علي محسن الرجل الأول

يدهشني البعض في فهمهم لعبارة اللواء علي محسن في حواره مع صحيفة الجمهورية في عددها الصادر في 29 سبتمبر، والتي قال فيها :«إلى مرحلة معينة من مراحل النظام السابق لا أنكر أنه كان لي دور أعتز به،إذ إن مواقف النظام السابق في كثير من الحالات ونتيجة لتخليه عن مسئولياته قد جعلتني بعض الظروف الرجل الأول وليس الثاني» ..
حين يحاولون ايهام الناس بانه اعترف على نفسه وانه من كان يجب ان تقوم عليه الثورة في اليمن وهذا فهم ساذج ففي كل الاحوال اذا كان صالح عالما بما يودون ايهام الناس به فالثورة كانت صواباً لأنها اعادت لمنصب الرئيس مكانته الطبيعية وان كان صالح غير قادر على تغيير الاشخاص الذين يديرون البلد بدلا عنه فالثورة ضرورة ايضا لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
كذلك لابد من التنبيه إلى حقائق فكلامهم يظهرهم وكأنهم لا يعلمون شيئا عن شخصية الرئيس السابق أو عن الجوانب القانونية الملزمة لكل رئيس بحدود عمله وهو المسئول الأول عنه وسواء أوكل غيره أو قام به بنفسه بالعمل أو تخلى عن بعض صلاحياته لشخص ما فهو المسئول قانونيا ودستوريا عن فترة حكمه كرئيس للجمهورية وفقا للقانون والدستور والذي حدد صلاحياته وهو المسئول الاول بحسب الدستور..
كما ان فشله في الحكم يعود عليه ان كان عاجزا أو جاهلا ومن باب اولى ان كان عالما وكان ينبغي على من حوله من رجال الدولة ازاحته قبل ان يوصل البلد إلى ماوصل اليه لكنهم جميعا وبينهم اللواء علي محسن وكافة قيادات المرحلة كانوا يحيلون كل شيء إلى الظروف غير الملائمة للتغيير..
وقبل الخوض في هذه القراءة للعبارة السابقة في سياقها العام نشير إلى انه منذ انقلاب الرئيس الحمدي على الرئيس الارياني في 1974 انتقلت السلطة من المدنيين للعسكرين، وتم توارث السلطة وتداولها بين العسكر إلى اليوم، ومن يومها صارت المؤسسة المدنية تابعة للعسكر وهذه حقيقة يفهمها الكثير من المهتمين بالشأن العام في البلد، ومن لا يفهم ذلك عليه ان يعود بذاكرته إلى تاريخ استقالة اللواء علي محسن وقيادة الجيش الموالي للثورة من النظام السابق بعد جمعة الكرامة وليركز على مسألة استقالات الوزراء والمدنيين في الحكومة والسفراء والتي ملأت القنوات والصحف، لن يجد أحد من معنى سوى ان المدنيين يتتبعون العسكر وبحسب حركتهم يتحركون كما ان اساتذه الاجتماع السياسي يعلمون ان الشخصية اليمنية كانت ولازالت لاتحترم الا العسكري ويعشق اليمنيون ان يناديهم الآخرون بكلمة "يافندم".
لماذا كان علي محسن في بعض الظروف الرجل الاول وليس الرجل الثاني في الدولة؟ علينا ان نعرف ماهي هذه الظروف ولماذا كان علي صالح يتخلى عن مسئولياته الدستورية والقانونية ويتوقف عن العمل وفقا للدستور والقانون؟ شخصية صالح المزاجية تجعله كثيرا يتصرف بتهور ويلجأ إلى الهروب من مواجهة المشكلات ويلجأ لتوكيل آخرين بحلها، كان يقوم بأعمال منافية لطبيعة عمله التي منحه اياه الدستور، فعندما يغضب من وزرائه فإنه يقول لهم كلاما جارحاً ويتهجم عليهم، في حالات كثيرة ايضا كان صالح قبل كل خطاب يقوله للشعب كان يفقد السيطرة على اعصابه، ولذلك كانت وكالة سبأ والفضائية "شغالين في قصقصة" احاديثه التي تسيء لليمن ولدول العالم فمرة يتهجم على اميركا والسعودية وأخرى على بريطانيا وغيرها.
حالة التصابي التي كان يعيشها صالح جعلته لا يقوم بمهامه، مثال لجزء بسيط من حياته الخاصة نشرته مجلة السياسة الخارجية الأمريكية فورن بولسي (نشرته الصحفية لورين غولدنغ بتاريخ 6 -يونيو 2011 كقصة وقعت لها معه)، في عام 94 خرج عن مهماته وأراد الهروب وترك البلد في حالة حرب، في عام 2006 كان صالح يتخلى عن مسئولياته ومن الطبيعي ان يقوم بالمهمة غيره، فيقوم قائد الجيش بمهام الرجل الأول في بلد يحكمه العسكر ولا يحكمه نظام مدني، فرئيس الوزراء مجرد ديكور..
