عادل الأحمدي.. مفكر الجمهورية الأول، وبوصلة مبكرة لقراءة ما وراء الأحداث

بينما كان كثيرون يغضون الطرف لحروب صعدة كان عادل الأحمدي يتألم لكل لحظة ألم يمر بها الوطن، ويكتب محذرا من الخطر الذي كان يتشكل في الظل في كتابه «الزهر والحجر» قرأ مبكرا خطر المشروع السلالي، وذهب إلى صعدة يبحث في جذور الظاهرة ويجمع الأدلة والشواهد، بينما كان كثيرون يرون تلك الحروب عبثية مخترعه من النظام..
وعندما أعلنت أحزاب المشترك تحالفها كان الأحمدي يحذر من اختراق سلالي ومن مسار سياسي قد يقود اليمن إلى الانزلاق الذي نعيشه اليوم وفي كتابه «الخيوط المنسية» كان يذكّر بأن اليمن ما زال في بدايات تطوره، وأن العبث بتوازناته الهشة قد يفتح أبوابا يصعب إغلاقها.
وفي 2009 كان يحذر علي عبدالله صالح من ضرورة الإصلاح ويتحدث عن موجات تغيير قادمة من الغرب ستطال الأنظمة العربية قبل عامين من اندلاع الربيع العربي وتنبأ بإحداث 2011 قبل الجميع..
وفي 2011 وقف في الساحة دون أن ينضم إلى أي طرف، وظل يحذر من أن إسقاط الدولة دون مشروع وطني واضح قد ينتهي بانقلاب سلالي تستفيد منه جماعة الحوثي، بينما كان كثيرون يرون المشهد من زاوية اللحظة فقط.
اليوم ونحن ننظر إلى ما جرى لليمن خلال أكثر من عقد، ندرك أن كثيرا مما حذر منه عادل الأحمدي وقرأه مبكرا لم يكن مجرد مواقف عابرة، بل كان نتاج قراءة عميقة للتاريخ والمجتمع والسياسة وتوازنات القوى.
ولا يمكن الحديث عن هذا الدور دون التوقف عند مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام، الذي كان من أوائل المراكز الفكرية اليمنية التي رفعت صوتها مبكرا للتحذير من خطر عودة الإمامة، وقدم عبر السنوات كتبا ودراسات وأبحاثا ساهمت في تفكيك الفكر السلالي وكشف مخاطره.
وأتذكر هنا موقفا لن أنساه
عقب معرضي مأرب الأول والثاني للكتاب، سلمني عادل عددا من كتب المركز التي تتناول خطر السلالة والفكر الإمامي وقال لي ببساطة تختصر الكثير من فلسفته:
«بعها ومن لا يجد قيمة الشراء أعطه إياها مجانا.. دع الناس تقرأ لتعرف خطر الحوثية الإمامية.»
لم يكن يريد بيع الكتب بقدر ما كان يريد أن تصل الفكرة كان يرى أن الكتاب في هذه المعركة ليس سلعة بل وسيلة مقاومة، وأن مواجهة الإمامة تبدأ من وعي الناس بحقيقتها.
وأتذكر أيضا ما قاله لي الأديب والصحفي الكبير عبدالرزاق الحطامي صديق عادل الأحمدي منذ الطفولة: «إذا أردت أن تقرأ الأحداث وما ستؤول إليه، فعليك بالأحمدي»، مؤكدا أنه من أعمق الصحفيين اليمنيين قدرة على قراءة الأحداث واستشراف مآلاتها.
ومنذ تلك اللحظة كلما هبت عاصفة على اليمن، أهرع إلى قراءة عادل الأحمدي لأعرف كيف يرى المشهد، لا بحثا عن نبوءة، بل بحثا عن قراءة عميقة تمنحني شيئا من الاطمئنان.
واللافت أن هذه القدرة على استشراف التحولات لم تتوقف. حتى التحولات الإقليمية الكبرى التي نراها اليوم، ومنها التقارب الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان وما ارتبط به من حديث عن اتفاق مكة، سبق أن تناول الأحمدي كثيرا من أفكارها ومقدماتها قبل نحو 19 عاما.
لهذا أقولها اليوم بلا تردد:
عادل الأحمدي ليس مجرد صحفي يكتب عن الأحداث، بل مفكر جمهوري يقرأ ما وراءها، ويرى جذورها قبل أن تظهر نتائجها.
ولا ننسى عادل الشاعر والأديب، ذلك الإنسان البسيط الذي يشبهنا في كل شيء؛ في لغته، في مشاعره، في انحيازه للناس والوطن، وفي طريقته التي تجعلك تشعر أنك تعرفه منذ زمن بعيد.
عادل الكريم النبيل، الذي لا تزال أخلاقه وتواضعه أكبر من كل ما كتب وكل ما قيل عنه. تواضع نادر لا يتكلفه ولا يتصنعه، حتى لتشعر أحيانا أن الرجل لا يدرك حجم ما يمتلكه من معرفة وموهبة وأثر.
وهذه واحدة من أجمل مفارقاته: عقل واسع يقرأ الأحداث بعمق، وقلب شاعر، وروح أديب، ونفس شديدة التواضع.
لهذا نحبه كما هو، لا لأنه مفكر الجمهورية فحسب، بل لأنه قبل ذلك وبعده إنسان نبيل يشبه اليمنيين الذين أحبهم ودافع عنهم وكتب من أجلهم.
قد نختلف معه في بعض التفاصيل، لكن يصعب تجاهل عمق قراءته، والأهم أن كثيرا من تحذيراته القديمة أصبحت اليوم جزءا من واقع اليمن والمنطقة.
مفكر الجمهورية.. الذي كان يقرأ العاصفة قبل أن تصل، ويضع الكتاب في يد الناس قبل أن تهب.
الصورة من مارب عقب احتفائية شعرية نظمها مركز نشوان قبل سنوات بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية..




