الثلاثاء 15 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • المخا ليست نهاية المعركة.. لكنها يجب أن تكون نهاية الأعذار

المخا ليست نهاية المعركة.. لكنها يجب أن تكون نهاية الأعذار

المخا ليست نهاية المعركة.. لكنها يجب أن تكون نهاية الأعذار

ما حدث في الساحل الغربي، وفي المخا على وجه الخصوص، أكبر من أن يمر كخبر عسكري عابر، وأخطر من أن يتحول إلى مادة للشماتة أو تصفية الحسابات.

الخسارة هنا لا تخص طرفا واحدا.

كل جبهة تتراجع أمام الحوثي تفتح مساحة جديدة لمشروعه، وكل جبهة تصمد أو تتقدم تحمي مساحة أوسع من اليمن.

ربما تأخرنا كثيرا في استيعاب هذه الحقيقة.

خلال سنوات الحرب، تعاملت قوى كثيرة مع الجبهات وكأنها ملفات منفصلة: هذه تخص طرفا، وتلك محسوبة على آخر، وهذه المحافظة شأن أبنائها. بينما تعامل الحوثي مع خصومه باعتبارهم ساحة واحدة، ونجح مرارا في الاستفادة من خلافاتهم وتعدد حساباتهم.

ولهذا فإن السؤال الأهم بعد المخا ليس: من نلوم؟

السؤال الحقيقي هو: ماذا كشفت المخا عن طريقة إدارتنا للمعركة؟

كيف انتهت سنوات من الإعداد والتجهيز إلى هذه النتيجة؟ أين كان الخلل؟ وما الذي كان يمكن فعله ولم يحدث؟ وما الذي يجب تغييره قبل أن تتكرر التجربة في مكان آخر؟

هذه الأسئلة لا تقلل من تضحيات المقاتلين، بل تحمي معناها.

الجندي الموجود في المتراس لا ينبغي أن يدفع ثمن قرارات لم يتخذها، ومن حق من قاتل ومن استشهد ومن جرح أن يعرف أن ما حدث لن يطوى ببيان أو يدفن تحت ضغط السياسة.

نحتاج إلى مراجعة مهنية حقيقية، لا إلى متهم جاهز ولا إلى تبرير جاهز. مراجعة تكشف الخلل، تحدد المسؤولية، وتخرج بقرارات واضحة. ومن يثبت تقصيره يتحمل مسؤوليته مهما كان موقعه.

وهنا تقع المسؤولية مباشرة على مجلس القيادة الرئاسي والحكومة.

المطلوب أن تتحول الصدمة إلى تصحيح: مراجعة وضع الجبهات، رفع مستوى التنسيق، تثبيت مرجعية مؤسسات الدولة، ومنع تكرار الأخطاء نفسها في مكان آخر.

وفي هذه اللحظة تحديدا، لا يجوز أن تتحول الخلافات داخل معسكر الشرعية إلى صدامات أو إهانات للمؤسسات. من حق كل مسؤول أن يمارس صلاحياته في إطار القانون، ومن حق الدولة أن تحاسبه إذا تجاوزها.

القاعدة التي يجب أن تحكم الجميع بسيطة: نحمي المؤسسة، ونحاسب المسؤول.

وبحكم عملي في القطاع الصحي، أرى أن الحديث عن الجبهات لا يكتمل إذا نسينا الناس.

خلف كل تقدم أو انسحاب أسر تنزح، وجرحى يحتاجون إلى إسعاف، ومرضى تنقطع عنهم الأدوية، ومستشفيات قد تجد نفسها فجأة أمام ضغط يفوق قدرتها.

ولهذا فإن الاستعداد للمرحلة المقبلة لا ينبغي أن يكون عسكريا فقط. يجب رفع جاهزية المستشفيات، وتأمين الأدوية والدم والإسعاف، والاستعداد للنزوح، وحماية النساء والأطفال والأسر المتضررة.

الدولة التي يريد الناس أن يروها ليست فقط دولة تقاتل، بل دولة تحمي مواطنيها عندما تشتد المعركة.

أما القوى السياسية، فهذه لحظة مراجعة لها أيضا.

يمكن أن نختلف على شكل الدولة، وعلى المستقبل، وعلى قضايا كثيرة. لكن لا يجوز أن تصبح خصوماتنا الداخلية أكبر من قدرتنا على مواجهة الخطر المشترك.

اليمنيون لا يحتاجون إلى حزب واحد ولا إلى رأي واحد. يحتاجون إلى قوى تعرف متى تختلف، ومتى يصبح الاتفاق ضرورة وطنية.

والأشقاء في المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج يدركون أن أمن اليمن مرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب والمنطقة. وما يحتاجه اليمن في هذه المرحلة ليس تقوية طرف على حساب آخر، بل دعم دولة ومؤسسات وجبهة أكثر تماسكا.

ويبقى المواطن اليمني هو الأهم.

هو متعب من الحرب والفقر والنزوح والخدمات المنهارة، ومتعب أكثر من الوعود.

ولهذا لا ينبغي أن نقول له إن كل شيء بخير، ولا أن نتركه يعتقد أن كل شيء انتهى.

ما حدث مؤلم، لكنه ليس نهاية الطريق.

الحوثي استفاد من قوته، لكنه استفاد أيضا من ضعف خصومه وتفرقهم. وهذه الحقيقة لا ينبغي أن تخيفنا فقط، بل يجب أن تخبرنا أين يبدأ الإصلاح.

إذا عرفنا أخطاءنا، وعالجناها، وأعدنا للدولة دورها، ورفعنا مستوى التنسيق، وحاسبنا المقصر، وحمينا المواطن، فإن المعادلة يمكن أن تتغير.

ولهذا لا ينبغي أن تكون المخا عنوانا لليأس.

يجب أن تكون نهاية مرحلة من الأعذار.

لا عذر بعد اليوم لطرف يرى سقوط جبهة أخرى وكأنها لا تعنيه، ولا لمسؤول يخفي الخطأ خوفا على موقع، ولا لقوة سياسية تجعل خصومتها مع شركائها أهم من الخطر الذي يهدد الجميع.

رحم الله الشهداء، وشفى الجرحى، وحفظ أهل الساحل وكل أبناء اليمن.

ولأبطال الجبهات نقول من حقكم علينا أن يكون خلفكم قرار يليق بتضحياتكم.

وللقيادات نقول الخطأ يمكن إصلاحه، أما تكراره بعد أن أصبح واضحا فمسؤولية لا يمكن تبريرها.

المخا ليست نهاية المعركة.

لكنها يجب أن تكون اللحظة التي نستعيد فيها البوصلة.