو نظيره”، الذي أحببناه رجلا، يحب الحياة والورد والأصدقاء.كن بخير دائما يا صديقي، ولتكن روحك حرة كما كانت على الدوام.