ومثلما كان علي محسن يقوم ببعض واجبات صالح كان علي الآنسي يقوم ببعض تلك المهام التي يجب على صالح وحده ان يتولى القيام بها ولولا قيام اللواء علي محسن بواجبه واستشعاره لخطورة ترك الامور والحبل على الغارب لانهار البلد ودخل في العديد من المشكلات.. ولذا فإن الجميع يتجهون للواء علي محسن للتدخل في حل اي اشكاليات تواجههم،وحتى السفراء كانوا يرجعون اليه القبائل ومشاكلها التي لا تنقطع كان صالح يترك أمرها للواء محسن ليتدخل لحل الخلافات بينها،وهذا ما يوكد عجز صالح عن أداء مهامه ووجوب الثورة ضده.
عندما كان صالح يراجع حساباته كان يدرك ان سلطة اللواء محسن قد زادت وانه يفقد هيبته يوما بعد يوم ولذا اقترح عليه من يتلبسون "بثوب النبي"والشلة التي تخاف من سقوطه ان يقدم ولده ويجعله قائدا للجيش.. والبداية من الحرس، في بدايات عام 2000 وما بعدها كان احمد علي يقع تحت تأثير السيد احمد الكحلاني والسيد محمد القاسمي وأخرين..
ولذا وجدوا فيه المخرج من سلطة علي محسن التي لم تكن تتفق مع أهواء لابسي ثوب النبي خاصة عندما وجدوا ان احمد علي اهتماماته لم تكن ذات اهمية ولن تقف عائقا لمشروعهم باعادة الامامة،وهذه النقطة بالتحديد تجعلنا نفهم حقيقة حروب صعدة الست لإنهاء الجيش وتقوية الحرس لتقوية «احمد» وهي نفس النقطة التي تجعلنا نعيد التفكير بسر العلاقة بين الحوثيين وأحمد علي وبقايا النظام السابق.
علينا الغوص في عمق الحدث لا أن نتلقى الأمور بسطحية، فأكثر من تلقفوا عبارة علي محسن "كنت الرجل الاول" مرورا على صفحاتهم في الفيس بوك هم من لابسي ثوب النبي والبقية مجرد تابعين بدون فهم أو ممن لادور لهم ولذلك يبحثون عن دور ولا يجدون سوى اتهام الاخرين بما يفقدونه هم.
ما ينبغي التوقف حوله كثيرا عبارة "في الواقع كانت لدينا رؤية للتغيير منذ ما بعد حرب 1994 أنا والعديد من القيادات الوطنية المخلصة وبحمد الله جاءت ثورة الشباب الشعبية السلمية وكان لنا موقف منذ اندلاعها وإن لم يكن مصرحاً به".. هذا من وجهة نظري ابرز ما جاء في الحوار ويتمثل في افصاح اللواء علي محسن عن مشروع التغيير الذي كان مقصورا على المؤسسة العسكرية في البلد منذ فترة، في محاولة كانت تدرس جديا لإنهاء نظام الرئيس السابق الذي اسقطته الثورة السلمية عن السلطة فيما بعد مشروع التغيير الذي يحمله العسكر سمعت عنه قديما وأثارني،وفي نقاش حاد قلت للكاتب الصحفي الزميل والصديق عبد العزيز المخلافي حول هذا الموضوع من اين لهؤلاء العسكر بمشروع تغيير وهم مجرد عسكر !قال هم الاكثر تنظيما وفاعلية وجاهزية من المدنيين،كان هذا النقاش في 2006.
النقطة الثانية التي اثارت انتباهي في حديث الاحمر كانت في الدعم والتأييد للثورة السلمية غير المعلنين منذ اندلاعها "لكنه لم يكن مصرحا بهما" وحول هذه النقطة كنا قد حصلنا على معلومات في حينها من بعض الزملاء الصحفيين وبعض الاصدقاء العسكريين لن "نسميهم" ان قوات من الفرقة نزلت الساحة مع بداية الثورة وكانت تلك القوات هي من الشباب المجندين فيها ونزلوا الساحة بلباس مدني ونزلت الخيام والامدادات المقابلة التي أجراها الزميل الشرعبي حركت المياه الراكدة واخرجت معلومات واعترافات كان الكثيرون يجهلونها وانا ازعم هنا ان الرئيس هادي كان له يد في دعم الثورة منذ اندلاعها مادام انه كان من ضمن المجموعة العسكرية التي كانت تحمل مشروع التغيير في البلد منذ ما بعد حرب 1994.
قامت الثورة السلمية على تلك المهزلة التي كانت مجازا تسمى نظام حكم ومجازا يسمى رئيس دولة ولذا نحن كشباب اليوم مطالبون بشكل اساسي بفهم اسباب قيام ثورتنا وحتى وان كنا طالبنا منذ بداية الثورة باسقاط النظام فإننا كنا نعني به علي صالح واسرته فقط لاغير لأنه كأي مستبد عربي هو النظام وهو القانون وهو كل شيء في الدولة.





