رحل قائد الفرقة.. وبقي علي محسن

هناك أيام تشكل علامات فارقة في حياة الشعوب بحيث يكون لها ما بعدها ، فقد تصنع هذه الأيام الشعوب ، وقد يصنعها الأفراد ، لذلك لا يمكن لأحد هنا في اليمن أن ينسى يومي الحادي والعشرين من مارس 2011م والحادي عشر من إبريل 2013م ، ففي اليوم الأول أعلن اللواء / علي محسن صالح قائد المنطقة الشمالية الغربية – قائد الفرقة الأولى مدرع انضمامه السلمي إلى ثورة الشباب السلمية ..
وفي يوم 11 ابريل 2013م جاء قرار رئيس الجمهورية القائد الاعلى للقوات المسلحة بإبعاده عن منصبه وتعيينه مستشاراً لرئيس الجمهورية لشؤون الدفاع والأمن ، وبين هذين اليومين جرت أحداث وأحداث غيرت وجه التاريخ السياسي الحديث لليمن ، فمن المعلوم أن الاحتجاجات الشعبية كانت قد عمت معظم المدن اليمنية ضد نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح ، وكان لها زخمها ولكن ما إن أطل اللواء علي محسن صالح من على الشاشة الفضية لتلفزيون الجزيرة قبيل ظهيرة يوم الحادي والعشرين من مارس 2011م معلناً انضمامه السلمي لثورة الشباب السلمية حتى قلب الطاولة رأساً على عقب..
وكان لهذا الإعلان دوي هائل في الداخل والخارج ، تساقطت بعده الأوراق العسكرية والدبلوماسية والمدنية كما تتساقط أوراق الخريف نظراً لمكانة الرجل العسكرية والاجتماعية وعلاقاته مع كل أطياف المجتمع اليمني فهو من الشخصيات التي لا تقطع حبل التواصل مع أي كان فشعاره دائماً المحافظة على شَعرة معاوية ، فبعد هذا الإعلان انضمت الكثير من القبائل وشرائح المجتمع المختلفة إلى الساحة وشعر النظام حينها بخطورة الموقف فبادر الرئيس السابق للالتقاء مع اللواء علي محسن في منزل النائب آنذاك الرئيس الحالي / عبد ربه منصور هادي وفي حضور العديد من الشخصيات السياسية اليمنية ومعهم بالطبع شيخ السفراء في اليمن وأعني به شيخ ضمان اليمن في الوقت الحالي السفير الأمريكي / جيرالد فايرستاين ، وقد اشترط الرئيس السابق للرحيل في هذا الاجتماع أن يكون اللواء علي محسن رفيقه في هذه الرحلة فوافق الأخير على ذلك واختلف الاثنان فيمن يستلم قيادة البلاد بعد ذلك إما الأستاذ علي مجور رئيس الوزراء السابق وهذه كانت رغبة الزعيم / علي عبدالله صالح وإما النائب / عبد ربه منصور هادي وهذه كانت رغبة وإصرار اللواء / علي محسن صالح ، وافترق الاثنان وكل بدأ يلعب بأوراقه أحدهما يريد تطويل اللعبة علّها تحصل مفاجآت والآخر يريد تقصيرها خوفاً من حدوث المفاجآت أو انهيار البلد...
فجرت مواجهات في بعض المناطق بين الموالين والمعارضين وحصلت فيها أحداث دامية إلا أنها لم ترق إلى ما جرى في ليبيا و إلى ما يجري الآن في سوريا ، ولعل من أهم الأسباب التي جنبتنا الوقوع في هذا المستنقع هو ما قاله أحد أمراء العرب عند استقباله لوفد يمني رفيع المستوى وقد تطرق الأمير في حديثه مع الوفد اليمني إلى الأوضاع المأساوية في سوريا ثم أردف قائلاً :
( إنكم في اليمن قد نجوتم من هذا المنزلق بفضل الله ثم بفضل هذا الرجل وانضمامه إلى حركة التغيير السلمية وأشار بيده ناحية اللواء علي محسن الذي كان أحد أعضاء الوفد ) وهذه حقيقة يعرفها الجميع ، فلقد كان اللواء هو المايسترو أو ضابط الإيقاع كما يقال الذي حافظ على إيقاع الثورة الشبابية ومنعها من الانزلاق نحو المجهول وكان يفكر بعقله لا بعواطفه وهذا ما يميزه عن الكثير من أقرانه..
ولكي نكون منصفين ونحن نتكلم عن تجنيب البلاد الدمار فلابد أيضاً أن يعطى الرئيس السابق حقه فمهما اختلفنا معه في الكثير من القضايا إلا أنه لا يمكن تجاهله في قبوله للمبادرة الخليجية والتوقيع عليها رغم الكثير من الأوراق بيده ، وقد يقول البعض إن هذا القبول قد جاء نتيجة للضغط الدولي والرد عليهم ببساطة ( إن المجتمع الدولي وضغطه لم يغن شيئاً للشعب السوري حتى الآن ) فالضغوط لا تجدي إذا لم تتوفر القناعة والانحناء للعاصفة عند الزعماء..
اليمن كانت مختلفة تماماً عن بقية دول ( الربيع العربي ) في مخرجات حركة التغيير فيها حتى بمصير من تصدروا مشهد التغيير ، فمن المعلوم أن القادة الذين يتصدرون حركة التغيير في أي بلد وخاصة إذا كانوا جزءاً من نظام قائم ولهم ثقلهم الكبير فإنهم يشترطون اشتراطات محددة مقابل انضمامهم لحركة التغيير وهذا لم يحصل مع اللواء / علي محسن عندما أعلن انضمامه ، بل إنه كان يدرك إدراكاً يقيني أن هناك قوى في الداخل والخارج لها أجندتها الخاصة تتربص به وتتمنى رحيله مع علي عبدالله صالح إن لم يكن قبله..
ومع ذلك واصل المشوار مقتنعاً بما خرج من أجله بغض النظر عن المكاسب الشخصية وقد تجلى هذا في مساء الأربعاء الحادي عشر من ابريل 2013م فبعد دقائق معدودة من إعلان إبعاده عن منصبه السابق وتعيينه في منصب جديد حتى سارع إلى الإعلان عن قبوله واحترامه لقرارات القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي أصر اللواء / علي محسن ذات يوم أن يكون هو رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة ، لذلك لابد أن تحترم قراراته ، جاء ترحيب اللواء بهذه القرارات ليبدد الكثير من المخاوف عند الشعب اليمني خشية من ردود فعل من هنا أو هناك وخاصةً أنه كان هو الحامي والساند لثورة التغيير..
لقد كان اللواء / علي محسن استثناء من أولئك القادة الذين يصنعون التاريخ ، فهو لم يشترط المكافأة عند انضمامه ولم يشترط التعويض عند خروجه من منصبه ومن يشاهده هذه الأيام في منزله وهو يستقبل أطياف المجتمع اليمني بالكامل بما فيهم الذين كانوا في ميدان التحرير أو السبعين يدرك تماماً أن الذي رحل هو قائد الفرقة ولم يرحل علي محسن ، إننا عندما نتكلم عن اللواء/ علي محسن فإننا لا بد أن نرفع القبّعة ونحيي قائد الحرس الجمهوري السابق العميد الركن / أحمد علي عبدالله صالح الذي رحب بدوره بقرارات القائد الأعلى وامتثل لها ، وللإنصاف فقد كان هذا القائد ملتزماً بضبط النفس داخل العاصمة قدر الإمكان ، وقد تجلى هذا أثناء حادثة النهدين الشنيعة التي استهدفت الرئيس السابق وأركان نظامه ولم يعرف الفاعل الحقيقي حتى الآن ، إلا أن العميد أحمد كان يستطيع أن يفعل ما يشاء وتحت يديه قوة ضاربة بحجة الانتقام لما حصل لأبيه وأركان حكمه ومع ذلك فقد رفض أن يكون سيف الاسلام ، لذلك يستحق الاحترام..
وفي الأخير ينبغي علينا جميعاً ألا نلتفت كثيراً إلى الماضي حتى لا نتعثر في مسيرتنا نحو المستقبل بقيادة المناضل / عبد ربه منصور هادي الذي اختارته الأقدار ليقود سفينة اليمن في هذه الظروف الصعبة ، لذلك نقول له نِعم القائد أنت ونِعم الربّان فعليك الاستفادة من أخطاء الذين سبقوك ، فقد حباك الله بمستشارين يملكون مخزوناً هائلاً من الخبرة والدراية ولو تم الاستماع لهم في الماضي فلربما كانت ستتغير المعادلة ولكن قضى الله أمراً كان مفعولاً، سيدي الرئيس ( اليمن الواحد أمانة في عنقك ، فقد كنت له الابن البار في السابق وأنت له كذلك في المستقبل إن شاء الله ، فاحرص أن تكتب في تاريخك ما يجعل أحفادك يشعرون بالفخر والإعتزاز عند قراءته فالتاريخ لا يرحم يا فخامة الرئيس ) ، والله من وراء القصد .





